اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / حوار خاص مع المفكر الإسلامي الشيخ عبد الرحمن بشير حول الأوضاع السياسيـة في منطقـة القرن الإفريقي (1/1)

حوار خاص مع المفكر الإسلامي الشيخ عبد الرحمن بشير حول الأوضاع السياسيـة في منطقـة القرن الإفريقي (1/1)

أجرى الحوار: عبد الله الفاتح

مقدمـة:   

تمر منطقـة القرن الإفريقي بمرحلة تاريخيـة مهمة وخطيرة وهي توصف بأنها المنطقـة الموبؤة بالصراعات والنزاعات العرقيـة والقبليـة والمسكونـة بالـأصوليـة الإسلاميـة واـإرهاب  والتهريب والقرصـة ومشاكل مصادر المياه والهجرة غير الشرعيـة.

وقد أصبح القرن الإفريقي يشكل ـ في منظور الدول الغربيـة ـ منظومة إقليميـة من عدم الاستقرار تؤثر سلباً على إنسياب التجارة الـأوربيـة مع جنوب آسيا وإفريقيا وتؤثر كذلك في أمن منطقـة البحر الأبيض المتوسط ومنطقـة بحر العرب والمحيط الهندي ذات الـأهميـة الكبيرة لـلأمن والمصالح الـغربية، وفقاً ما جاء ورقـة المفوض الـأوربي السابق لوي ميشيل بعنوان (اـاستراتيجية السياسيـة الـإقليمية للسلام والأمن والتنميـة في القرن الإفريقي.

وهذا ما نناقشـه مع المفكر الـإسلامي الشيخ عبد الرحمن سليمان بشير لمعرفـة عمق تلك التحولات السياسيـة والاجتماعية في المنطقـة ومآلاتها المستقبليـة والعوامل الداخليـة والخارجيـة المؤثرة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي الجزء الـأول من الحوار يجيب فضيلـة الشيخ بشير لجملة من الـأسئلـة ذات الـأهمية متعلقة بالـأوضاع السياسيـة والاجتماعية الراهنـة في كل من جيبـوتي وإثيوبيـا.

نص الحوار:

  • سـ1: في البداية نرحب بكم ونشكركم على إتاحـة الفرصـة لنا في مركز مقديشو للدراسات والبحوث وموافقتكم الكريمة لإجراء هذا الحوار معكم، خاصـة وأنه يأتي في ظروف إستثنائيـة تعيشها المنطقـة.

جـ1: الشيخ عبد الرحمن بشير: في البـداية أود أن أتقدم بالشكر الجـزيل لـلقائمين علي مركـز مقديشو لـلدراسات والبحـوث، لما يقوم به من عمل جليـل في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها منطقة القرن الـإفريقي عموماً والصومال خصوصـاً.

ونحن نجد أن النظام العالمي الذي تأسس ما بعد الحرب العالمية الثانية سقط بشكل دراماتيكي قبل عقدين ونصف من الآن، كما أن النطام الذي تشكل بعد سقوط الإتحاد السوفيتي بدأ يتعثر بشكل كبير ، ورأينا بداية ملامح مرحلة حديدة، والغريب في الأمر، أن الدولة الصومالية سقطت في لحظة انهيار النظام العالمي في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، ولم ينجح الشعب الصومالي إعادة المعافاة لدولته، ولهذا فنحن في هذه المنطقة نعيش في مشكلة مركبة، ذلك لأن غياب الدولة القوية المركزية عن الخريطة لا يساعد إستقرار المنطقة من جانب، ويستغل أعداء الشعب الصومالي هذا الفراغ لصناعة توتر مستدام يبرر  للدول المحيطة التدخل في الشؤون الداخلية.

إن الحاجة ماسة لمثل هذا المركز في مثل هذه الظروف، ذلك لأن أصحاب الفكر يقدمون للناس الرؤي المختلفة في كيفية فهم التحديات المحيطة بهم، وسبل الخروج منها، ومن المعروف تاريخا، أن كل نهضة تسبقها ثورة فكرية ، وقوة معرفية ، ومن أخطر ما نشكو منه ، هو غياب الدراسات الفكرية لمشاكلنا الذاتية بشكل علمي ، ولهذا نجد التيه في كل مكان ، فبناء العقل لا يتم عبر الجامعات فقط ، فنحن لسنا بحاجة إلي تكديس المعلومات في العقول كما تصنعها الجامعات في العالم الثالث ، بل نحن بحاجة إلي القيام بتشخيص كامل لحالة أمتنا ، ومنطقتنا لنعرف موقعنا الحقيقي من الحياة ، وبالتالي فلا بد من تقديم رؤية منطلقة من الواقع ، ولكنها لا تعيش في وحل الواقع ، إنها عملية قيصرية ، ولكنها لا بد منها ، وهذا هو دور المفكرين والعلماء والفلاسفة ، وإني علي يقين علي أن مركزكم يقوم بهذا الدور ، وأرجو لكم النجاح والإستمرار.

