اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / بين إهانة المعابر وفقدان الأوطان (2)

بين إهانة المعابر وفقدان الأوطان (2)

كان الشرق بأديانه وتناقضاته وحضارته يعني له أماكن مقدسة وتراثية حد الإبهار، وكان يعشق افريقيا بتضاريسها ورقصاتها الشعبية وثروتها المنهوبة من قبل الأعداء والأبناء. حدثته بلغة سويدية ممزوجة بالصومالية، حدثته عن قريتنا القديمة وإبل أبي، ونظرات جدتي للحياة وتعويذتها التي تجزم أنها تقي العين وتدفع الشر وتبدد الحظ السيء، وعندما حدثته عن عمي الشاعر الذي وصف الحروب والميثولوجيا الصومالية والجواد الأصيل والمحيط والأنهار والحسناوات الصومالية بشعره اللطيف ولغته الرزينة شعرت في عيونه العميقة نشوة الأدب وتاثير الفن ومسح صلعته وفغر فاهه المائل إلى الصفرة.

عمي كان الناطق الرسمي للقبيلة في زمن الحروب القبلية وإعلامها المؤثر في ذاك الزمن ، في تلك الفترة الزاهية بالأقواس والسيوف والأتراس لم يكن المجتمع بحاجة إلى القناة الثانية السويدية، ولا سي إن إن، ولا الجزيرة، ولا القنوات الصومالية الضعيفة التي تستقوى بكلمة “العالمية” وكأن الكلمة تنقلهم من الضعف الانتاجي والاداري إلى مصاف القنوات الرائدة إعلاميا، بل كان الشعر يتكفل على نشر محاسن القبيلة وبث الرعب في صفوف الأعداء بهجائه اللاذع وذمه القاتل للقبائل.

الحياة في المنطقة صعبة وباردة، والطقس لا يسمح بالتجول وركوب ناصية الأحداث، إفترقنا السويدي العجوز على أمل اللقاء. غمرتنا الحياة ورجعت إلى الملجأ المجاور للحنين والجبال الجليدية، كنت أفكر دائما أن أتسلق وأجلس على قمة الجبل ولكن هذا غير مسموح مطلقا ويعتبرونه مغامرة غير محسوبة العواقب، أما متمرد يحمل في جيناته مناهضة التقيد والروتينية فكانت أمنية غير مستحيلة أجلتها إلى زمن غير مسمى، أو على الأقل إلى أن يصفو الجوّ وتنتهي البرودة. من بين جميع خلق الله يتذمر الصوماليون من السجن الكبير إذ يعتبر الخيمات المتناثرة على البقعة الجليدية النائية سجنا مفتوحا إلى السماء، ومنذ أن خلق الله في القرن الإفريقي لم يخصع الصومالي الأسلاك الحدودوية ولجام الطبيعة ولا مضايقات الجغرافيا والحدود المصطنعة، بل يرحل بعيدا نحو الماء والكلأ والحرية يترنم بأشعار الرعاة ويستعد للقتال من أجل حفظ مقدراته ومبادئه.

خضع للإستعمار الاوروبي وتعرض للتبعثر الجغرافي ورغم ذالك لايهاب ولا يعترف القيود الوهمية ولا يستسلم لنظام المعابر والتأشيرات، يتنقل في داخل أرضه التاريخي بكبرياء البدويين ويتمسك بهويته الصومالية ويتبختر بمظهره ولا يخفي معتقداته وإن كان في البيت الأبيض أو قصر الإتحادية في بريتوريا، وكتبتِ التاريخ ان الصومال التي خضعت للإستعمار الأوروبي بدأً من البرتغال ونجدتها إبّان جهاد الإمام أحمد جري مرورا بالإستعمار الرباعي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين لم يوجد صومالي أثرته جزرة الإستعمار ولا سطوة المحتل!، لم يؤثر لغويا ولا دينيا ولاثقافيا، بل رحل المحتل فرحلت معه لغته وتاريخيه وتراثه.

عندما كنت في الصومال كان حرق الغابات من أجل إنتاج الفحم وبيعها من أمتع الأشياء التي أمارسها في حياتي، لم تكن مصدر رزقي الوحيد فحسب، بل كنت أظهر رجولتي وحيويتي لبنات الحي وأتراب القوم. على الضفة الشرقية للنهر التاريخي الذي ارتبط اسمه بالمكون الثقافي والزراعي والنضالي للصومال كانت الغابات الإستوائية تشكل حاجزا منيعا بين الغزو الجارف للجبال الرملية المحاذية للمحيط وبين المراعي الطبيعة والقرى الممتدة بامتداد الطريق الذي يشق الغابات الإستوائية نحو العاصمة، كانت الحكومة الصومالية تكافح هذه الرمال عبر التشجير الكثيف، وبعد إنهيار الصومال إنهار معها الأمن والإهتمام البيئي والإنساني، وأصبح تأمين لقمة العيش من أصعب الأشياء، بل تحتاج إلى نضال بطولي وكفاح لايقل ضراوة ذاك الذي خاض الأجداد من أجل إنتهاء الليالي الحالكة للكولونيالية الغربية على الأراضي الصومالية.

