اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / القلم مفتاح التقدم (1)

القلم مفتاح التقدم (1)

تتقدم الأمم ويهتف بالنصر قوادها، وتصرع الأجيال طبيعة الأرض الصماء، واكفهرار الليالي، وتحول هذه إلى جنات خضراء، وهذه إلى نور وضياء، وكما تزيل عتمة الليالي وطبيعة الأرض القاحلة فكذلك؛  تحول بلادة العقول إلى نباهة وفطنة وذكاء، وتحول العقبات إلى فرص، والفاقة إلى غنى وثروة ، وتنتقل المجتمعات من البداوة إلى الحضارة، ومن لا شيء إلى أن تصبح كل شيء.    ذلك كله محاولة النهوض، والسباحة بسرعة عكس التيار، أو إيقافه حتى يتلاءم مع ظروفها أو تصل قافلتها إليه.

فما السر في تلك التحولات؟ذلك السر هو القلم. لأن القلم مفتاح التطوير وآلة الريادة وربان سفينة التقدم ومهندس البناء.     القلم سفير العقول ورسول الحكمة وجمال القافية لقصيدة الحضارة. بالقلم يسطر البررة من السفرة الكرام، وبه يصور المبدعون، وبه تنال الأمم بغيتها في عالم المعرفة والثقافة. لا تخلو حضارة عن القلم، بل لا حضارة بدون أقلام وإذا خلت منه فهي عبارة عن صلف وجمود، قد يظنها الناس حضارة ولكنها في الحقيقة إنحلال وبداوة، وقد يظنها الناس تقدما وريادة ولكنها في الحقيقة تأخر وانحصار. ولذلك قال: عيسى بن فرخانشاه وهو يصف القلم:

عليم بأعقاب الأمور كأنه ** لمختلفات الظن يسمع ويرى.

إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ** يفتح نورا أو ينظم جوهرا.

وحقا ليس هذا خيالا من شاعر فقط ولكن الأقلام تنير الدروب وتفتح الوعر من الطرق وتهدي الأجيال إلى الصراط المستقيم. والأمة التي لا تعرف مسك القلم فلن يكون في حياتها عطر ومسك ذو رائحة عطرة ولكن تتحول الحياة فيها إلى روائح كريهة تغذيها حمامات التخلف وقمامات التأخر بمزيد من التعاسة والرائحة الكريهة.

قال أحدهم يدعو الناس إلى القلم:

قف وسطر دررا بالقلم ** واشكر الرحمن مولى النعم.

فلرب العرش خير ظاهر ** علم الإنسان ما لم يعلم.

قد قضى الله بأمر أزلا ** كتبت أقدارنا بالقلم.

ومعلوم أن صاحب القلم مهموم لأنه يصون كرامة ويصف حكمة ويسطر مستقبلا، مهوم لأنه يصارع ظلمة ويضيء منارة، مهموم لأن الهم والغم ملازمان لصاحب الحكم الفريدة والإيقاعات الجميلة والإسقاطات الواقعية.

معلوم أنه مهموم لأنه يعاني من أمرين أحلاهما مر: هما : 

1. التنقيح عن الداء وسبر أغواره وفتح مغاليقه ومعرفة أسبابه، وقد يتطلب هذا فحص المريض وحقن جسده بالإبر الأليمة وقلّ من يتحمل الألم ويصبر له هذا من جانب.

2. ومن جانب آخر يعاني من وصف الدواء الذي لا يكون سهلا ميسورا بل صعبا وعسيرا فقد يكون الدواء منتهي الصلاحية وقد يكون غير فعال، وقد تكون بكتيريا المسببة للمرض قد تأقلمت معه فلا ينفع معها الدواء ولو وصفته ألف مرة.

ومع ذلك كله قد يكون المريض لا يرغب في هذا الدواء بالتحديد أو قد يتقاعس ويتكاسل عن تناوله وقد يهمله مما يفاقم المشكلة ويضاعف المرض ويجعل من فرص القضاء عليه أمرا عسيرا هذا إن لم يكن مستحيلا، لهذا قال الشاعر إيلياء أبو ماضي عن صاحب القلم:

أشقى البريّة نفسا صاحب الهمم ** وأتعس الخلق حظا صاحب القلم.

عاف الزمان بني الدنيا وقيّده ** والطير يحبس منها جيد النغم.

وحكِمت يده الأقلام في دمه ** فلم تصنه ولم يعدل إلى حكم.

وهنا يكون لزاما أكثر أن يحمل القلم كل قادر عليه وتتطافر جهودهم ويتكاتف الجميع في سبيل إنارة الدروب وفتح الطرق لملايين من الأجيال الصاعدة التي تبحث ما تروي به ظمأهما وتزيل به جوعتها. وليس هذا فقط بل عليهم أن يبنوا حضارة ويؤسسوا ثقافة ويحعلوا من الكتابة ومسك الأقلام مهنة وعادة.

هذه فاتحة المقال ومقدمة الكلام ولا يزال المقال مستمرا في قادم الأيام إن شاء مولانا إنه بمصائر الأنفس أعلم.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن محمد نظيف شوكاني

محمد نظيف شوكاني
محمد نظيف شوكاني باحث في الفقه وأصوله في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد

اترك رد