اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / الخلفية التاريخية لإنشاء ميناء جيبوتي

الخلفية التاريخية لإنشاء ميناء جيبوتي

تعتبر مدينة جيبوتي من المدن النادرة في العالم التي تمتلك شهادة ميلاد،  وسجلات مدونة عن نشأتها، وعن مسارها العمراني وعن تطور مرافق الحياة فيها . ولقد كان الموقع الأول لمدينة جيبوتي قبل قدوم المستعمر إليها عبارة عن أربعة جزر مرجانية غير قابلة للهبوط والغرق، كانت تشكل مثلثا يمتد رأسه في البحر، بينما ترتكز قاعدته على الشريط الساحلي الضيق  والأراضي الممهدة عند مصب وادي حنبلي التي كان يسهل تكون السيل فيها. وكانت بئر ( جابود ) الواقعة في وسط هذا المصب هي التي يؤمها  البدو الرعاة معتمدين عليها في جمع المياه وارواء قطعان الماشية.

وكان الفرنسيون الذين كانوا  قد يئسوا تماما من تحدي الوجود البريطاني في مدينة زيلع اشتد عزمهم للتفكير جديا في تأسيس مدينة جيبوتي عام 1888م  لإستغلال موقعها الاستراتيجي للأغراض التجارية والعسكرية ، خاصة وأن الظروف الطبيعية تساعدهم في ذلك كثيرا نظرا لوجود الحطب والماء فيها.

وإذا تأملنا في قائمة الوقائع التاريخية التي كان لها شأن كبير في تأسيس مدينة جيبوتي نجد أن تسلسل الأحداث يبدأ بعد التطورات الهامة التي استجدت في كل من مدينة زيلع، ومينة هرار 29 أكتوبر من عام 1884م وقرار العميد البريطاني (هنتر ) إجلاء الحاميات المصرية  التي كانت تحرس  هذه المدن  وتحكمها باسم الدولة العثمانية.

وتضمن قرار العميد البريطاني أن تكون ادارة مدينة زيلع تابعة لحكومة الهند الخاضعة لبريطانيا، بينما ترك هذا القرار  مدينة هرار تواجه مصيرها بنفسها . ونتج من هذا القرار أيضا  توقف حركة الاستيراد والتصدير من ميناء زيلع إلى مدينة هرار.

فعلى الرغم من أن البريطانيين  استلموا بالفعل إدارة ميناء زيلع بعد ساعات من رحيل المصريين عنها الا انهم لم يتعهدوا بحماية التجارة التي كان التجار الفرنسيون يديرونها ويتزعمونها الأمر الذي أدى إلى أن تتحول التجارة من ميناء زيلع إلى ميناء أبوك ، خاصة وأن الحكومة الفرنسية التي كانت تسيطر على منطقة أبوك منذ 1862م  كانت قد شجعت الهجرة إلى هذه المدينة،  ودعت مواطنيها عام  1884م إلى استغلالها وتعميرها،  وكان ذلك بعد أن قامت بريطانيا بمنع السفن الفرنسية في البحر الأحمر  من التزود بالفحم من ميناء عدن 1883م بحجة أن بريطانيا يجب أن تكون محايدة في الحرب التي قامت بين فرنسا والهند الصينية .

وأخذت التجارة التابعة للفرنسيين تنشط بشكل ملحوظ في ميناء أبوك ، وظهرت القوافل التجارية الضخمة  وهي تشق طريقها من ميناء أبوك متجهة إلى مدينة أونتوتو Entoto  عاصمة إقليم شوا  معقل الملك منليك الذي كان يتطلع منذ فترة للاستيلاء على مدينة هرار  ، ويعد العدة وينتظر خروج الإدارة المصرية منها  .

وكانت الإدارة الفرنسية في مدينة أبوك  التي لم تكن ترى  بأسا في أن تكون مدينة هرار في أيدي صديقة لهم قد  قامت بتسهيل عملية استيراد الأسلحة النارية  لمنليك ملك شوا  لكي تساعده على دعم مركزه في الحبشة والاستيلاء على مدينة هرار .

ونطالع في كشوفات الشحن في عدن إلى ميناء أبوك  أن التاجر الفرنسي سافورا Armand Savour  قد صدر إلى منليك ملك شوا في رحلة واحدة عبر أبوك  نحو 30 ألف بندقية و600 ألف خوذة حديدية ، وثلاثة آلاف غدارة نارية للمشاة .كما نجد أن الشاعر الفرنسي آرثر رامبو Arthur Rimbaud  الذي كان تاجر أسلحة  يذكر في مذكراته :  أنه باع للملك منليك في غضون خمس سنوات أكثر من 44 ألف بندقية من أنواع مختلفة. 