  • سـ 2: فضيلـة الشيخ ولو بدأنا معكم في الشأن الداخلي، كيف تقرءون الواقع السياسي الراهن في جيبوتي؟ وما هي الأسباب الحقيقيـة وراء فشل عمليـة التحول الديمقراطي في البلاد؟ وما هي آفاقها المستقبليـة؟

جـ2: ليس من السهل أن يفهم الإنسان الواقع السياسي الجيبـوتي ما لم يكن محيطا بتشكل هذا الواقع في لحظة الإستقلال ، وهذا مهم لمن أراد أن يقرأ الواقع السياسي بلغة العلم ، لا بلغة العاطفة الساذجة ، ولهذا نطرح سؤالا مفاده، كيف تشكل هذا الواقع السياسي ؟ وما هي المراحل التي مر بها ؟

لقد ناضل الشعب الجيبوتي لإجل استقلاله ما يقرب أربعين عاما ، وكانت الانتفاضات الشعبية لا تتوقف  ، وَقّاد عملية التحول من لحظة الإستعمار إلي مرحلة الإستقلال رجال وطنيون معروفون بولائهم وإخلاصهم، ومن هؤلاء المناضل الكبير السيد محمود حربي ، والمناضل السيد حسن جوليد أبتدون ، وكذلك المناضل السيد أحمد ديني  أحمد رحمهم وغيرهم رحمهم الله جميعا ، ولكن لا بد من الإحاطة ببعض  الظروف التي أحاطت الدولة في لحظة ميلادها .

  1. شهدت المنطقة صراعا خطيرا ما بين القوتين الكبيرتين  ( حلف وأرسو بقيادة الاتحاد السوفيتي ، وحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة ) في لحظة الإستقلال الجيبوتي ، فكان الاتحاد السوفيتي موجودا كقوة عسكرية في شمال الصومال ( بربرا ) ، وفي جنوب اليمن ( عدن ) ، بينما فرنسا المستعمرة موجودة بقوة في جيبوتي ، ولها قاعدة عسكرية ضخمة ، وتمثل في وجودها الرؤية الغربية.
  2. العالم العربي ، وخاصة الدول الخليجية ذات الثروة النفطية الهائلة ، والمتحالفة مع الحلف الغربي كانت تخاف من التمدد الإستراكي ، ولهذا سعت أن لا يكون استقلال جيبوتي بحال من الأحوال مساعدا للإمتداد الإشتراكي ، ولهذا رفضوا أن تكون جيبوتي جزءا من الصومال ، أو من إثيوبيا .
  3. في المنطقة دولتان محوريتان ، وهما الصومال ذات القوة العسكرية في هذه المرحلة ، وإثيوبيا ذات القوة السياسية  ، ولكل واحد منهما ادعاءه لجيبوتي ، فالدولة الصومالية كانت تسعي إلي ضم جيبوتي إليها باعتبارها في جزءا من الصومال الكبير ، بينما تدعي الدولة الإثيوبية بأن جيبوتي جزءا لا يتجزء من الدولة الإثيوبية ، وتم استيلأئها من قبل فرنسا ، ولهذا تسعي بكل ما تملك من قوة إلي استعادتها.
  4. في جيبوتي تنوع عرقي معتبر، فهناك العرق ذات الأصول الصومالية ، والعرق التي ينحدر من القومية العفرية ، وهما يمثلان الغالبية في القطر، ولهما أصول في الدول المجاورة وخاصة في الصومال وأثيوبيا وكذلك إريتريا، فهذا التنوع له تأثير في نوعية الاستقلال في جيبوتي .
  5. إن الدولة الفرنسية منحت لـلشعب الجيبوتي نوعا خاصا من الإستقلال، وهو الذي قد نسميه (الاستقلال الناقص ) فالدولة الوليدة لا تملك مقومات الدولة والخوف من المحيط كان قويا، ولهذا قبل الشعب الجيبوتي نوعا من الاستقلال ليحصل دولته، ولكن الحالة استمرت كثيرا وما زالت، وأن أغلب السياسيين لا يتنبهون لذلك، وللحقيقة ، فإن الرئيس الحالي إسماعيل عمر حيلة هو أفضل من يعرف ذلك ، ويسعي في بعض الأحيان لنوع من الاستقلال السياسي والفكري عن المستعمر الفرنسي .
  6. لقد بدأ العمل السياسي في جيبوتي في هذه الأرضية ، وهي أرضية غير مساعدة للحراك السياسي الفاعل لأسباب داخلية ، وأخري خارجية ، ومن هنا مثل السياسي ما بعد الإستقلال امتدادا للسياسي ما قبل الإستقلال ، ولهذا لم يشاهد المواطن في جيبوتي مناخا سياسيا من شأنه صناعة العمل السياسي المستقل من ثقافة المستعمر.

