اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / صناعة الظلمة

صناعة الظلمة

قرأت مقالة كتبها أحد الإخوة من بلدي الحبيب وهو يصب جام غضبه على الحكام الظالمين المستبدين، وهو يضرب لذلك أملثة خارج وطنه مع أن في بلده أمثلة كثيرة لذلك ، وفي خلال قرأتي المقالة المذكورة دار في خلدي عدة أسئلة، فبدل أن تكون حبيسة في رفوف ذاكرتي أحببت أن أصبها على القرطاس، فجاءت هكذا على السجية.
أولا: بسبب موروث سابق، والتأثر بكتابات كُتبت في ظروف معينة، وفي بيآت خاصة قد نشن هجوماً لاذعا على حكامنا مع أنني لا أبرئ ساحة كثير منهم، إلاّ أننا يجب أن ننصف لهم ولغيرهم عند النقد، انطلاقا من قوله تعالى {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا}

   هل مشكلتنا كلها في سلة الحكام؟ هل هم وراء كل بؤس أمتنا؟ هل بقائهم على مقاليد السلطة من القصر إلى القبر هو مكمن دائنا برمته؟ ما الفرق بين استبداد فرد أو استبداد طائفة أو حزب أو حركة ؟ وهل المحكومون أو الشعب بريء من الذنب كبراءة الذئب من دم يوسف ؟ أليس الحاكم نبت من جذع شجرة الشعوب؟ أليس الشعب هو الذي يصنع الظالم  بتشجيعه ، وتغريده وصفيقه له ” قدنا يا معلم” ” عش دوما يا قائد الوطنثم لم يحدد له الشعب مسارا للقيادة، وإنما تركوا حبله على غاربه، يقودهم كما يشاء، فمرة يحج بهم إلى اتجاه الغرب ويقول لهمما أريكم إلا ما أرىويتضاغون ورائهقدنا يا معلم الثورةوطورا يجنح بهم إلى كعبة الماركسية ويقول لهموما أهديكم إلا سبيل الرشادوينشدون خلفهفليحي قائد الثورة” 


ولولا أنهم أطاعوه طاعة عميا ما كان بإمكانه أن يستخفهم، ولولا أنهم نعقوا ورائه نعق البغبقاء ما كان يتجرأ عليهم،  فالشعوب هي التي تصنع الطواغيت، وهي التي تنتج الظلمة، وهي التي تفرعن الفراعنة، { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}. مرالإمام الحسن البصري على أهل الكوفة وهم في ثورة وهياج ضد الحجاج بن يوسف الثقفي، ثم اعتلال على منبر مسجد كوفة  فقال لهم: يا أهل الكوفة إن الحجاج ما هو إلا ذنوبكم صُورت بصورة رجل، فلا تحاولوا أن تدفعوا عقاب الله بأكفكم، بل عودوا إلى الله وتضرعوا إليه يرفعْ عنكم العقاب ثم تلا قوله تعالى { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} .


إن الشعوب الحرة لا تقبل الضيم، ولا تنتج الظلمة، بل تستنكر، وتتأبى، وترفض الاستعباد والاعتداء بأشكاله، حكى لي أحد الإخوة الذي يسكن معي هنا في السويد وكان يدرس في يوغسلافيا وهو يجيد اللغة الصربية، ذكر لي : أنه كان يوما في بلغراد راكبا على  باص فركبت امرأة عجوز في الباص، ولم تجد مقعدا شاغرا تجلس عليه، لأن المقاعد كلها كانت مشغولة بالجالسين، فنهض عن مقعده لها لتجلس عليه، احتراما وايثارا لها، فعند ما جلست على المقعد قالت :ـ وهي تظن أنه لا يفهم اللغة الصربية ـ  هؤلاء هم العبيد الذين يعرفون قيمتنا،  فقال لها: لو سمحت لقد نسيت شيئا على المقعد فلما وقفت عنه جلس عليه.