وسرعان ما بدأت السلطات البريطانية في مدينة عدن تشعر بالقلق من جراء تزايد النفوذ التجاري الفرنسي في الحبشة وتطور العلاقات الودية بين فرنسا والملك منليك مما دفع بهذه السلطات إلى إصدار  أمر إلى القنصل الفرنسي في عدن لمراقبة كمية الأسلحة التي تصدر إلى الحبشة خشية أن  تقع هذه الاسلحة في ايدي القبائل الهمجية، أو  ينتج منها ازدياد نفوذ ملك شوا في المستقبل  مما قد يسبب المتاعب  لبريطانيا في المناطق التي يمتد فيها نفوذها في الصومال.

وبما أن العلاقات الفرنسية البريطانية  كادت  أن تتأزم بشأن المخاوف البريطانية المتعلقة بالأسلحة التي يتم تهريبها إلى ملك شوا  والتي كانت تتم بمعرفة الإدارة الفرنسية في مدينة أبوك ، فإن بريطانيا أبرمت عام 1886م اتفاقية مع الفرنسيين لحظر بيع الأسلحة للملك منليك في  16ديسمبر 1886م .

وكان الملك منليك الذي انتهز فرصة انشغال الإنجليز بترسيخ السيادة البريطانية في الصومال ، وانقض على مدينة هرار واستولى عليها 1886م  في حاجة إلى الأسلحة النارية،  ليس فقط لترسيخ سيادته، وتشديد قبضته على هذه المناطق التي استولى عليها ، بل لغزو إثيوبيا كلها وسطو كنوزها بقوة السلاح .

فاستشار موردي أسلحته ، وكان كلهم مغامرين وتجار أسلحة فرنسيين من الذين حققوا ربحا سريعا من تهريب الأسلحة  فأخذ هؤلاء التجار الذين كانوا يعملون أيضا كمستشارين للملك  ينصحونه بأن يستمر في مراسلة الفرنسيين، ويطلب منهم منحه منفذا إلى البحر الأحمر،  لكي يتمكن من استيراد الأسلحة بنفسه . ويتفادى في ذلك التعقيدات الدبلوماسية بين الفرنسيين والبريطانيين  واتفاقاتهم الثنائية التي تحظر عليه شراء الأسلحة. وكان ذلك بمثابة أول ظهور لفكرة إنشاء ميناء جيبوتي الحالي. في بداية عام 1887م.

ونجد في الأرشيف الفرنسي رسالة مؤرخة ب 1 مايو 1887م   يقول فيها الملك مخاطب لاجارد Lagarde  الفرنسي :

(…بلغني أن الحكومة الفرنسية تعتزم منع تجارة الرقيق، وهو ما كنت دائما أمنعه ولكني الآن سأحرص على منع ذلك في مملكتي  وأؤكد ترحيبي  واستعدادي للتفاوض واستقبال كل وكلاء الشركات الفرنسية  … )

( ولقد اتخذت هذا القرار لكي تسمحوا لي من جانبكم استيراد الأسلحة اللازمة لي لمحاربة الكفار.  وأرجو منكم أن تدعوا لي منفذا إلى البحر، كي أتمكن من استيراد الأسلحة بنفسي . وأريد أن يكون هذا المنفذ في حال موافقتكم عليه ،أن يكون قريبا من خور عانبادو على الساحل الذي تسكنه القبائل العيساوية ..) 

وصار قائد القوات الفرنسية في ابوك  حائرا يقلب الأمر، فهو من ناحية كان يرى جيدا المصالح الاقتصادية التي يمكن لبلاده أن تجني من إنشاء ميناء فرنسي – اثييوبي،  ومن  ناحية أخرى كان  مقيدا بتعليمات من الحكومة الفرنسية، تطالب بالتركيز على  أولوياته العسكرية  في المنطقة، والابتعاد عن التورط  في المشاكل السياسية .