إن هذه الأمور المذكورة في أعلاه مهم جدا لمن أراد أن يفهم الواقع السياسي الحالي في جيبوتي ، فهو امتداد لهذا التاريخ ، ولكن مع هذا فإن نوعا من التطور قد حصل في الرطن ، وهذا النوع من التطور مرتبط بالتغيير الذي حصل في العالم ، وفي المنطقة ، وفي البلد كذلك ، فقد تراجع دور فرنسا المحوري في القارة الأفريقية لأسباب سياسية واقتصادية ، كما اندلع في المنطقة صراعات سياسية وعسكرية أدت إلي إسقاط أنظمة ، وميلاد دول جديدة استقلت من دول أفريقية ، حصل البعض منها الاعتراف الدولي كإريتريا ، وجنوب السودان ، ولم يحصل البعض منها الاعتراف الدولي (كجمهورية صوماليـلاند )، كما جري في جيبوتي مواجهات عسكرية بين جبهة ( فرود ) ذات الأغلبية العفرية ، والحكومة الجيبوتية في بداية التسعينيات من القرن العشرين .

هذا التطور الكبير ترك أثره علي المواطن الجيبوتي ، ولا ننسي أن ثمة تطور نوعي حصل للمواطن الجيبوتي الذي حصل نوعا من التعليم المزدوج ، فقد انتهي زمن الثقافة الواحدة ( فرنسية المجتمع ) وجاء زمن التعدد في المجال المعرفي ، فهذا أيضا ترك بصمته علي الواقع السياسي .

لدينا أسباب أربعة تجعل البلد يعيش في وضع سياسي غير قابل للتحول الديمقراطي في هذه المرحلة وهي:

  1. انعدام إرادة سياسية تحاول التأقلم مع الاوضاع الديمقراطية ، ذلك لأن البعض منا يحسب العملية الديمقراطية إجراءات سياسية فقط ، والغائب هنا هي الثقافة السياسية ، والثقافة السياسية صناعة من النخب ، فإذا كانت النخب الحاكمة تعمل ضد التاريخ ، فإن العملية الديمقراطية لن تري النور.
  2. شيوع الأمية السياسية في الوسط الإجتماعي ، وتداخل العمل السياسي بالعمل الإجتماعي ، فلا خط يفصل بين القبيلة كانتماء اجتماعي ، والعمل السياسي كممارسة سياسية ، فهذا النوع من الخلط يدمر العمل السياسي ، بل الدولة ، لأن الدولة كمفهوم سياسي في لحظة دولة القطر لا تتعايش مع الفكر القبلي .
  3. الإرادة الدولية لا تساعد عملية التحول الديمقراطي ، فالقوي العالمية ترغب الاستبداد السياسي الخادم لقضاياه ، وليس من شأنها ان تساعد العملية الديمقراطية التي تفرز غالبا أفضل الموجودين، كما أنهم يودون إبقاء المنطقة علي التخلف السياسي ، وراعي التخلف السياسي هو المستبد الذي يقدم للخارج الخدمات بدون مقابل .
  4. هناك غياب رؤية من المعارضة السياسية التي تعمل في جيبوتي ، فهي من فسيفساء مختلفة ، ولكن ليس بينهم مشترك سياسي واحد ، ليس من العقل كما يقول النظام ان تكون المعارضة موحدة في الرؤية والبنيان ، ولكن من الحكمة أن تعمل في التغيير لإجل الشعب ، وخاصة بعد أن أعلن الشعب في انتخابات عام ٢٠١٣م وقوفه معها ، ولكن تبين لي فيما بعد بأن الأجندات المختلفة والتي لا تكون لصالح الشعب ، والتحول الديمقراطي وهذا هو الذي جعل العملية الديمقراطية تتعثر أكثر .

