اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / القلم مفتاح التقدم 4

القلم مفتاح التقدم 4

بالقلم تقدمت أوائلنا

لا يزال الإنسان يجد نوعا من الحيرة الممزوجة بالعجب والإفتخار في علاقته مع القلم وآلة الكتابة مع أن تاريخه أيضا مرتبط بنقوشات نقشها أجداده في غابر الأزمان بالأحجار الصلبة والصخور المعمرة وعلى بيوتهم المكونة من الطوب والحجارة والتي أبقاها الزمان لتكون شاهدة على أن للقلم مهما كان نوعه منزلة خاصة في يراع كل إنسان.

ولقد كان عظماء الإسلام الذين شادوا حضارة من القلم والغرطاس والعمارة الجميلة والفكر المستنير أرباب القلم والكتابة وبهما سادوا العالم وتحكموا في عقوله قبل دوره وقصوره فانقاد لهم العالم لأن العقل يعقل بالعلم والفكر وبهما ينقاد الإنسان دون تردد أو تلكؤ.

لقد كان القلم مع المسلمين منذ أن أشرقت شمس رسالتهم العالمية، وقد أشرنا فيما مضى من سطور هذه المقالة أن الدين الإسلامي كان ولا يزال هو المشجع الأكبر لقاطرة القلم والكتابة وهو الأساس الذي قام عليه صرح الحضارة وتوطد ركنها وقوي عودها.

وإيمانا بتلك الحقيقة وانطلاقا من رسالتها وإشارتها تمسك المسلمون بالقلم وآمنوا بأن إسلامهم ليس طقوسا ولا رهبنة ولا اعتكافا في زاوية من زوايا المعبد أو المسجد وإنما روح يخاطب العقل ويغذيه ويزرع فيه ثورة العلم والمعرفة والبحث في الآفاق عن آيات مرشدة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) فصلت 53 .

وبهذا بدأ عصر التدوين والكتابة في الإسلام من أيام المصطفى صلى الله عليه وسلم، أولا بكتابة الوحي الأول (القرءان) وثانيا بتدوين الحديث من بعض الصحابة كعبدالله بن عمر بن الخطاب وغيره وثالثا بكتابة سيرته صلى الله عليه وسلم ومغازيه وسائر أيامه، وعندما آلت الخلافة لبني أمية إزدهرت بشكل أكثر حركة التدوين والكتابة وسائر العلوم وبدأ الناس يرتبطون أكثر فأكثر بالقلم والغرطاس وسائر أدوات العلم والكتابة.

لا يزال القلم يخط طريق النجاح بكل أريحية في ديار المسلمين ويبسط في طريقه بساطا من الحرية الفكرية وقربة إلى عالم الحقائق ويزيح عن سماء المسلمين غيوم الجهل وعدم الإدراك ويفتح لهم آفاقا جديدة من الفلك والجغرافيا والتاريخ والفلسفة والطب والرياضيات وعلم المنطق وسائر العلوم، ولقد بلغت حركة الكتابة والترجمة ونقل ما عند الآخر ونقده وتصحيحه أوجها في العصر العباسي الأول، وبافتتاح مكتبة الحكمة وتولي العالم عبدالله المأمون الخلافة يتحول بيت الخلافة إلى دار للعلم والعلماء ويقتني المأمون لعاصمته من كل بلاد الدنيا ما يزينها بالعلم، فقد نقل من الإسكندرية من الكتب ما يثقل مائة بعير ومن بلاد الروم -التي تبرأ أصحابها من العلم وقالوا أنه فساد يفسدهم – فقد كلف المأمون نخبة من أهل العلم بالإقتناء من مكتباتهم بعدما صالحهم على ذلك، ولم يبق في الدنيا شيء من الكتب ذو قيمة إلا ونقل إلى بغداد عاصمة الخلافة، وهكذا تقدم المسلمون في ذاك العصر وبعده ونبغت فيهم عقول لولاها بعد الله لمّا فتح للبشرية عين ولا استقام لهم أمر فقد نبغ الحكماء أمثال الغزالي وابن الرشد ونبغ الأطباء كابن السيناء وابن النفيس ونبغ الرياضيون أمثال جابر ابن حيان ونبغ العلماء والعارفون والأدباء أمثال الطبري وعبدالقاهر الجرجاني والإمام الجويني والماوردي و الأصمعي وغيرهم الكثير الكثير.

تراءى للمسلمين حينها كل الكون من بحاره ومحيطاته وقاراته وصورو خرائطه و أصبحوا أول الأمم التي تفكر ثم تبدع ما ليس موجودا في عالم الناس مثل الميكانيكا والجبر والفلك والكيمياء وغيرها مما أبدع فيه المسلمون وابتكروا كما يصور بذلك كله الطبيب الكاتب د. راغب السرجاني في كتابه الفريد ماذا قدم المسلمون للعالم.

أليس مفهوما إذن أن الأوائل قدمهم عن غيرهم القلم، وسار إمامهم العلم ففهموا بعد أن خط القلم، أليس مفهوما أن الإنحطاط والتخلف والرجعة إلى الوراء صنو للعقل العليل والقلم الكليل واللسان الثقيل، أليس مفهوما أن يقول إقبال مفتخرا بأجداده بعدها :

الـديـن لنا والحـق لنا والعدل لنـا والـكل لنا

أضحى الإسلام لنا ديناً وجميـع الكون لنا وطنا

تـوحـيـــد الله لنا نورٌ أعـددنا الروح له سكنا

الكون يــزول ولا تُمحى في الدّهر صحـائف سؤددنا

بنيت في الأرض معابدنا والبيـت الأول كــعبتنا

* * *

قولوا لسماء الكون لقد طــاولنا النجم برفعتنا

وأذان المسـلم كان له في الغرب صدى من همتنا

ومحمد كان أمير الركب يقود الفوز لنـصرتــنا

إن اسم محمد الهادي روح الآمــال لنهضتنا

نعم كان الكون مسرح هذه الأمة لكنها هانت لما إمتطى حصان العلم والإنتاج غيرها، وتأخرت عن ركب الأمم لما أبت أن تسطر بالقلم مستقبلها وأصبحت مستهلكة لما صادرت الأفكار من عقول أبناءها وهذا ما نناقشه في المقالة التالية.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن محمد نظيف شوكاني

محمد نظيف شوكاني
محمد نظيف شوكاني باحث في الفقه وأصوله في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد

اترك رد