ولما حاول  لاجارد Lagarde  إقناع الحكومة الفرنسية على أهمية إنشاء الميناء تلقى  في 3 يونيو 1887م  من لا بورت.  La porte  وكيل وزارة المستعمرات الفرنسية برقية بالغة الاختصار والصرامة جاء في نصها الآتي :

( سيدي القائد ، لقد ذكرت في إحدى برقياتك المؤرخة ب- 22 مارس 1887م  أنك تلقيت رسالة من حاكم هرار يسألك فيها إمكانية بناء علاقات ودية ….)

( فعلى الرغم من  أن  وزير الخارجية الذي قمت باستشارته حول هذه المسألة  قد أكد لي بأهمية ذلك  إلا أنه يرى أن الظروف الدولية الراهنة تجبرنا أن نتحفظ من بناء أية علاقات معهم . وأنا شخصيا أشاركه هذا الرأي ، ومن واجبي اعلانكم  أن تحذر من الدخول في علاقات معلنة مع السلطات الجديدة في مدينة هرار وفي البلاد التي استولى عليها ملك شوا )

ومهما يكن من أمر فإن لاجارد Lagarde الداهية سافر إلى باريس في إجازته السنوية في الثالث من شهر يونيو 1887م ووصل إليها بعد عشرين يوما وهناك أسرع إلى مقابلة  ايتين Etienne  وكيل وزارة المستعمرات الفرنسية الذي كان قد حل في السابع من يونيو 1887 م   محل الوكيل السابق. 

ومع أن لاجارد Lagarde  لم يكن يعلم بوجود رسالة الملك ( الفرنسي سافورا تاجر الأسلحة كان قد سلمه اياه في 30 يوليو ) إلا أنه كان يعلم جيدا نوايا الملك  وقصة المبعوث الإثيوبي الذي كان قد وصل سرا الى أبوك  كي يتابع عن كثب النوايا الفرنسيين  ومخططاتهم  في المنطقة.

كما أن لاجارد Lagard  كان قد استقبل  في أبوك زيارة ( أوجاس روبله ) ملك العيسى الصوماليين ، وبرفقته برهان أبو بكر  ( ابن الباشا السابق لمدينة زيلع ) في بداية شهر يونيو1887م.  وكان برهان قد شرح له مطالب الملك وضرورة إنشاء ميناء تجاري تشرف عليه الإدارة الفرنسية.  ودعا إلى ضرورة تغيير طريق القوافل  ( أبوك – هرار ) الذي يلزم القوافل التجارية تغيير الرجال والجمال كوسيلة  لتجنب نهب القوافل عندما تبيت في العراء عدة أيام، وتكون غرضة لمخاطر الطريق  نظرا لوجود الطريق في أرض قبيلتي ( الدناكل والعيسى )  بينما الطريق التاريخي للقوافل يوجد في أرض قبيلة العيسى القاطنة على امتداد الطريق   زيلع – هرار  وهي قبيلة تملك تجربة ميدانية  منذ قرون في قيادة  القوافل المكونة من الإبل الناقلة للبضائع بين زيلع وهرار .

وأخذ لاجارد Lagarde   يشرح كل ذلك للوكيل الجديد  مطالبا اياه إلغاء التعليمات التي تمنعه من التصرف في بناء علاقات تجارية معلنة مع الحبشة . ووجدت مطالبه آذانا صاغية لدى الوكيل الجديد الذي كان من المتشددين في ترويج السياسات الاستعمارية .

وقرر هذا الوكيل السماح بإنشاء ميناء جيبوتي، وفتح طريق للقوافل التجارية القادمة من الحبشة . وعمل على إصدار قرارات حاسمة فتحت آفاق جديدة للسياسات الفرنسية في خليج عدن.  وقام بترقية لاجارد من قائد القوات الفرنسية في ابوك إلى وكيل فرنسا المعتمد في هذه المنطقة بمرسوم  5 ديسمبر 1887م

وبما أن منصب القنصل الفرنسي في زيلع صار شاغرا نظرا للظروف الصحية التي كانت قد ألمت بالقنصل الفرنسي لابوس Labosse  منذ شهر يونيو 1887م فإن لاجارد Lagarde  اغتنم هذه الفرصة وطلب تعيينه كقنصل عام في الصومال  مع الاحتفاظ بصلاحياته العسكرية كقائد عام للقوات الفرنسية في المنطقة. وتم تعيينه رسميا لهذا المنصب 6 سبتمبر 1887م.

