اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / التراث الشعبي الصومالي : الملامح والظّلال

التراث الشعبي الصومالي : الملامح والظّلال

الصومال  هذا البلد العربي الإفريقي المطل على المحيط الهندي وخليج عدن، له تاريخ طويل ، يحكى عن أحوال قوم أثاروا الأرض وعمروها، وتركوا فيها إرثا عظيما وقصة هوية متأصلة، وثقافة متجدرة تعد مزيجا من  الثقافة العربية والإفريقية والفارسية،  ورصيدا من الثقافات الرئيسية للشعوب القديمة التي كانت ترتبط بعلاقات تجارية قوية مع سكان بلاد الصومال.

وثّق بعض المؤرخين وعلماء الأنتوغرافية أن تاريخ الصومال في العصور القديمة  يعود إلى ما قبل الميلاد وأن أسلاف الصوماليين قطنوا في منطقة الشمال الشرقي للقرن الإقريقي منذ ألفين أو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، واستدلوا بذلك بعض المخلفات وخرائب مدينة قديمة عثرت في مناطق  بالصومال والتي يعود تاريخها إلى 3500- 3600 عام قبل الميلاد ( دراسات في تاريخ شرق إفريقيا د. عطية مخزوم ص: 185-187) .

لقد وجدت في بلاد الصومال أيضا آثار من الإنسان القديم تشبه بقايا الإنسان التي عثر عليها علماء الآثار في كهوف أسبانيا وفرنسا وبريطانيا وأواوسط أوروبا وشمال أفريقيا كما يقول جرجي زيدان في كتابه طبقات الأمم أو السلال البشرية ( ص: 221 ).

وكذلك أوضحت  بعض الأبحاث التي أجريت حول تاريخ الصومال في العصور القديمة أن  الصوماليين القدماء أقاموا بعلاقات وصلات تجاية قوية مع الحضارات القديمة وخصوصا مع المصريين والفينيقيين والإغريق، حيث بدأ الفينيقيون بالوصول  إلى بلاد الصومال في عهد النبي سليمان عليه الصلاة والسلام لجلب الذهب والعاج والقردة والطواويس ( أعلام الجغرافين العرب ومقتطفات من آثارهم ص: 23-24).

أما علاقة المصريين القدماء ببلاد الصومال تعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد وتحديدا عندما قامت الملكة حتشبسوت خامسة فراعنة الأسرة الثامنة عشر بإرسال بعثات تجارية إلى  منطقة القرن الإفريقي لجلب  منتجاتها كما ذكرها محمد إبراهيم محمود ليقليقتو في كتابه عن تاريخ الصومال : أرض البنط العريقة (Taariikhda somaliya  dalkii faca weynaa ee punt  ص: 11).  ووثقت هذه الرحلة في شكل صور على  جدران معبد الملكة بالدير البحري حيث بدأت من طيبة وتجهت شمالا إلى القناة التي تربط النيل بخليج ثم سارت بالبحر الأحمر  ( كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة الشيخ أحمد عبد الله ريراش الصومالي ص:6).

وكذلك تعرف الفرس على الصومال عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، عندما أرسل كسرى الفرس داريوس سيلاكس كي يرتاد البحر الأحمر وسواحل الصومال ( عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافين العرب  ص: 26.) .

أما علاقة منطة شبه الجزيرة العربية مع الصومال  تعود إلى ما قبل الإسلام فكان للعرب محطات تجارية على سواحل الصومال والقرن الإفريقي ، ينفذون منها إلى داخل شرق إفريقيا، وكانت أساطيلهم التجارية تجوب سواحل المحيط الهندي، ولم تنقطع هجراتهم  إلى شرق إفريقيا فأنشأوا مملكات على مدنها الساحلية من بينها مدينة مقديشو (المجتمع الإسلامي المعاصر بإفريقيا للدكتور جمال عبد الهادي وعلي لبن)، وتعززت العلاقة  ما بين الطرفين بشكل كبير  نهاية الدوله الأموية وخلال الهجرات المتتالية التي وصلت إلى الصومال قادمة من العراق وشبه الجزيرة العربية ( بغية الآمآل في تاريخ الصومال د. شريف عيدروس ص: 52) .

أشتهرت بلاد الصومال على مر العصور  بأسماء محتلفة  أطلق المستكشفون والرحالة عليها تعكس  عن المراحل التي مرت بها  بلاد، فقد سمى المصريون القدماء بلاد الصومال بإسم بلاد بونت لما كانت تتمتع من ثروات هائلة من البخور والعطور واللبان. والرومان  واليونان سموها بلاد البربر كما ذكرها المؤرخ الصومالي محمد حاج مختار حسن  في كتابه (انتشار الإسلام في الصومال ص: 11 ) وكذلك عرفها الشاعر العربي إمرؤ القيس (501-540 م) بإسم بلاد البربر كما أوردها ابن خلدون في ( مقدمته ص: 78)  وبقي هذا الإسم إلى اليوم يطلق على مدينة ساحلية في شمال البلاد. وهناك تسميات أخرى من بينها الزنوج والأوفير وغيرها تعبر عن الانسان القديم الذي عاش في الصومال.