إذاً ما العمل في المستقبل حتي يخرج العمل السياسي من التيه ؟ فإني أري العمل في المجالات التالية :

أولا : العمل في تغيير المناخ السياسي من خلال بناء الفكر السياسي بأسس جديدة ، وهذا هو الأساس في العمل السياسي ، فلا يمكن لنا التغيير السياسي ما لم يكن مسنودا لعمل فكري  عميق ، وما نلاحظه من تخبط ، وتراجع ، وعدم تفاهم يعود إلي غياب المشاريع الفكرية من الجمهور  والنخبة معا .

ثانيا : عدم التراجع مما تتحقق سابقا من المكتسبات ، وهو أن المعارضة تنجح حين توحد صفها ، وتفشل حين تتفرق ، فهذا المكتسب السياسي يجب بناؤه من جديد ، ولكن ليس علي قاعدة التكثير ، وإنما علي قاعدة الفاعلية .

ثالثا : لا بد من تسويق الأفكار الجاذبة ، وإعداد مشروع ما بعد النظام الحاكم ، فإن النظام الحاكم قد استنفذ أغراضه ، ولم يبق له معني وجودي ، فالجميع يبحث عن البديل ، والخوف هو أن يكون البديل الفراغ السياسي ، وليس هذا من الحكمة بمكان ، ومن هنا فإن المعرضة تنجح حين تبني رؤية جديدة ، وأفكارا جديدة من شأنها جذب الجماهير حولها .

رابعا : هناك صراع سياسي جديد في الساحة الجيبوتية ، وهذا النوع من الصراع ليس لصالح البلد ، فهو صراع في داخل الأسرة الحاكمة مع العلم بأن رأس النظام الحاكم يشبه إلي حد كبير الأنظمة العربية المتهاوية ( الملكية الجمهورية ) ، ولهذا فالصراع الدائر بين أجنحته هو صراع المصالح الذاتية .

  • سـ 3: هل تعتقد أن النظام الحاكم قد نجح حقاً من حسم الصراع السياسي لصالحـه؟ وما تقييمكم لأداء أحزاب المعارضـة؟ وهل هي تتحمل جزءا من الفشل السياسي؟ أم أن الشعب الجيبوتي هو من يتحمل ضمور أحزاب المعارضـة وفشل قياداتها؟ وكيف ترى مستقبل المعارضـة في ظل الانقسامات الراهنـة ؟ وما تعليقكم للتحالفات الجديدة قي الساحة؟

جـ3: يجب أن نعرف أمرا هاماً، وهو أن النظام الحاكم في جيبوتي لا يختلف كثيراً عن النظام السابق، ومن المعروف أن الرئيس الحالي ورث الحكم من عمه، فهو امتداد سياسي للنظام السابق ، ولكن الرئيس السابق لم يكن له توجه أمني ، بل كان لديه رؤية سياسية ورثها من الإستعمار الفرنسي ، فقد كان ديجولي التوجه ، ولكن الرئيس الحالي له توجه أمني ، ويحاول حين يواجه أعداؤه السياسيين بروح أمنية، لأن الرجل ليس لديه مشروع سياسي ، ومن هنا يحاول الرجل بكل ما اوتي من قوة حسم الصراع لصالحه أمنيا ، وليس سياسيا ، فهذه النقطة مهمة جدا ، فإن النجاح الأمني لا يعتبر نجاحا سياسيا ، وإنما يعتبر صناعة للثأر السياسي بين الفرقاء ، فقد نجح نوعا ما في هذا المربع، ولكنه فشل فشلا ذريعا في صناعة سياسة منفتحة تساهم في استدامة الأمن والازدهار .