وقرر لاجارد Lagarde  المعزز بصلاحياته الجديدة بعد عودته إلى ابوك الدخول في علاقات تعاون مع الملك منليك  واستقبل في ابوك  أرمو سافورArmand Savour   تاجر الأسلحة الفرنسي  وبرفقته الملازم هينو Henon  الحبشي  لاستئناف المباحثات  المتعلقة بالقوافل التجارية ، وإنشاء الميناء الجديد ولم يكتف سافورا Armand Savour  تاجر الأسلحة بذلك بل كتب رسالة إلى وكيل الوزارة الخارجية يحدد فيها المكان المناسب لإنشاء الميناء.

(..نقطة فرنسية في خليج تاجورة على الضفة التي يسكن فيها العيسى . وذلك لجذب تجارة المنطقة كلها،  بفتح فرع آخر لطريق القوافل التجارية بين زيلع وهرار،  يمر الأراضي الفرنسية في المنطقة ،  ويجب أن تكون هذه النقطة بين رأس جيبوتي وبين خورعانبادو  عند نقطة تسمى دورالي  حيث يوجد فيها الماء )

واستمر سافوا Armand Savour  يشرح الفرص التجارية السانحة التي يعرضها الملك، وسعى إلى تبديد المخاوف ذات الصلة بشأن الأسلحة، وتحدث عن ثقته التامة بحكمة الملك، وحاجة قواته النظامية للأسلحة . ودعا إلى ترك الملك يستورد الأسلحة ، لأن ذلك سيعزز من مكانته في الحبشة ، وسيلزمه ذلك منع تجارة العبيد ، وسييضمن حرية تنقل التجار الفرنسيين في الحبشة .

وبالنسبة للقبائل المحلية المعنية بالأمر فإن ايسكلانجون  Esclangon  الذي كان يتولى إدارة ابوك بالنيابة عن لاجارد الغائب في إجازته السنوية ذكر أنه قد جمع شيوخ قبائل العيسى المتمتعة بالحماية الفرنسية منذ 26 مارس 1884م.  ونجح في انتزاع الموافقة لإنشاء الميناء في أرضهم .

وتدخل أيضا لصالح إنشاء الميناء المبشر الكاثوليكي توران كاهان Tauran-Cahagne  أسقف  مدينة هرار  وأوضح من جانبه المصالح التي تتحقق للإمبراطورية الحبشية الحبيسة  من إنشاء ميناء في الشواطئ التابعة للعيسى الصوماليين .

ومهما يكن من أمر فإن لاجارد Lagard  بعد وصوله إلى أبوك بعشرة أيام فقط ذهب إلى زيلع للتشاور مع التجار وأمراء القوافل التجارية الناقلة للبضائع ، وأرسل برقية يقول فيها:  ( من الناحية السياسية والتجارية فاننا اصبحنا على أتم الاستعداد لفتح طريق جيبوتي- هرار  أمام  القوافل التجارية القادمة من الحبشة ، وإنشاء مركز تجاري في هذه النقطة من العالم..)

وسرعان ما برز في الواجهة مشكلة تقاسم مناطق نفوذ كل من فرنسا وبريطانيا في المنطقة ، وبدأت مناورات دبلوماسية طاحنة  بين الدولتين ، فبينما كانت بريطانيا تحرص ابعاد الفرنسيين من زيلع وتعمل على وضع حد للتغلغل الفرنسي في المنطقة،  كان الفرنسيون ينتهجون سياسات ملاء الفراغ، ويسعون جاهدين توسيع مناطق نفوهم تحدوهم في ذلك الرغبة في استثمارعلاقاتهم الخاصة بملك الحبشة ، والحصول على الاراضي اللازمة لاقامة ميناء ، واحتكار تجارة الامبراطورية الحبيسة.

وكان هناك اتفاق مبدئي بين الفرنسي وادنجتون Waddington  سفير فرنسا في لندن،  وبين البريطاني  اللورد سالسبوري  Lord Salisbury وزير خارجية بريطانيا  بشأن مناطق نفوذ كل دولة،  ينص أن تكون منطقة رأس جيبوتي Ras-Djibouti  الحدود الفاصلة  بين الدولتين ، وجرى اعتماد ذلك من الجانبين . واعترفت بريطانيا الحماية الفرنسية على الأراضي الواقعة  غرب رأس جيبوتي Ras-Djibouti  بينما أقرت السلطات الفرنسية حقوق بريطانيا في السواحل الممتدة من غرب رأس جيبوتي.