نشأة التراث الصومالي

ساهمت العلاقات التي كانت تربط الصومال بالحضارات القديمة في نشأة نهضة قومية في مختلف المجالات وحققت المدن الساحلية في البلاد تطورا كبيرا في وقت كانت مناطق أخرى تموج في ظلام دامس ، وظلت مدينة مقديشو على سبيل الميثال تواصل ازدهارها إلى وقت متأخر من العصور الحديث حيث تحدث ابن بطوطة أنه زار  المدينة   عام 1331 م وهي ذروة الازدهار مليئة بالتجار الأغنياء، والسلع ذات الجودة العالية، وكانت السفن التجارية تأتي من الهند والصين ومن مصر والمناطق العربية إلى السواحل الصومالية لنقل البضائع  ( تحفة الانظار) وكتاب لحسن عثمان أحمد بعنوان  (La città di Marka, i Biimaal e il dominio sulla costa somala (tesi) .

لكن هذه النهضة، ضاعت آثارها واختفىت معالمها بسبب عدد من العوامل منها كما يقول محمد علي عبد الكريم ومؤلفون آخرون في مدخل  كتابهم عن تاريخ التعليم في الصومال ( ص: 1) تقادم الأزمان والعصور،  وتقلبات الأوضاع ، وتغير الأحوال إضافة إلى عدم كتابة اللغة الصومالية في ذلك الوقت بإعتبار أن اللغة واحدة  من أهم وسائل حفظ التراث  الوطني، ولم يصل إلى الصومالين سوى النزر القليل  من اخبار تلك الحضارة تمثل في العادات والتقاليد  والحكايات الشعبية التي تناقلها الأجيال جيلا بعد جيل.

ظل الصوماليون رغم هذه الخسارة على مر السنوات الماضية من أكثر القوميات الإفريقية عددا، وأكبرها تماسكا وتجانسا،  ولا توجد أمة بهذا التماسك في افريقيا بإستثناء الصومال كما يقول  الجغرافي الأميركي وليام هانز ونقله الكاتب يوسف عبد الرحمن في مقال بعنوان ماذا جري ويجري في الصومال (المنشور في موقع الأنباء الكويتية عام 2016) توحدهم اللغة الصومالية، والدين الإسلامي،  وعادات وثقافات لها العديد من الصور والأشكال  تنقالتها الأجيال عبر الأزمنة بحرص واعتزاز. 

يمثل معظم هذا  الرصيد من التراث  الذي يتمتع به الصوماليون خليطا من الثقافة الاسلامية والأعراف العربية الأصيلة وذلك بحكم دور العرب في نشاة  مراكز إشعاع للحضارة في الصومال ( عادات وتقاليد  من الصومال للشيخ عبد الرحمن النجار  منشورة في   مجلة الوع  الإسلامي  الشهرية  العدد 172  مارس عام  1979. الصفحة 42)

ومن العادات والتقاليد الصومالية ما يتصل بأسلوبهم في الأعياد ، والزواج، والمناسبات الدينية والوطنية،  والزيارات ، والضيافة، واللبس،  والعلاقات الأسرية.  كما تتنوع الفنون الشعبية في الصومال من فلكلور، وموسيقى، وشعر ورسم بتنوع واختلاف مراحل التطور التي مر بها المجتمع  الصومالي كما تختلف باختلاف ظروف العيش  والحياة والعمل التي تحيط بالأفراد في بيئاتهم المختلفة والمناسبات التي تسجلها هذه الفنون.

لقد اهتم الصوماليون تراثهم الشعبي خلال العصر الحديث، وحرصت الحكومات التي جاءت بعد الاستعمار  وخاصة في الفترة ما بين  (1969-1991 ) والتي يمكن وصفها بالعصر التطور الفكري للشعب الصومالي على جمعه، وتدويه، وسخرت كل طاقاتها وإمكانياتها للمحافظة على موروث الشعب الصومالي، وذلك عبر الخطوات التالية:

  1. إعلان كتابة اللغة الصومالية 21 أكتوبر عام 1972 والحملات التي تلت لتطبيقها.
  2.   انشاء وزارة الثقافة والتعليم العالي 3 أبريل عام 1973
  3.   تأسيس الأكاديمية  الصومالية للعلوم والفنون  التي كانت تابعة لوزارة الثقافة والتعليم العالي ومسؤولة عن جمع وبحث ونشر اللغة والأدب والثقافة الصومالية
  4. انشاء الهيئة الترفيه وفرق غنائية مثل ، وابري، هورسيد ، هيغن” وكان لفرقة وابري فنانون مشهورون بالرقصات الشعبية
  5. بناء  المسرح الوطني الصومالي في مقديشو  عام 1966 بتمويل من الحكومة الصينية الشعبية
  6. انشاء وكالة الأفلام الصومالية التابعة لوزارة الإعلام والارشاد القومي
  7. انشاء  مركز الإرشاد القومي التابع للحزب الاشتراكي الثوري السابق
  8. إدخال مادة الموسيقي في المناهج التعليمي

