اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / ظاهرة استقدام الأطباء الأجانب في الصومال.. الفوائد والمخاطر

ظاهرة استقدام الأطباء الأجانب في الصومال.. الفوائد والمخاطر

التمهيد

لوحظ في السنوات الأخيرة انتشارا كبيرا للمستشفيات الخاصة التي أسسها ويديرها مثقفون صوماليون من دول المهجر و من الداخل مستعينين باطباء أجانب. وعلى الرغم من أن تلك المستشفيات قد تغني المرضى الصوماليين في الداخل عناء السفر الى الخارج، والتكلفة الباهظة لخدمات المستشفيات الاجنبية الا ان هناك مخاوف من أن يقع المريض الصومالي في الداخل فريسة لتحالف بين تجار صوماليين يسعون إلى الربح السريع، وشخصيات أجنبية محتالة وجدت ضالتها في الصومال بسبب ضعف المؤسسات الرقابة المخولة بالاشراف على المؤسسات الخاصة، والمستوى التعليمي المدني للمجتمع الصومالي فضلا عن عدم توفر إرشادات من القطاع العام ومن المنظمات غير الحكومية تسهل للمستهلك المحلي لاختيار المرافق التي تقدم خدمات صحية ذات جودة عالية.

إن الاغلبية الساحقة من الاطباء الاجانب العاملين في تلك المستشفيات الخاصة هم من سوريا ذلك البلد العربي الشقيق الذي سقط في مستنقع الحرب الأهلية. رغم أن الاطباء السوريين يتمتعون بسمعة طيبة على مستوى العالم بسبب تاهيلهم الذي يعادل نظرائهم في أوروبا، وهو ما أدى إلى اقتناص بعض الدول الاوروبية مثل المانيا الأطباء السوريين الذين لجأوا إليها لسد عجز الاطباء، ولكن في الوقت نفسه بسبب الوضع المؤسساتي الحكومي الهش في الصومال يمثل تدفق الاطباء السوريين الى الصومال تحديا للسلطات المعنية لتمييز  الاكفياء منهم الذين يحتاج إليهم السوق المحلي عن المتحالين الذين قد يشكلون تهديدا خطيرا على سلامة المواطنين الصوماليين.

نبذة عن نظام الرعاية الصحية في الصومال

قبل اندلاع الحرب الأهلية في الصومال عام 1991، كان للصومال نظام صحي يمكن وصفه بالمقبول بناء على المعايير الأفريقية رغم أنه كان بدائي، وقد تم انشاء هذا النظام الصحي من قبل الانظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت على حكم الصومال على مدى الثلاثين سنة التي تلت استقلال الصومال عن الاستعمار الايطالي والبريطاني عام 1960. وكانت وزارة الصحة الصومالية  الجهة المشرفة على النظام الصحي بالبلاد، والذي شمل وضع السياسيات والاستراتيجيات لتطوير وتقديم الرعاية الصحية، وكانت الوزارة تدير المستشفيات الاقليمية، وعيادات صحية صغيرة في المدن و الاقاليم الصومالية، لاسيما المستشفيات الحكومية في مقديشو، مثل مستشفى دغفر( رجب أردوغان حاليا) مستشفى بنادر للنساء والأطفال، مستشفى المدينة، ومستشفى فولريني. وعلى مستوى الولايات: مستشفيات هرجيسا، مركا، كسمايو، جالكغيو، بلدوين، جوهر ، وبيدوا، ومدن أخرى، وكانت الرعاية الصحية والدواء والفحوصات المختبرية مجانية لجميع المواطنين في تلك المستشفيات رغم النقص الحاد للكوادر الطبية حيث كان في عموم الصومال حوالي 347 طبيبا 1409 وممرضا.

بعد سقوط الحكومة المركزية عام 1991، تم هدم هذا النظام الصحي البدائي بالكامل أو تعرض لتدمير خطير،  نتيجة للحرب الاهلية، و تعرضت المرافق الصحية للنهب، و تمت السيطرة على بعض منها من قبل المليشيات القبلية، أو استقر بها النازحون من بعض مناطق الصراع في الصومال، كما نزح عدد كبير من الاطباء الصوماليين المدربين الى الخارج مما شكل نزيفا للكوادر الطبية في الصومال.

