اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / محطات مهمة في التاريخ السياسيي الصومالي (الصومال شعب المفاجآت)

محطات مهمة في التاريخ السياسيي الصومالي (الصومال شعب المفاجآت)

  • الصومال
  • المفاجآت السياسة في الصومال
  • أسباب المفاجأة الحالية
  • النقاط المشتركة بين كل المفاجآت
  • تعليق
  • تلخيص:

هذا المقال هو محاولة لقراءة وفهم السياسة الصومالية بين الماضي والحاضر من خلال الشعب الصومالي المعروف بالملحمات الوطنية التاريخية والمفاجآت السياسية عند الشدائد. والهدف من الدراسة هو تسليط الأضواء على ماضي هذا الشعب العظيم  ومفاجأاته السياسية التي سجلها عبر التاريخ. وتكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تربط الملحمة الوطنية الحالية بملاحم سابقة قام بها الشعب الصومالي في مراحل مختلفة من حياته، كان الجامع المشترك بينها الإستنهاض بعد الإستسلام، واليقظة بعد النوم والصحوة بعد الغفوة.وتأتي هذه الدراسة في وقت تشهد الساحة الصومالية تحولا سياسيا هائلا يستقطب اهتمام كثير من الأكاديميين والباحثين والسياسيين في العالم. وفي الختام سيقدم المقال تعليقا موجزا على المرحلة الحالية ليشير الى أهمية هذا الشعب العظيم الذي يمرض ولا يموت، ولينبه الحكومة الحالية الى خطورة المرحلة، وأن آمال الشعب الصومالي منوط بها فشلا ونجاحا، آملا منها أن لا تخيب آمالهم.

الكلمات المفتاحية: شعب المفاحآت، الصومال، السياسة، الإنهيار، النهوض.

الصومال:

الصومال بلد عربي يقع في القرن الأفريقي، يقطنه 15 مليون نسمة ويتميز سكانه بقواسم مشتركة متعددة قل ما تتوفر لدى اي سكان بلد افريقي آخر. انه بلد مسلم سني، ناطق بلغة واحدة هي اللغة الصومالية، ينتمي الى عرق واحد وهو العرق الصومالي، مما يعدّ مقوما تفريدة للوحدة والمحبة والوئام والسلام يحسد عليها هذا البلد، غيرأن القدر شاء وللأسف أن تتحول هذه المقومات إلى عناصر فرقة وعداء وحرب واقتتال، وفي هذا السياق تمّ إسقاط الحكومة المركزية الصومالية عام 1990م واشتعال  الحروب الأهليّة التي أكلت الأخضر  واليابس  في طول البلاد وعرضها، وأدت إلى تمزيق الجسد الوطني وإدخال البلاد إلى دوامة سياسية لا نهاية لها، حتى اشتهرت الصومال في التاريخ الحديث بكونها البلد الوحيد في العالم الذي عاش أطول فترة من الزمن (ثلاثة عقود) بدون دولة أو تحت دول ضعيفة. وفي جوٍّ قاتم يملأه الإحباط والبؤس والضعف يظهر لنا فجأة رئيس شاب وطني مثقف اسمه محمد عبد الله فرماجو والذي برز كقائد بالصدفة ويحظي بتأييد شعبي منقطع النظير في الداخل والخارج قلما حظي به رئيس صومالي منذ 30 سنة.

فما سر هذه النقلة السياسية النوعية والقفزة الجريئة التي قام بها المجتمع الصومالي في هذه المرحلة الصعبة والتي فاجأت الجميع؟ وهل هناك ماض شبيه لها في التاريخ الساسي الصومالي الحديث؟ وهل هناك عوامل مشتركة بين المرحلة الراهنة والمراحل السابقة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه خلال هذه السطور.