وكان من مسؤوليات هذه المؤسسات احياء وتطوير ونشر الثقافة والأدب الصومالي والإشراف على المتاحف الوطنية وتأهيل المكتبات العامة ، بالإضافة إلى  تشجيع ارساء قواعد الأدب والموسيقي بأسس علمية  وتطوير الفنون الشعبية.

التراث الصومالي في دائرة الضياع

لقد تم خلال السنوات التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية في الصومال عام 1991 تأليف مجموعة من الكتب عن تاريخ الصومال، والفلكلور  الشعبي الصومالي بأقلام صومالية ، وعربية،  وإيطالية ، وإنجليزية  كما نشرت أيضا  العديد من الدراسات والبحوث  والمقالات  تتناول التراث الصومالي وخصوصا اللغة الصومالية نحوها، وفقهها، وعلاقاتها مع اللغة العربية واللغات الحامية الأخرى في المنطقة،  وعن العادات، والتقاليد  والمعتقدات  والفنون الشعبية والحرف اليدوية  الا أن عددا كبيرا من هذه الأعمال العظيمة  ضاعت مرة ثانية على أيدي الصوماليين، وأن ما بقي منها لا تزال في أيدي أفراد وشخصيات كانوا يعملون في الدوائر الحكومية. كما تعرضت المؤسسات المعنية بالتراث للنهب والتدمير.  فاليوم حتى الحالمون بإحياء التراث الشعبي الصومالي والبحث عن مؤلفاته وتدوينه من جديد  يتلقون بصعوبات كبيرة في ظل غياب  تام عن مؤسسات تتوفر لديها الإمكانيات وفي تتسارع الخطى نحو الحداثة والعصرنة.

على الرغم من هذه الكارثة التي حلت بقطاع التراث في الصومال في نهاية التسعينات من القرن الماضي وتوجه الصوماليين نحو الحداثة الا أن  العادات والتقاليد الصومالية ظلت صامدة في البوادي والأرياف صمود شجرة الزيتون في أرض المقدس، ورفضت الاندثار والانقراض ضاربة أروع المثل لشعب فقير غارق في أوحال من الأزمات نحو 30  عاما وفي نفس الوقت متمسك بثقافته وهويته، يدافع عنها ببسالة منقطة النظير عن عبث الأقدار وغدر الأزمان ولشعب لا تفارقه عزة النفس والحنين إلى الماضي رغم المآسي والآلام. لكن دعما لهذا الصمود  ينبغي أن تتكاتف الجهود الرسمية والشعبية من اجل المحافظة على ما تبقى من التراث الوطني والذي لا يزال ينضال من أجله  شرائح من المجتمع، ليبقى صامدا أمام طوفان الحداثة الجارف.

المراجع:

  1. دراسات في تاريخ شرق إفريقيا د. عطية مخزوم ص: 185-187
  2. طبقات الأمم أو السلال البشرية ( ص: 221 )
  3. ( أعلام الجغرافين العرب ومقتطفات من آثارهم ص: 23-24).
  4. محمد إبراهيم محمود ليقليقتو: كتاب  (Taariikhda somaliya  dalkii faca weynaa ee punt  ص: 11)
  5. كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة الشيخ أحمد عبد الله ريراش الصومالي ص:6)
  6. عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافين العرب  ص: 26.)
  7. المجتمع الإسلامي المعاصر بإفريقيا للدكتور جمال عبد الهادي وعلي لبن
  8. بغية الآمآل في تاريخ الصومال د. شريف عيدروس ص: 52)
  9. محمد حاج ختار حسن  في كتابه (انتشار الإسلام في الصومال ص: 11 )
  10. مقدمة ابن خلدون ص: 78)
  11. حسن عثمان أحمد  (La città di Marka, i Biimaal e il dominio sulla costa somala (tesi) .
  12. تاريخ التعليم في الصومال ( ص: 1)
  13. الكاتب يوسف عبد الرحمن في مقال بعنوان ماذا جري ويجري في الصومال ( المنشور في موقع الأنباء الكويتية عام 2016)
  14. مقال بعنوان عادات وتقاليد  من الصومال للشيخ عبد الرحمن النجار  منشور في   مجلة الوع  الإسلامي  الشهرية  العدد 172  مارس عام  1979. الصفحة 42)

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبد الرحمن عبدي

عبد الرحمن عبدي
كاتب وصحفي صومالي

اترك رد