وقد نجحت المنظمات غير الحكومية الدولية في فترة الحرب الأهلية لاسيما منظمة الصليب الاحمر الدولي و صندوق رعاية الطفولة التابع للامم المتحدة في سد الفراغ الذي تركته المؤسسات الحكومية في مجال الرعاية الصحية مثل توفير الأدوية للمستشفيات المحلية علاوة على تقديم خدمات علاجية طارئة لضحايا الحرب الأهلية التي كانت تدور رحاها في الصومال.

ثم كانت هناك جهود مضنية من قبل الحكومات الصومالية التي تشكلت بعد مؤتمر عرته في جيبوتي عام 2000، بالتعاون مع الحكومات الإقليمية لولايتي بونتلاند وصومالي لاند بهدف إعادة احياء النظام الصحي العام،  الا ان جهودها كانت مقتصرة على التنسيق مع المنظمات غير الحكومية المحلية والعالمية في عملها لتوفير المساعدات الطبية والدواء للمحتاجين.وفي السنوات الاخيرة بذلت الحكومتين الصوماليين الأخيرتين جهود جبارة في وضع السياسات والاستراتيجيات التي تنظم الرعاية الصحية بالبلاد، مثل اصدار سياسات النظام الصحي الصومالي سنة 2014، كما نجحتا في اعداد قواعد ارشادية موحدة للمستشفيات والأطباء على مستوى الصومال بالتنسيق مع وزارتي الصحية لولايتي صومالي لاند وبنت لاند عام 2014، وهي تشريعات ولوائح توفر علي المستوى النظري اطارا تنظيميا لمشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحية الا ان التزام تلك القوانين واللوائح وفهم السياسيات وبيئة التنظيم تبدو ضعيفة جدا.

و يقاس عدد المرافق الصحية في الصومال في الوقت الحالي حوالي 846 في عموم الصومال، حيث تنقسم تلك المرافق إلى:

  • 27 مستشفيات على مستوى المديريات(the regional hospitals)، وهي المستشفيات الحكومية في عواصم الاقاليم الصومالية.
  • سبعة مراكز  للإحالات الصحية (the referral health centre)
  • 248 مراكز الام والاطفال الصحية(MCH)
  • خمسمئة مركز صحي(health posts)

القطاع الصحي الخاص في الصومال

أنهى النظام العسكري برئاسة محمد سياد بري بعد توليه  مقاليد الحكم عام 1969 القطاع الصحي الخاص، وبالتالى، اصبح القطاع العام هو المسيطر على النظام الصحي رغم وجود اطباء متخصصين يعملون في الفترة الصباحية في المستشفيات الحكومية، وعيادات خاصة بهم في الفترة المسائية، مما كان يشكل عبئا كبيرا عليهم، الا معظم الاطباء الصوماليين المدربين نزحوا  إلى الخارج بعد اندلاع الحرب الأهلية، وتيح بعض منهم فرصة مزاولة مهنة الطب في الدول الغربية التي لجؤوا إليها لاسيما شمال امريكا واوربا.

وفي نهاية التسعينات، تطور القطاع الصحى الصومالي بصورة ملحوظة نتيجة لغياب القطاع العام، ولكنه كان غير منظم بدرجة اعتبرته بعض المنظمات الصحية العالمية بانه يفاقم المشاكل الصحية بدلا من معالجتها، وجاء في تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن القطاع الخاص كان يقدم 75% من الخدمات الصحية في الصومال عام 1997.

الأطباء الأجانب في الصومال

كان تواجد الاطباء الاجانب في الصومال في فترة ما بعد سقوط الحكومة المركزية مقصورا على عيادات يديرها صوماليون تربطهم صلة زواج مع الاطباء الاجانب، مثلا كانت هناك طبيبة روسية متزوجة من صومالي لها عيادة صحية في مديرية هلاوا بالقرب من مستشفى سوس، في نهاية التسعينات، وكانت  تتمتع عيادتها بمعدات صحية متطورة حينذاك مقارنة بالعيادات الأخرى . وكان ايضا طبيب من بروندي يدعى ددنيي يدير عيادة صحية في شارع ترمبوكا بالقرب من مبنى مقر حكومة الرئيس الصومالي السابق عبدي قاسم صلاد.