المفاجأءت السياسية في الصومال

اذارجعنا الى الوراء قليلا نجد أن التاريخ الصومالي حافل ببروز قيادات وطنية شابة غير معروفة فجأة، وبتاييد جماهيري كبير لها، بعد انهيار وضعف وهوان وتمزق. تكررت هذه الظاهرة في تاريخ المجتمع الصومالي أكثر من مرة في القرن المنصرم، لعل أبرزها ثلاث مفاجآت سجلها الشعب الصومالي جديرة بالذكروهي:

المفاجأة الأولى: مرحلة الإستعمار الأوربي على الصومالعام 1943م

في هذه المرحلة كانت الصومال تئن تحت الإحتلال الأوروبي الذي قسمها الى صومال فرنسي، وصومال بريطاني، وصومال ايطالي. حاول الصوماليون المقاومة ضد الإستعمار من خلال (حركة الدرايش) بقيادة السيد محمد عبد الله حسن التي أبلت بلاء حسنا ولقنت للبريطانيين درسا لم ينسوه حتى اليوم الا أنها انهزمت أخيرا عام 1920م أمام القوات البريطانية التي لجأت الى استخدام السلاح الجوي ضد المقاومة (وهي المقاومة الوحيدة التي استخدمها البريطانيون ضدها السلاح الجوي ذلك الوقت في افريقيا). ثم خيم على الصومال صمت رهيب وحزن عميق و كأن الجميع استسلم للواقع المرير وترسخ على أذهان كثير من الناس اليأس والقنوط، ثم فجأة برزت حركة(SYLمنظمة الشباب الصوماليين) عام 1943م ونادت بتحرير الصومال عن الإستعمار الأوروبي، وفجأة التف الشعب الصومالي حولها وتوحدوا جميعا تحت رايتها بطريقة تلقائية لم يسبق لها مثيل، واستطاعوا أن يأخذوا استقلالهم من البريطانيين والإيطاليين وأن يقيموا جمهورية الصومال الحرة عام 1960م.

المفاجاة الثانية: مرحلة الإنقلاب العسكري عام 1969م

جاء الإنقلاب العسكري بعد عقد من الإستقلال عاشت الصومال خلالها تحت دولة مدنية ضعيفة لا وزن لها سياسيا واقتصاديا وعسكريا اقليميا أو محليا، لأنها كانت تتألف من أحزاب كثيرة معظمها قبلية وجهوية، ينتشر فيها الفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة مما خيب آمال كثير من الصوماليين الذين كانوا يطمحون الى بناء دولة قوية صومالية تستطيع قيادة الصومال الكبير. وفي هذه الأجواء المحبطة يفاجئ الجيش الصومالي العالم بانقلاب عسكري أبيض، بقيادة الرئيس الرحل محمد زياد بري عام 1969م، وعلى الفور يلتف حوله الشعب الصومالي ويتوحدتحت راية العسكريين الجدد، وفي وقت قياسي استطاع الصوماليون بناء حكومة قوية وجيشا وطنيا أعتبر واحدا من أقوى الجيوش الإفريقية في السبعينات.

المفاجأة الثالثة: مرحلة المحاكم الإسلاميةعام 2006م

في هذه المرحلة كان الصوماليون قد عاشوا 16 سنة بدون دولة ولا نظام خاضوا فيها حربا أهلية أكلت الأخضر واليابس، وعقد المجتمع الدولي أكثر من 20 مؤتمرا دوليا واقليميا خلال هذه الفترة كمحاولة لحل الأزمة الصومالية، غير أن كلها باءت بالفشل. وفي هذه الأثناء التي يئس الجميع من حل المشكلة الصومالية فاجأ الصوماليون العالم بين عشية وضحاها وبدون مقدمات، أومؤتمرات للمصالحة، أو وساطات خارجية أو داخلية، بإقامة كيان جديد اسمه “المحاكم الإسلامية” حاز رضا وتأييد معظم شرائح المجتمع الصومالي في الداخل والخارج.وخلال شهور قليلة استطاعت المحاكم الإسلامية انهاء حكم ما كان يسمى ذلك الوقت “ الفصائل المسلحة” التي كانت تعبث في الأرض فسادا، والتي استعصت على الجميع ايقاف شرها المستطير. ولولا التصريحات السياسية غير المدروسة وغير المنضبطة التي تفوه بها بعض قادة المحاكم الإسلامية الذين أرسلوا رسائل خاطئة الى المجتمع الدولي واستفزوه،والتي فُهم منها أن المحاكم الإسلامية تريد تصدير الثورات الى الخارج، وأنها تهدد أمن الدول الأخرى لأنتهت الأزمة الصومالية بيد المحاكم الإسلامية من تلك التاريخ. ولكن هذه التصرفات وغيرها أدّى الى تدخل المجتمع الدولي في الصومال واسقاط المحاكم الإسلامية مبكرا بعد 6 أشهر من ظهورها.

المفاجأة الرابعة:هي محطة اليوم 2017م.