       ومثل هذه المرأة وغيرها الكثيرين لو أعطوا أكثر من حقهم، وأحتُرموا احتراما زائدا لسولت لهم أنفسهم أنهم أرباب من دون الله! وأنهم يملكون ناصية العباد والبلاد، وهذا المرض أعنى مرض التعالي والطاغوتية مغروز في سجية ابن آدم إذا لم يهذبه الوحي، ولذا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتعوذ بالله من نفخ الشيطان، لأن الشيطان قد ينفخ في الإنسان بمرض التكبر والطاغوتية حتى يخطر في مخيلته كأنَه بَاْلَون كبير فيظهر ذلك في سلوكياته وخطراته في مشيته،  وهو ما يسمى بالمرح {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا}

       أرسل إلي أحد الإخوة عن طريق، وتساب، صورة  رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وهو في طريقه الى عمله فركب النقل الجماعي فلم يجد مقعداً شاغرا، فوقف يتصفح الجرائد والمجلات، والركاب لا يعيرونه أي اهتمام، لأنهم لا يرونه إلا عاملا من العمال، فهو مستأجر لخدمة شعبه، لا طاغوتا سلط على رقاب الناس. وهذه الشعوب التى أشار إليها  كاتب المقال لها إيجابيات ولها سلبيات، ومن إيجابياتهم على أنهم يربون أطفالهم منذ نعومة أطفارهم على عدم القبول بالضيم مهما كان شكله. والتربية  على الحرية تبدأ من البيت، فإذا كانت بيوتنا تعج بالظلم، فإذا كان مسؤلو الجماعات، والمؤسسات، والمنظمات، والعشائر مستبدون، فإذا كانت القبائل والعشائر لا تقدم ولا تنتخب إلا بأشر ما في جعبتها فلماذاإذانلوم على الحاكم فقط؟ إذا المسؤولية هي مسؤولية الجميع وليست مسؤولية الحاكم لوحده، فإذا تركنا للحاكم حبله على غاربه يتصرف كما يشاء فوق القانون فإنه يتحول إلى طاغية شره يهلك الحرث والنسل. فقد روى لي أحد الوزراء في الحكومة العسكرية الصومالية، قصة ،،علبة الكبريت،، فضحكت حتى استلقيتُ، وخلاصة القصة : أن الطاغية السابق جلس مع الوزراء وكان في يده علبة كبريت، فأخرج سجارة فتظاهر كأنه يشعلها، ثم فتح علبة الكبريت فإذا أعواده تتناثر على الأرض، فتتسابق الوزراء لجمعها، وعينه عليه، وهو يجسّ نبض حريتهم ، وينظر إليهم علّه يجد فيهم حرا يترفع عن هذا الاستعباد فيطرده، وهذه عقلية الطاغوتية لا تصل إلى هذا المرحلة إلا بعد قبول الشعب هذا الظلم المهين.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن الشيخ يوسف أحمد

الشيخ يوسف أحمد
الشيح يوسف أحمد ... طالب في دراسة الدكتوارة. تخرجت كلية الدراسات الاسلامية بمقدشو عام 1989. إمام وخطيب بمسجد في السويد.

2 تعليقات

  1. عبد الناصر محمد معلم حسن

    سلمت يداك يا دكتور يوسف، أصبت كبد الحقيقة، وهذا هو السر في استمرار أزمتنا طول هذه السنوات بأننا لم نع هذه الحقيقة بعد حتى نشرع في معالجتها وتجاوزها، وما زلنا نلقي بجناياتنا وفشلنا على شمّاعة القيادة الفاسدة، وشمّاعة أخرى أكثر إمعانا في الوهميّة ألا وهي شماعة التدخل الخارجي. ومنذ يومين فقط كنت أتناقش مع أحد الأصدقاء على موقع الفيسبوك الذي ظلّ يؤكد أنّ التدخل الخارجي هو أصل أزمتنا، فهو الذي يحرض بعضنا على بعض وينفق الأموال الطائلة على وأد أيّ شخصيّة أو أي فكرة لإنقاذ هذا البلد وتوجيه دفته الوجهة الصحيحة، وما أن يوضع حدّ لهذا التدخل حتى تعود كل الأمور إلى نصابها. فاستغرق الأمر أكثر من ساعة لنتفق أنا وإياه على أنّه لا عتب ولا عيب على الأجنبي الذي يسعى وراء مصلحته ويحرص على تحقيقها بكل الطرق ولو على حساب الشعوب الأخرى، لكن العتب كل العتب والعيب كل العيب علي شخصيتنا المختلة باستعدادها للموافقة على صفقات تعني بيع قضيتنا ووطننا ووحدتنا واستقلالنا ومصيرنا وكلّ حياتنا مقابل حفنة من الدولارات. وهي صفقة لم يكن الأجنبي ليقبلها لو وضع في موضعنا، لأن لديه الشخصية السويّة التي تراعي ما هو مصلحة وما فيه مضرّة على نفسه ووطنه.

  2. الشيخ يوسف أحمد

    أضحك الله أسنانك، وكثر الله أمثالك يا أستاذ عبد الناصر! كم فرحت بتعليقك المفيد، وقد اشهر سالفا بأنه ” يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر”

اترك رد