و يعتبر المستشفى الروسي الصومالي من اوائل المستشفيات الخاصة التي استقطبت عددا كبيرا من الاجانب، فقد كان يعمل في هذا المستشفى الذي تم افتتاحه في مقديشو عام 2004 ثمانية اطباء من روسيا، متخصصين في الامراض العامة، امراض الاطفال والنساء، وامراض الحنجرة والانف والأذن. ومن السمات البارزة للمستشفى الذي كان يقع مقره شارع مكة المكرمة القيام بفحوصات طبية مجانية للنازحين، والاسر الفقيرة في مقديشو بصورة اسبوعية.

كما يعتبر مستشفى دار الشفاء ثاني مستشفى بعد الروسي-  الصومالي يوظف اطباء اجانب في فترة ما بعد الحرب الاهلية، حيث استقدم المستشفى عدد من الاطباء من مصر للعمل فيه، وبعد ذلك تزايدت اعداد المستشفيات التي توظف اطباء اجانب في مقديشو حتى وصل عدد الاطباء الاجانب ما يقرب 100 طبيب موزعين على أكثر من 30 مستشفى وعيادات صحية في مقديشو-حسب احصاءات غير رسمية، مع عدم توفر احصاءات حكومية رسمية.

أهم المستشفيات والعيادات الخاصة التي توظف اطباء الاجانب في مقديشو

١. مستشفي الصومالي السوداني

IMG_0114

يقع المستشفى في شارع دغفر، وبالقرب من مستشفى دغفر سابقا في مديرية هدن بمقديشو، ويوظف المستشفى حوالى سبعة اطباء أجانب من جنسيات عربية، خاصة من السودان وسوريا، ويسوق المستشفي نفسه بأن الاطباء العاملين فيه من حملة الشهادات العلمية العليا في تخصصاتهم، ولهم خبرات عملية تمتد من سبعة الى 40 سنة. وتشمل تخصصاتهم الاسنان، الولادة والنساء، الباطنية، الجراح العام، الحنجرة والأنف والاذن.

٢. مستشفي المصري بالصومال

يتبع هذا المستشفى للجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب، ويقع  بالقرب من مستشفى دغفر سابقا في مديرية هدن بمقديشو.

٣. مستشفى كلكال

kalkaal

يقع مستشفى كلكال في شارع بنادر بمديرية هدن، ومعظم الأطباء الأجانب العاملين فيه من الهنود، بالاضافة الى اطباء سوريين.

٤. مستشفى مقديشو سيتي

مستشفى مقديشو سيتي من المستشفيات الخاصة الجديدة في مقديشو، ويوظف اطباء من سوريا وأوغندا وكينيا، ويقع المستشفى في شارع تليح بمديرية هدن بمقديشو.

المستشفى الصومالي السوري

يقع في مديرية ودجر خاصة حي بولو حوبي بمديرية ودجر، ويعمل في المستشفى عدد من الاطباء السوريين إلى جانب اطباء صوماليين.

مخاطر الانتشار الواسع للمستشفيات الخاصة

رغم أن المستشفيات الخاصة لاسيما تلك التي توظف أطباء اجانب مدربين قد توفر للمرضى الصوماليين في الداخل خدمات طبية تغنيهم عن السفر إلى الخارج والتكاليف الباهظة المصاحبة لها الا أن هناك مخاطر تشكلها على المرضى والمجتمع الصومالي بصفة عامة، منها:

تعميق الهوة بين الطبقات الاجتماعية

عدم توفر النظام الصحي في القطاع الخاص، وهيمنة القطاع الخاص يعمق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، مما قد يفاقم المشاكل الاجتماعية في الصومال، مع العلم بان غالبية الاسر الصومالية تعيش تحت الخط الفقري، خاصة اذا نظرنا بعين الاعتبار بان تذكرة الاستشارة الطبية في المستشفيات الخاصة في مقديشو هي 10 دولار، ولا تشمل الفحوصات الطبية والادوية، وهي تكلفة باهظة لمعظم السكان في العاصمة ما عدا فئات قليلة ذات دخول عالية، وبالتالي قد تساهم المستشفيات الخاصة في تعميق الهوة بين الطبقات الاجتماعية في البلاد.