إن مشكلة الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة تكمن في أمور ثلاثة:

  1. غياب القائد الكاريزمي ذات الرؤية البعيدة ، فهذا الغياب خلق في جيبوتي نوعا من التسيب السياسي في الهرم .
  2. أصبحت الدولة شركة خاصة ، وهي كما هو معلوم ، المصدر الأساسي للحياة في جيبوتي ، وهذا من آثار الاستعمار ، ولهذا يحاول النظام إفقار الناس ، وجعل الدولة مصدر ضغط علي الناس ، فمن كان من الموالاة فله حق الحياة ، ومن كان من المعارضة فله العذاب ، وبئس المصير .
  3. غياب المشروع السياسي من بعض أحزاب المعارضة ، فهناك أحزاب ديكورية ، وأخري شخصية، وثالثة فارغة المحتوي ، ولهذا يحاول النظام التعامل مع الأحزاب التي تفقد المقومات الداخلية ، بل ويساهم النظام أن تكون الأحزاب نسخة منه ، ولهذا فهو يساعد في توريث الأحفاد ملكية الأحزاب ، وكأنها عقارات ملكية ، وليست أحزاب سياسية ذات توجه فكري.

لست علي يقين بأن ثمة تحولات سياسية تجري الـآن في جيبـوتي ولكني علي قناعة بأن حراكا سياسي خطيرا يجري الـآن تحت التراب وهذا هو الأخطر ، وزد علي ذلك بأن الجزء الأهم من المجتمع بدأ يخرج من جيبوتي زرافات، ويتوجهون نحو الخارج خوفا من المستقبل السياسي المظلم ما بعد رحيل (جيله).

الشعب الجيبوتي له وعي متزايد ، ولكن النظام السياسي الحاكم يحاول أن يستخدم كل أدوات التأثير السلبي عليه ، وخاصة بعد أن لاحظ الوعي المتزايد في الداخل ، ولهذا حارب ، وما زال يحارب المؤثرين من العلماء والمفكرين والدعاة ، بل ويحاول بكل ما أوتي من قوة أن يغلق كل المنافذ والمنابر حتي لا يسمع الشعب صوتا مغايرا ، ولكن هذا ليس لصالحه ، فقد ولي عصر الإستغفال ، والإستحمار .

هناك تحالفات  سياسية بدأت الآن تتشكل من جديد ، وهي تبحث الأمل من خلال المشكلة ، والمشكلة هنا هو النظام الحاكم ، وقد أعلن مؤخرا بأنه يحتاج إلي نقل تجربة الحزب الحاكم في الصين ، والصين يحكمها نظام شمولي ، بينما الدستور الجيبوتي يقرر في مواده الأولي بأن النظام السياسي في البلد يجب أن يبني علي التوجه الديمقراطي والتعدد السياسي .

إن الدراسات التي أجريت في العالم الإسلامي ، وفي القارة الأفريقية كذلك تؤكد كلها أمرين ، الأول هو أن الدولة باعتبارها ثقافة مستوردة من الغرب في شكلها الحالي لا مستقبل لها ، بل تري دراسة جادة قام بها فريق يرأسها الرئيس السابق للمخابرات الفرنسية بأن السرق الأوسط الذي كنّا نعرفه صار من التاريخ ، فدولة ما بعد الإستعمار فشلت فشلا ذريعا ، ولهذا فلا مناص من التفكير الجيد في تأسيس دول جديدة ، ولكنها تستند إلي القواعد الإجتماعية ، أما الأمر الثاني فهو أنه لا مستقبل للإستبداد في العالم المعاصر، ذلك لأن ثمة تطور كمي ونوعي يجري في الذهنية المسلمة والأفريقية ، ولهذا أري أنه من الضرورة بمكان إيجاد العقد الإجتماعي بين الشعب الجيبوتي ، فهذا العقد سوف يؤسس للمستقبل الدولة المنشودة .

  • سـ 4: على ضوء التجارب السابقـة واتساع الهوى بين الأطراف: هل هناك فرصـة للوصول إلى إتفاق سياسي مشترك؟ وتحقيق مصالحـة وطنيـة شاملـة، لإنهاء الـأزمة؟ وما هي تصوراتكم لحل الـأزمة السياسيـة؟

جـ4: يقول القرآن :  (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما)، فهذه النظرية القرآنية تأسيس لجميع العقود، ولجميع المعاهدات، فليس فقط محصورة في عقد الزواج ومشكلاته، والحقيقة السياسية المعروفة في جيبـوتي هي أن النظام السياسي يعرف أمرا واحدا في الإتفاقيات السياسية كلها، وهو أن يتنازل الخصم من جميع حقوقه السياسية، ويستغل باعتباره نظام أمن في الغالب براءة السياسيين، والغريب في الأمر أن السياسة لا تعرف البراءة واللغـة العاطفية والفكر التراحمي، ولهذا فرجل السياسة يفرق بين حسن النية، وفهم قواعد اللعبة .