كنت أستخدم مهارتي السابقة في تسلق الأشجار وحرقها، في خاطري ووجداني الصبياني كنت أعتقد أنني أساهم في التصحر والقحط وتدمير وطني وتغيير المنظومة البيئية والتناسق الطبيعي، وكان الضمير يؤنبني ويعذبني في حلي وترحالي، ورغم ذلك لم أستطع  أن أتوقف عن هذا الفعل التدميري حرق الغابات ومحاربة البيئة من أجل الفحم وتصديرها إلى الخارج وخاصة دول الخليج والهند والصين، لأنها كانت العمل الوحيد الذي كنت أتقنه إضافة إلى أنه كان منظرا رهيبا للتسلية!، نعم للتسلية والإمتاع حيث كان منظر الغابات وهي تحترق وتلتهب وقعقعة الأغصان والشرر المتطايرة وألسنة الدخان المتصاعد من الجذوع والأغصان الرطبة جميلا يستحق العناء في مخيلة طفل نشأ في الفوضى والتدمير.

البقع الداكنة بعد نقل الفحم إلى المدينة والأكوام الرمادية كان يذكرني بمبارك إبل جدي في مرابعه النائية في السهول المتاخمة للهضاب العريقة غرب مدينة هرر، جدي سكن البادية من أجل متعته الخاصة ومبادئه الصارمة، في صغره هاجر إلى عدن وسكن الحي الصومالي الذي كان يعج بملايين الصوماليين العدنيين الذين سكنوا المدينة منذ قرون حتى أصبحوا من المكونات الثقافية والسياسية البارزة للمدينة، وبعد سنوات كان ضيفا على حوافي عدن وتاريخها ذهب إلى الحج، وفي صيف عام 1956م رجع إلى الصومال عبر مقديشو.

كان شخصية ديناميكية عجيبة، وكانت مقديشو في تلك اللحظة حبلى تنتظر ولادة يترقبها العالم بسبب المعارك السياسية الشرسة والحالة الصومالية المأزومة التي كانت بمثابة قنبلة موقوتة بعد إجهاض الإمبريالية العالمية حلم ” الصومال الكبير” وتقسيم الأراضي التاريخية للقومية الصومالية إلى خمسة أجزاء من أجل تضعيفهم وتكريس التفوق الديني والعسكري والسياسي للإمبراطورية الحبشية التي تمثل “الكنيسة”، في حين تمثل الصومال بمكوناتها الحضارية والثقافية والدينية “المسجد”. والصراع بين المسجد والكنيسة والزعامة المطلقة للمنطقة بدأت في القرن 15م ومنذ ذلك التاريخ كان الحرب سجالا بين الأمتين إلى أن وصلنا إلى عهد الإحتلال الغربي الذي ساعد كثيرا أباطرة النصارى في المشرق الإفريقي.

عند وصول جدي إلى “حمر ” كان السجال يدور حول من يحكم الصومال في السنوات العشرة القادمة بعد إعلان الإحتلال الإنجليزي أبريل عام 1950م إنسحابه من الصومال بحلول عام 1960م، فيما شكلت إيطاليا مجلسا يشبه البرلمان لإدارة البلد حتى عام 1960م، التنافس الإيطالي الإنجليزي على وصاية الصومال واختيار الصوماليين الطليان كان خيارا قاتلا كلف كثيرا على الشعب الصومالي الذي كان يحتفل ولادة علمه الجديد وتوحيد شطرين من جسده الممزق.

في هذه الأثناء وفي غضون أسابيع العرس الصومالي الوطني كان والد جدي الذي يصارع  الموت في هضاب أوغادينيا ينظر إلى الشرق حيث يعيش ولده، توفي الوالد قبل ان يصل الإبن إلى ديار الحي، وفور وصول الخبر إلى حي ياقشيد في مقديشو سافر جدي إلى غرب الصومال ويمم وجهه نحو العاصمة التاريخية للقومية الصومالية هرر قبل نكبة عام1887م.

بعد ثلاثة أسابيع من السفر والترحال وصل إلى الأهل فانهمرت الدموع من الأهالي ومن جدي البسيط الذي كان يحمل قلبا نقيا تشبع عن الهواء المشوبة برائحة اللبان والتصوف، بعد يومين بدأت مراسم التنصيب لإستلام سلطة القبيلة المترامية، كان جدي الأكبر مهابا، قامته الطويلة ولحيته ومكانته الاجتماعية وسبحته المميزة صنعوا له لمسة صومالية بالغة الفرادة والتاثير، كان يحكم أكثر من مليون نسمة تسكن في  ربوع الصومال من الهضاب الغربية إلى المستنقعات الجنوبية في وامُو وكان أملاكه وثراوته مسجلة لدى الإحتلال البريطاني والايطالي والحبشي، وكانوا يحترمونه ويعتبرونه رجلا خطيرا يجب مهادنته.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن حسن محمود قرني

حسن محمود قرني
حسن محمود قُرنَي كاتب ومدون صومالي خريج جامعة أفريقيا العالمية كلية العلوم قسم جيولوجيا.

اترك رد