اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / الصومال والسودان وأهمية الموقع الاستراتيجي للقرن الإفريقي

الصومال والسودان وأهمية الموقع الاستراتيجي للقرن الإفريقي

يقع الصومال والسودان في اهم المواقع الجغرافية في العالم لاطلالتهما على المحيط الهندي والبحر الاحمر  ومقاسمة الصومال لليمن على السيطرة على خليج عدن اهم معبر مائي في عالم اليوم ، ويقع البلدان في القارة الافريقية وفي منطقة القرن الافريقي التي تشهد تسابقا عالميا للسيطرة عليها لاهميتها الخاصة والعالمية.

يقصد بمنطقة القرن الأفريقي -جغرافيا- ذلك الجزء الممتد على اليابسة الواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن ، وهو بهذا المفهوم يضم كلا من الصومال، وجيبوتي، واثيوبيا ، واريتريا ، ويلحق به السودان، وكينيا ، واوغندا، تأثرا وتأثيرا.

وهو بهذا التحديد قرن اسلامي الهوية ، للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه ، والتي تتشكل من القبائل الصومالية في الصومال ، واوجادين في الاقليم الصومالي الخاضع لاثيوبيا ، وانفدي الاقليم الصومالي في كينيا ، والعيساويين والعفر في جيبوتي واريتريا ، والقبائل السودانية في السودان ، والقبائل والمجموعات الاسلامية الاخرى من العرقيات المختلفة  في المنطقة والتي تضم نسبا متفاوتة من المسلمين .

ولعبت هذه القبائل دورا كبيرا في نشر الدين الاسلامي والذود عنه في منطقة القرن الافريقي وحالت دون النفوذ والتغلغل للنصرانية في القرن الافريقي .

ليست أهمية القرن الأفريقي وليدة اليوم، فقد كانت ومنذ العصور القديمة محط أنظار القوى والإمبراطوريات المهيمنة، لأهميتها الإستراتيجية وإطلالها على طرق التجارة الدولية البرية والبحرية، ومنذ القرن الـ 15 ازداد التنافس الغربي على النفوذ بهذه المنطقة، بل وتحول لصراع في حالات عديدة.

وبالنظر للأهمية الإستراتيجية التي تشكلها هذه المنطقة الحساسة فقد أصبحت نقطة جذب وتركيز واهتمام من لدن أطراف دولية وإقليمية عديدة تتصارع على مواطن الثروة والنفوذ ومراكز القوة والحضور.

وزاد من أهميتها الإستراتيجية كونها تمثل منطقة اتصال مع شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، فالموانئ وحاملات النفط والغاز والاتجار بالبضائع والأسلحة وعبور الأشخاص عوامل جعلت منها نقطة جذب دولية.

وسعت دول عربية عديدة السنوات الأخيرة لتقوية حضورها في تلك المنطقة نظرا للأهمية الاقتصادية والإستراتيجية لتلك الدول عموما وللبلدان التي يمر نفطها عبر المنافذ البحرية التي تتحكم فيها هذه الدول، بيد أن ذلك لم يكن قاصرا فقط على هذه الدول، فالعديد من دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة وكذلك الصين والهندواليابان وتركيا وإيران وإسرائيل تسعى كلها لتقوية نفوذها بهذه المنطقة.

وتشهد منطقة القرن الافريقي في السنوات الاخيرة تنافسا دوليا واقليما حادا للسيطرة على المواني والمنافذ البحرية لدول القرن الافريقي، فالامارات وقعت اتفاقيات تشغيل بعض موانئ الصومال وجيبوتي واليمن، بينما في المقابل وقعت تركيا اتفاقية مع السودان لاعادة تشغيل ميناء جزيرة سواكن السودانية ، بالاضافة الى وصول الصين للقرن الافريقي والدخول في اتفاقيات مع الحكومة الجيبوتي لاعادة تشغيل ميناء دورالييه الجيبوتي والذي سلمته الحكومة الجيبوتية للصين بعد طردها للشركة الاماراتيه ، وعبرت الامارات عن عدم رضاها وسخطها لمثل هذه التصرفات .