نحن لو تأملنا مسار السياسة في بلادنا وتأملنا كذلك الأطراف المختلفة في الصراع، والسياسة هي فن القوة وليس فن الممكن فقط كما يقول البعض، فلا ممكن لشخص بدون قوة، والقوة في الدول المتقدمة تكمن في القانون، بينما القوة في العالم المتخلف هو من يملك الأدوات الصلبة  والناعمة، فمن يملك هذه القوة هو الذي يسيطر الساحة في العالم الثالث، ولهذا يحاول النطام الحاكم أن يتفرد بجميع أدوات القوة ليكون الطرف الأقوي في فرض الإرادة السياسيـة.

في نظري، إن النظام الحاكم يملك جل الأدوات الصلبة والناعمة، بينما المعارضة تملك الكثير من الأدوات الناعمة، ولكن الواقع السياسي يقول: لا مستقبل لـلقوة الصلبة في أفريقيا، ذلك لـأن المجتمع في تركيبته قبلي ، ولهذا يمون من الذكاء السياسي أن يحاول كل طرف التنازل من كبرياءه السياسي، وأن يتقن كل طرف فن التنازل ، وهذا لا يأتي سياسيا بدون مقابل ، فإن الطرف الذي يري أنه الأقوي لا يحسن التنازل، ولكن الطرف الذي يري كذلك أنه علي الصواب، يجب أن لا يتنازل عن  مبادئه بسهولة فهذا النوع من التدافع يؤدي غالبا إلي التنازلات المتبادلة، وهذا ما صنعه النظام الإيراني مع القوي الكبري، وهو أيضا مقبول في التدافع السياسي الداخلي.

إن النظام الحاكم في جيبوتي ليس مستعدا في هذه اللحظة للوصول إلي اتفاق مشترك، ذلك لأنه يشعر بالإنتصار الوهمي ، والمعارضة الحقيقية في جيبوتي ليست مستعدة كذلك هي الأخري ، لأنها عرفت بالتجربة بأن النظام لا يفي بوعوده السياسية ، وللعلم إن المعارضة تنقسم إلي قسمين ، معارضة سياسية تنتهج السلم ، ومعارضة مسلحة ، حملت السلاح لـلوصول إلي أهداف سياسية.

  • سـ 5: في الذكرى الـأولى لمجزرة بلطقو التي توافق الـ21 ديسمبر الجاري، كيف ترى الحراك الاجتماعي؟ وما هو دوره لوقف الجرائم وتحقيق العدالة لضحايا الإنتهاكات؟

جـ5: : لقد كانت مجزرة بلطقو مأساة إنسانية لكل ما تعني الكلمة من معني، فقد سقط في هذا الميدان رجال كثير وقتل فيه أطفال أبرياء والغريب أن هؤلاء قتلوا بسلاح الدولة، وإن الذين قتلوهم لم يأتوا من الخارج، بل هم جزء من الدولة، وتحركت الدبابات والمدرعات التي كانت من الواجب الدفاع عن المواطن في ارتكاب هذه الجريمة البشعة، وهذه ليست هي المرة الأولي، بل هي المرة الرابعة، فقد قتلت القوات الأمنية سابقا مواطنين أبرياء من الحي الخامس من العاصمة ، وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين قتل العشرات من أهالي حي أرحبا ، وفي العام الماضي قتل العشرات من الأبرياء بدون مبرر.

النظام يقتل الأبرياء لأجل القتل، وهذا النوع من القتل الممنهج لا مبرر له ، ولهذا فإن العدالة الوطنية، وكذلك الدولية يجب أن تقول كلمتها في هذا الموضوع حتي لا يكرر النظام  بمثل هذه الفواجع ، كما أن الحراك الاجتماعي يجب أن يكون فاعلا وقويًّا ، كما ينبغي أن يعي الجميع بأن قانون التدافع هو الملاذ الأخير للعمل السياسي ، وليس قانون الإنتظار ، ومشكلة أمتنا عامة في قانون الإنتظار ، وهو قانون تم تفعيله من قبل المؤسسات الدينية ، والمؤسسات السياسة الرسمية من زمن بعيد ، ولهذا تجد من الأمة قابلية للإستبداد ، والإستحمار في بعض الأحيان ، لأنها تنتظر المهدي الذي سوف ينقذها من بؤس الأنظمة الفاجرة .