وتلقت الحكومة الفرنسية بداية عام 1887م  خطابا من المكلف بشؤون الفرنسية لدى الأمانة العامة لمجموعة دول الكومنولثForeigne-Office  يحمل مخططا لترسيم الحدود التابعة لكلا الدولتين ، إلا أن الإشكالية صارت تتمثل فيما بعد  على الكيفية التي يمتد  الخط الحدودي  من نقطة رأس جيبوتي Ras-Djibouti  إلى هرار.  فهذه النقطة الساحلية تصلح لكي تكون نقطة  فاصلة فيما يخص امتداد الساحل ، ولكنها لا تصلح  لتحديد أين يمر الخط الحدودي بعد ذلك ،عندما يبدأ الخط الحدودي من نقطة رأس جيبوتيRas-Djibouti   ويمتد إلى المناطق الداخلية خاصة أن تركيز كلا الدولتين  كان ينصب في السابق فيما يخص الانتفاع البحري للساحلء ولم يكن هناك أي اهتمام للمناطق الداخلية الا فيما يتعلق بطريق القوافل التجارية الخاصة بمدينة هرار الذي اتفق الجانبان أن يكون مفتوحا أمام الجميع.

ولسد الثغرات في هذا الاتفاق المبدئي لترسيم الحدود وافقت بريطانيا في 10يونيو1887م على تعديلات تقدم بها وادنجتون Waddington سفير فرنسا في لندن،  طلب فيها اعتراف السيادة الفرنسية على جميع الجزر المطلة على خليج تاجورة  بما في ذلك جزر القريبة من رأس جيبوتي Ras-Djibouti.

واصطدمت فكرة إنشاء الميناء بشتى العراقيل الحدودية على أرض الواقع ، بحيث صار من الضروري جدا تثبيت الخريطة السياسية  قبل التفكير في شروع  إنشاء الميناء . وسافر لاجارد Lagard إلى باريس لقضاء إجازته السنوية. وهناك قابل اتيين Etienne  وكيل وزارة المستعمرات الفرنسية . وشرح له المخاطر التي يتضمنها الاتفاق المبدئي 10 يونيو 1887م على مستقبل الميناء الفرنسي المزمع إنشاؤه في هذه المنطقة .

بينما أنذر لانبوس Labosse  القنصل الفرنسي في زيلع الوزارة الخارجية الفرنسية  وحذرها من العواقب الوخيمة التي يتضمنها الاستمرار في هذا  الاتفاق المبدئي .

واستأنفت المفاوضات بين وادنجتون Waddington سفير فرنسا في لندن ، وبين اللورد ساليسبيري Lorde Salisbury  وزير خارجية بريطانيا لمراجعة الاتفاق المبدئي  . وتماطل الجانب البريطاني في إجراء المفاوضات  بعد أن شعرت السلطات البريطانية في عدن بالقلق من الشائعات المتعلقة بإنشاء ميناء ومركز تجاري في جيبوتي.  والمخاطر المحتملة من جراء ذلك على المصالح التجارية لبريطانيا العظمى في خليج عدن  وزيلع ، لاسيما وأن النفوذ الفرنسي صار يتمدد و يترسخ في المنطقة بعد أن استولى الملك منليك على هرار بمساعدة الأسلحة الفرنسية .

كما أعربت الشركة الهندية البريطانية التي كانت من أهم بؤر التجسس في العالم L’Indien Office مخاوفها من النوايا الفرنسية من تطوير العلاقات مع ملك الحبشة ونصحت حكومة صاحبة الجلالة بالتمهل  وأن لا تتسرع في إقرار هذه الحدود 

وتعززت المخاوف البريطانية وانقطع الشك باليقين عندما أرسلت السفارة البريطانية في روما نقلا عن مصادر إيطالية أنباء تفيد بأن الفرنسيين قاموا بتسليح الملك منليك لدعم مركزه في الحبشة فيحصل على القوة التي تلزمه ليسوق جميع القوافل التجارية إلى جيبوتي.

ولم تأخذ الحكومة الفرنسية  مسألة حسم هذه الحدود العالقة على محمل الجد إلا بعد أن نما إلى علمها مناورات الشركة الهندية البريطانية لاستمالة ملك الحبشة لتحويل القوافل التجارية إلى طريق بربرة – هرار.