إنها الملحمة التي يسجلها الشعب الصومالي بإرداته الحرة بعد ثلاثة عقود من الدمار والتمزق والتفكك والفوضى، مسترجعا بذلك عادته القديمة (اليقظة بعد الغفوة) متطلعا الى مستقبله المجيد.

أسباب المفاجأة الرابعة:

هناك عدة عوامل ساهت في المفاجأة الساسية الحالية للشعب الصومالي، لعل أهمها:

  1. الشعب الصومالي من عادته أن يفيق بعد غيبوبة وأن يصحى بعد غفوة كما ذكرنا، وفي هذه المرحلة طال عليه الأمد ومضى عليه ثلاثة عقود بدون دولة أو (دولا ضعيفة)، جربوا فيها القبلية كحل لمشكلتهم فوجدوا أنها تمزقهم أكثر مما تجمعهم، وحاول بعضهم التقوي بالخارج فوجدوا أن العدو الخارجي يستهدفهم جميعا بما فيهم المتقوي به فلم يعد أمامهم الا أن يستعيدوا ماضيهم التقليدي، وهي الملحمة الوطنية التي نشاهدها اليوم طول البلاد وعرضها.
  2. كان للصحوة الإسلامية دور كبير في تشكيل الشخصية الصومالية الوطنية، حيث وجدت فرصة ذهبية للإنتشار خلال ثلاثة عقود الماضية، فدخلت الصحوة الإسلامية في كل بيت ومنزل، وأثرت مختلف شرائح المجتمع الصومالي (الشارع، العائلة، المدرسة، التجارة،). إن هذا الجيل الذي أنتجته الصحوة الإسلاميةوالذي لا يعرف الهزيمة والإستسلام للواقع الأليم ويتمتع بنسبة عالية من الوطنية والإخلاص للبلاد قد دخل بقوة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرةلهذا العام 2017م وفاز كثير منهم في عضوية البرلمان الحالي، مما جعل البرلمان الصومالي الحالي برلمانا يختلف عن البارلمانات السابقة شكلا ومضمونا،يتجاوب مع تطلعات شعبهويسعى لتحقيق إرادته التي تطالب التغيير والخروج من الأزمة مما كان له أثر كبير في حدوث تغيير جوهري في تفكير العضو البرلماني الصومالي.
  3. شخصية الرئيس الحالي المنتخب محمد عبد الله فرماجو الذي هو شاب متعلم ومثقفكان له دور ملحوظ في قيام الصحوة الوطنية الصومالية الحالية، حيث خاطب الناس في حملته الإنتخابية فيما يبدو لي من قلبه لا من شفتيه، ومن وجدانه لا من لسانه، ومن شعوره لا من جسده، فلقد قال كلمة صارت حديث مجالس الصوماليين وهي: (السياسة اخلاص وليست نفاقا) وكان يصحح بذلك مفهوم كثير من السياسيين الذين يفهمون السياسة بأنها سيئة ويجوز عمل كل شيئ سيئ فيها لتصل الى المنصب (الوعود الكاذبة، الرشوة، النميمية، القبلية، القتل، السرقة وغيرها).يضاف الى ذلك تجربته السابقة كرئيس لمجلس الوزراء عام 2010م في حكومة الشيخ شريف شيخ أحمد لمدة 8 أشهر والتي استطاع خلالها أن يكسب ثقة الشعب الصومالي لما رأوا فيه من روح وطنية صادقة وتفان في خدمة البلاد والعباد خلاف ما تعوذه الناس من الذين سبقوه. فبكونه شابا مثقفا، وبوطنيته المجربة سلفا، وبهمته العالية،استطاع فرماجو أن يغير طريقة تفكير رجل الشارع الصومالي وأحدث فيه بما سميناه “المفاجأة الصومالية الرابعة”.