ومن جانبه صوت البرلمان الصومالي لطرد شركة موانئ دبي من الصومال بعد ابرامها لاتفاقية تشغيل ميناء بربرة مع حكومة صومالاند في شمال الصومال الغير المعترف بها دوليا والتي اعلنت من جانب واحد انفصالها عن الصومال مما سبب في نشوب حرب دبلوماسية بين الدولتين .

وتشهد الساحة الصومالية تنافسا بين الامارات وتركيا من اجل بسط نفوذهما في القرن الافريقي، وتحاول الامارات ثني الحكومات الصومالية عن التعاون الوثيق مع الاتراك وتحجيم دوره في الصومال ، بينما تسعى تركيا الى توطيد علاقاتها مع الصومال نظرا لموقعه الاستراتيجي وكونه معبرا لافريقيا تستطيع من خلاله تركيا الدخول في الاسواق والاقتصاد الافريقي.

ومن جانب آخر عبرت الامارات والسعودية عن هواجسها وقلقها من سماح السودان لتركيا باعادة تشغيل موانئ جزيرة سواكن اذ لا تحبذ هذه الدول الخليجية بسط تركيا نفوذها في البحر الاحمر ، فبالاضافة الى توقيع تركيا اتفاقية تشغيل ميناء سواكن مع السودان ، وقعت مع الصومال اتفاقية لتشغيل وادارة ميناء مقديشوا اذ تديره شركة تركية منذ عدة اعوام .

وانطلقت الامارات العربية المتحدة الى منطقة القرن الافريقي من خلال عملية سياسية غير عادية ، اذ رعت وسهلت  التقارب الاثيوبي- الارتيري ،  ومساعيهما لإنهاء صراع امتد لعقدين من الزمن بين البلدين ، اذ  نججت الامارات في الوساطة بين البلدين وتمكنت من ايجاد ارضية صالحة تقوم عليها المصالحة بين اثيوبيا وارتيريا.

وتمكن البلدان اخيرا وبقيادة رئيس الوزراء الاثيوبي ابي احمد الساعي الى تصفير  المشاكل وحلحلة الخلافات مع دول الجوار خاصة مع ارتيريا والقيادة الارتيرية الساعية نحو الخروج من النفق المظلم وعزلتها الدولية .

وقام  ابي بزيارة تاريخية  الى العاصمة الارتيرية اسمرا والتقى بالرئيس والقيادة الارتيرية الذي اعلن بدوره عن رغبته بحل الخلافات الاثيوبية الارتيرية،  ودعى ابي للرئيس الارتيري اسياس افورقي الى زيارة العاصمة  الاثيوبية اديس ابابا التي رحب بها الاخير وقام بزيارة تاريخية للعاصمة الاثيوبية مما فتح وجها جديدا للعلاقات بين البلدين .

وعملت الامارات على التوسط لحل الخلافات الارتيرية الاثيوبية من اجل توطيد نفوذها في القرن الافريقي وخاصة في ارتيريا التي تطل عل البحر الاحمر والاستفادة من الموانئ الارتيرية وفتح سوق جديد لهذه الموانئ من خلال الاتفاق مع اثيوبيا ذات الكثافة السكانية الهائلة مما يسمح لارتيريا بان تكون بلد اقتصادي منفتح في القرن الافريقي.

ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد والثروات الطبيعية التي تتمع بها المنطقة وخاصة الصومال والسودان ، حيث ان الصومال يتمتع بثروات هائلة  وخيرات طبيعية ،ويتوفّر لديها كمّ كبير من احتياطي الغاز الطبيعي والنفط، بالإضافة لذلك فهي غنية بالحديد، والجبس، والقصدير، والنحاس، والملح، وتتميز الزراعة في الصومال بأنها من أكبر المجالات الاقتصادية، حيث تشتهر بوجود ثروة حيوانية ضخمة فيها، ومن أهم صادرتها اللحوم، والأسماك، والمنتجات الزراعية، بالإضافة إلى ذلك السكر، والموز، والذرة.