كما رفع لاجارد Lagard إلى وزارة الخارجية الفرنسية تقارير  تتحدث عن الشكوك التي تساوره من النوايا البريطانية وراء منح العقيد هنتر  رجل بريطانيا في المنطقة صلاحيات واسعة تتيح له تمثيل بلاده أمام ملك الحبشة اليائس من الوعود الفرنسية بشأن ميناء جيبوتي.

وشدد لاجارد Lagarde من  لهجته على الخارجية الفرنسية في برقية 14 نوفمبر 1887م إلى درجة  هدد فيها تقديم  استقالته الشخصية إذا  لم تحرك الحكومة الفرنسية ساكنا في إلزام بريطانيا التوصل إلى اتفاق  لتسوية الحدود العالقة  فالملك منليك الذي استولى على امبراطورية حبيسة  قد ينفذ صبره في أية لحظة ويضطر إلى التحالف مع البريطانيين .

ولما لم  يجد  لاجارد Lagarde  تجاوبا من السلطات الفرنسية في باريس للتطورات الجارية في المنطقة قرر أن يتصرف وحده لإنقاذ الموقف.

ونطالع في برقية أرسلها  في 2 ديسمبر 1887م إلى فلورنس Flourens  وزير الخارجية الفرنسي يقول فيها : ( لقد اتخذت اليوم  قرارا بإنشاء مركز تجاري في الجهة الغربية من رأس جيبوتيRas-Djibouti   لكي لا أبقى محرجا أمام مطالب العيساويين  الذين قطعنا لهم وعدا بضمان رفاهيتهم وصاروا يتعرضون  لتضييق مستمر من قبل السلطات البريطانية في زيلع )

واستطاع لاجارد بهذه الخطوة الجريئة أن يضع الحكومة الفرنسية أمام الأمر الواقع ، مما جعلها تستجيب لمقتضيات الموقف. ونتج من هذه الخطوة  استئناف المفاوضات وتبادل المذكرات بين الفرنسيين والبريطانيين انتهت إلى التوقيع على اتفاق نهائي لترسيم الحدود بين الصومال الفرنسي والصومال البريطاني في 9 فبراير 1888م .

وكسب لاجارد Lagard الأراضي اللازمة لحماية الميناء وصارت معالم الخط الحدودي بين البلدين واضحة ومحددة بنقاط حدودية على الأرض  تمتد من ليهادوLehadou   هباسوين Abassouen  بيوكروب Bia karoub  جيلديسا     Gildassa (. تعرف أيضا ب- قلعة وتبعد حاليا 20 كلم من قرية هرموكالي باثيوبيا )

واتفق الجانبان على ترك منطقة هرار منطقة دولية مفتوحة للجميع تجنبا لإثارة الخلافات واسرع لاجارد Lagarde  بعد شهر واحد من تاريخ التوقيع على هذا الاتفاق النهائي الى افتتاح تأسيس ميناء جيبوتي في بدايات شهر مارس 1888م

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن د. عبد الله قمني آدم

د. عبد الله قمني آدم
مدرس اللغة العربية في جامعة جيبوتي ومقيم في جيبوتي، وله مقالات وتقارير وابحاث باللغة العربية

تعليق واحد

  1. هذا البحث كله تضليل للحقائق التاريخية أستطيع القول ربما الكاتب لم يقرأ حقائق التاريخ الجيبوتي جيدا، أولديه نية مبيتة لتشويه التاريخ الجيبوتي عن قصد، بصبغة عنصرية لاأدري؟ أسأل الكاتب منذمتى سكنت قبائل عيساوية مدينة أبخ ؟ وكيف إستقبل لاجارد ملك العيساويين في أبك بما أنه ليس للعيساويين وجود في منطقة أبخ إلى يومنا هذا؟ أمانة للتاريخ ولتصيحح هذا للبس والتشويه الذي قام به الباحث بالأحداث التاريخية عن عمد، أن مدينة أبخ مدينة عفرية بحتة ليس للعيساويين فيها وجود إلى يومنا هذا، وهي تقع في أقصى الشمال لجمهورية جيبوتي وهي منطقة عفرية بحتة، ما إستقبله لاجارد لم يكن ( الأوجاس العيسى ) في أبك في شهر يونيوا عام 1887م بل كان سلطان سلطنة تاجورى العفرية التاريخية، ماكتبه الباحث ليس بحثا، بل للعب على الوقائع والأحداث التاريخية. ولذا يجب التحري قبل نشركهذه الأكاذيب لأناس لايحترمون حقائق التاريخ والعلم والمعرفة وشكرا.

اترك رد