أحتمالات كبيرة للغش

بسبب ضعف المؤسسات الرقابية في الصومالية، تدفق الاطباء الاجانب في الصومال قد تؤدى الى تسرب شخصيات اجنبية محتالة لا تتمتع بأي مؤهلات علمية الى سوق عمل الخدمات الصحية في الصومال، ويشكل هذا التسرب تهديدا خطيرا على سلامة المواطنين، لاسيما وأن المستثمر الصومالي الجشغ  يمكن أن يستخرج اجازة مزاولة مهنة الطب لاي شخص اجنبي عن طريق تقديم الرشى لموظفي المؤسسات الحكومية المعنية بإعطاء التراخيص نتيجة للفساد المستشري في المؤسسات الحكومية في الصومال. علاوة على ذلك أن الغالبية الساحقة من الاطباء الاجانب في المستشفيات الخاصة في مقديشو يحملون الجنسية السورية، ذلك البلد العربي الذي شهد في السنوات الأخيرة حربا اهلية ادى إلى اضعاف مؤسساته وانتشار الشهادات والبطاقات الشخصية السورية المزورة حيث من السهل الحصول على شهادات وبطاقات شخصية سورية مزورة، ولا تتوفر للحكومة الصومالية الخبرات والوسائل التقنية المطلوبة لمنع دخول الاطباء المحتالين في الصومال، فضلا عن عدم وجود رغبة حقيقية لدى المؤسسات الصومالية المختصة لبذل مزيد من الجهد لمحاربة الشهادات والمستندات المزورة بسبب نقص المرتبات والحوافز.

الإعلانات المغرضة.. والمستوى التعليمي المتدني لدى المستهلك المحلي

ما ان تفتح أي محطة اذاعية في مقديشو الا وتسمع اعلانا عن خدمات مستشفى خاص في مقديشو، وتستخدم تلك الاعلانات مصطلحات ومفردات شعبية لبعض الامراض لجذب الزبائن،  وبعض من تلك الاعلانات تعطي للمستمعين معلومات مضللة أو مغلوطة، في وقت لا توجد مؤسسات حكومية وغير حكومية منظمة تعمل في الدفاع عن المستهلكين وحمايتهم من الغش والخداع.

الخاتمة

بعد أن كانت المستشفيات الخاصية في الصومال منعدمة تماما في فترة حكم الرئيس الاسبق محمد سياد بري الممتد زهاء عشرين عاما، انتشرت في السنوات الاخيرة ظهارة المستشفيات الخاصة لاسيما تلك التي توظف أطباء أجانب قدم معظمهم من سوريا. في حين يرى بعض المراقبين أن تلك المستشفيات توفر للمستهلك المحلي خدمات طبية ذات جودة عالية، الا أن هناك مخاوف من ان تساهم تلك المستشفيات في انتشار الأمراض، والحاق اضرار جسيمة للمواطنين نتيجة لدخول اطباء اجانب لا يتمتعون بالتأهيل الطبي المطلوب في البلاد مستغلين ضعف المؤسسات الحكومية المعنية في اعطاء التراخيص والرقابة على اعمال تلك المستشفيات.

اضف الى ذلك، أن مستوى التعليمي المتدني، والاعلانات المغرضة التي تبثها تلك المستشفيات في المحطات الاذاعية المحلية ذات الانتشار الواسع في الصومال قد تفضي الى ان يقع المستهلك المحلي ضحية لمالكي تلك المستشفيات الساعين إلى الربح السريع في وقت لا توجد فيه مؤسسات حكومية وأهلية تحمي المستهلكين من الغش والخداع.

 

المراجع

http://www.somaliatalk.com/2004/muqdisho/somrus/somrus.html

http://moh.gov.so/en/images/publication/nationalpolicy.pdf

Abdihamid Warsame, Jibril Handulehb and Preeti Patel (2015) Prioritization in somali health system strengthening{online}[ Available from: https://www.researchgate.net/publication/282401097_Prioritization_in_Somali_health_system_strengthening_a_qualitative_study] [Accessed on:09/01/2017

http://www.aljazeera.net/news/healthmedicine/2016/4/14/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%B3%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%B9%D8%AC%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A

http://www.opml.co.uk/sites/default/files/Somalia%20Private%20Sector%20Assessment%20.pdf

https://horseedmedia.net/2015/10/16/somalia-federal-cabinet-passes-medicinal-drugs-regulatory-policy/

https://www.hiiraan.com/op4/2015/oct/102168/the_role_of_health_care_in_state_building_for_somalia.aspxhttp://afrikansarvi.fi/42-artikkeli/125-somali-health-care-system-and-post-conflict-hybridityhttp://apps.who.int/medicinedocs/documents/s17309e/s17309e.pdf

عن قسم الاخبار

اترك رد