وتتمتع الصومال بثرة سمكية هائلة يمكن ان تشكل لوحدها مصدر امن غذائي يوازي النفط والغاز، إذ تمتلك الصومال أطول ساحل في القارة الأفريقية يبلغ طوله 3330 كلم، وتعدّ السواحل الصومالية  واحدة من أغنى مواقع الصيد في القارة الأفريقية نظرا لما تزخر به من أنواع مختلفة من الأسماك والثروة البحرية الأخرى. مما جعل دول العالم تتطلع للاستفادة من هذه الثروة السمكية الهائلة للصومال ، وتقوم بعض هذ الدول بعمليات الصيد الغير المشروع للثروة السمكية الصومالية مستغلة عدم استقرار الاوضاع في الصومال وتحججها بمالمساهمة في حماية الامن البحري العالمي ،وعدم قدرة الصومال الحالية على التحكم بسواحله الطويلة، وان كانت الصومال حاولت في الآونة الأخيرة بناء قوات الامن البحري الصومالية لتتمكن من حماية السواحل والمياه الصومالية الا ان جهودها ما زالت في قيد الانشاء والتطور.

وتتعرض ثروة الصومال السمكية لعمليات نهب واسعة تقوم بها شركات اجنبية منذ سقوط حكومة الصومال المركزية في عام 1991م، وتقوم بعمليات نهب ممنهج وتدمير مقصود.

اما السودان الشقيق فإنه كان يعد اكبر دولة في افريقيا من حيث المساحة قبل انفصال جنوب السودان عنه ، إذا اصبح السودان ثاني دولة افريقية من حيث المساحة كما أنه يطل على البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله حوالي 720 كيلو متر.

ويتمع السودان بثروات طبيعية هائلة حباها الله بهذا البلد ، من اهمها الاراضي الزراعية التي تنتشر في عموم البلد، ، حيث انه بالنسبة للأراضي الصالحة للزراعة فإن السودان يمتلك حوالي 200 مليون فدان صالحة للزراعة، أي ما يعادل حوالي 45% من الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي وتستطيع هذه الاراضي تأمين غذاء السودان وافريقيا والعالم جميعا  لخصوبتها، حتى اصبح يلقب بالسودان بالسلة الغذائية العالمية ، بالاضافة الى الثروة الحيوانية  والبترول واليورانيوم والثروة المعدنية التي يمتلكها السودان.

الى جانب هذا يعتبر السودان من دول مصب نهر النيل اطول نهر في افريقيا ، اذ يلتقي في السودان شطري النيل نهر النيل الابيض والازرق في مدينة الخرطوم ، وبهذا يمتلك السودان ثروة مائية هائلة.

اذا فهذه الثروات والموارد الطبيعية الضخمة التي تتمتع بها البلدان والموقع الجغرافي الذي يشتركان فيه وضعهما تحت الاطماع الغربية التي تطمع للسيطرة والتحكم في هذه المنطقة ذو الاهمية العالية العالمية.

وهذا مما ساهم في توثيق العلاقات بين الجانبين نظرا لحكم الجغرافيا والاقليم المشترك ، ومن اجل مواجهة العقبات والازمات التي تواجه البلدين ، وللسودان الفضل الكبير في الوقوف الى جانب الصومال دوما وخاصة ابان العقدين المنصرمين والتي انهارت فيها الحكومة المركزية الصومالية ، اذ اسنده واظهر له الوجه الحقيقي للسودان الشقيق للصومال الحبيب.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبدالله عبدالقادر آدم

عبدالله عبدالقادر آدم
كاتب وباحث صومالي، خريج كلية الشريعة والقانون بجامعة افريقيا العالمية، حاصل على درجة الماجستير في القانون من جامعة الزعيم الازهري

اترك رد