النقاط المشتركة بين المفاجآت الأربعة:

يبدو أن هناك ثلاثة عناصر مشتركة بين كل المفاجآت الأربعة وهي:

  1. ان يسبق المفاجأة وضع مزدرٍ وحالة ضعف وهوان وإستسلام يدوم على الشعب فترة من الزمن. وهذا ما حصل فعلا للشعب الصومالي قبل كل مفاجأة، حيث عمّ على الجميع وضع مأساوي شامل لكل مناحي الحياة السياسية والإقتصادية والعسكرية.
  2. أن تظهر قيادة شابة غير معروفة فجأة.ففي المفاجأة الأولى (منظمة شباب الصومال) كان عدد المؤسسين13شابا تتراوح أعمارهم مابين 30-40سنة من عامة الناس، وفي المفاجأة الثانية كان قادة الإنقلاب العسكريين من الضباط الشباب، وفي المفاجأة الثالة نجد أن قادة المحاكم الاسلامية كانت قيادات شابة من المجامع الدينية المتواضعة، وفي المفاجأة الحالية يتكرر نفس المشهد – وكأن التاريخ يعيد نفسه- لنجد أن الرئيس الجديد فرماجو يمثل الجيل الشباب الوطني العادي.
  3. الشعبية العارمة. هذا العنصر توفر لدى كل المفاجآت الأربعة، حيث أيد الشعب الصومالي القيادة الجديدة بكل قوة في كل المراحل الأربعة.

تعليق:

أن شعبا هذه سجيته الثابتة، ويمتلك ذاك الرصيد التاريخي والقدرة الهائلة لتغيير الأوضاع في وقت قياسي، لحريٌ أن يستيقظ من سباته العميق، وينهض مسرعا من وسط الركام الكثيفة محدثا بذلك في الساحة الصومالية الى ما نشاهده اليوم من ملحمة وطنية فاجأت الجميع في الداخل والخارج.وعليه فاننا نسجل هنا بعض النقاط المهمة:

أولا: نستطيع أن نقول إن ولادة دولة  الرئيس “فرماجو” جاءت بشكل طبيعي مكتملة الأركان الثلاثة الضرورية لأي تحول سياسي صومالي عبر التاريخ.

ثانيا: ربما تكون هذه الملحمة نهاية لمرحلة الضعف والإنهيار التي عاشها الصومال حقبة من الزمن وبداية لمرحلة اليقظة والقوة والنهضة والتقدم، آملين أن تنجح هذ الملحمة كما نجحت سابقاتها وذلك لتوفر كل العوامل التي توفرت في المفاجآت السابقة وفق المقاييس الصومالية.

ثالثا: أظن أن التحدي الأكبر  للحكومة الحاليةيكمن في ما بعد الولادة الشرعيةلها، حيث أن الفشل والنجاح مرهون بعد الله في تصرف الحكومة، بدأ من التشكيل الوزاري، ومرورا ببرنامجها السياسي داخليا وخارجيا، وانتهاء بالتطبيق العملي لهذا البرنامج. وهذا ما سنتكلم عنه في الحلقة القادمة ان شاء الله تحت عنوان: ” السياسة الصومالية بين المحليين والمغتربين” (تقييم الماضي وتوقعات المستقبل).

10/3/2017م

المراجع:

  1. تاريخ الصومال قديما وحديثا/عبدالرزاق حاج حسين رئيسوزراءالصومال الأسبق
  2. صفحات من تاريخ الصومال/ عميد محمد فريد السيد حجاج- دار المعارف 1993م.
  3. مهدي الصومال (بطل الثورة ضد الإستعمار)/ د: محمد المعتصم سيد/ الدار القومية للطباعة والنشر القاهرة.
  4. وحدة الشباب الصومال SYL من النضال الى السياسة/ عمر ِعلي بشير 2014م.
  5. المؤسسة العسكرية الصومالبية بين الميلاد والإنهيار/ د.إجلال محمود رأفت، الحزب الاشتراكي الثوري الصومالي (دراسة تحليلية) معهدالبحوث والدراسات العربية, صدرت عام1982م.
  6. تاريخ الحرب الأهلية في الصومال، 22/1/2011م شبكة الصومال اليوم.
  7. تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال (التحديات والإنجازات) لدكتور عمر ايمان أبوبكر/ دار الفكر العربي 2008م.
  8. الفدرالية في النظام السياسي الصومالي مبرراتها وملامحها/د: محمد ابراهيم عبدي 2014م، مركز مقديشو للبحوث والدراسات.
  9. صومالي تايمز www.Somalitimes.net
  10. موقع الصومالاليوم: www.Somaliatoday.com
  11. موقع الشاهد: www.alshahid.net

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن إبراهيم شيخ محمد

إبراهيم شيخ محمد
ابراهيم شيخ محمد، خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ويحضر الآن الدراسات العليا في علوم السياسية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

اترك رد