لست في شك في أن الدولة الحالة في العالم الإسلامي ، وأفريقيا في مراحلها الأخيرة من الحياة ، ولكني كذلك علي يقين بأن النخب في هذه البلاد ليست علي المستوي المطلوب في إنتاج الدولة الحديثة بمنطقها ومعاييرها ، ولهذا نجد الجميع يفكرون في داخل الفئة التي ينتمي إليها ، أو القبيلة التي انحدر منها ، أو الطائفة الدينية التي ولد فيها ، وهذه تتناقض مع فكرة الدولة الحديثة ، الدولة الخدماتية ، أو الدولة التي قد تبني علي الفكر العقاري كما يقول الباحث الموريتاني الدكتور محمد المختار الشنقيطي ، ولهذا فنحن سوف نري في المستقبل القريب مزيدا من التفتت الاجتماعي ، والتناحر القبلي ، والتمزق العرقي ، وهذا النوع من التفكير يحتاج إلي طرح مشروع ثوري يتجاوز هذه الأطر الضيقة .

  • سـ 6: في منظور القوى الدولية الكبرى، لم تعد أهمية منطقة القرن الإفريقي تقتصر باعتبارت الموقع الـاستراتيجي الهام، بل إنها تتجاوز إلى اعتبارات أخرى من بينها العوامل الجيوسياسيـة والاقتصتادية والعسكرية وغيرها، فماذا يعني هذا التحول؟ وهل يمكن الحديث عن ملامحـه بشكل مفصل؟
  • وما تفسيركم لهذا الإهتمام الدولي الكبير والوجود العسكري المكثف في جيبوتي؟ وما هي أهدافه وتداعياته المحتملـة على عوامل الاستقرار في جيبوتي ودول المنطقـة عموماً؟

جـ6: القرن الأفريقي منطقة هامة استراتيجيا ، فهي في موقعها الإستثنائي تصنع استثناءا في عالم العلاقات الدولية ، فقديما كانت القوة التي تملك البحر الأحمر ، والبحر الأبيض المتوسط ، وكذلك البحر الأسود هي التي تتحكم مصائر الشعوب ، ولها النفوذ الكامل في الاقتصاد العالمي ، ولكم أن تعرفوا بأن هذه المنطقة هي من البوابات الرئيسية في الدخول إلي القارة الأفريقية التي تتحدث عنها إقتصاديات المستقبل بأن مستقبل البشر المالي يكمن في المخزون الأفريقي ، وليس من العبث كذلك أن تتوافد الدول الكبري علي هذه المنطقة الحيوية ، لأنها علمت بأن هذه البوابة كذلك هامة حيث تربط بين القارة الأفريقية الواعدة ، والقارة الآسيوية ذات الثقل البشري ، والإقتصاد  الواعد ، وبها أفضل الدول ترشحا في الدخول في النادي الإقتصادي العالمي كالصين ، والهند ، وأندونسيا ، وماليزيا وتركيا ، وإيران ، وكوريا وغيرهم من الدول الناهضة بكل ما تعني الكلمة من معني .

نحن نعيش في لحظة جديدة في النظام العالمي ، فقد انتهي عصر الإستفراد العالمي ، ذو القطب الواحد ، ويبدو من الأفق ظهور نظام عالمي جديد ذات أقطاب ، فهناك الصين التي قررت أن لا تكون قوة اقتصادية عالمية فقط ، فلا معني لوفرة مالية لا تحرسها قوة عسكرية ، ولدينا روسيا الصاعدة التي قررت هي الأخري أن تكون لاعبة في الملفات الدولية ، وعلمت بأن القوة العسكرية ، والوجود العسكري في المناطق الحساسة لهما مردود اقتصادي محليا ودوليا ، ولهذا خرجت روسيا من الإنكفاف الذاتي .

نحن اليوم قد نواجه نوعا جديدا من الإستعمار ، ولكنه لا تعرفها الشعوب، وقديما قرر كينز الفيلسوف الشهير في عالم المال والإقتصاد بأن المال العالمي سوف يذهب إلي أقلية عالمية ، وأن هذه اللعبة لن يفهمها أغلب الناس ، بل سيفهمها واحد علي المليون من البشر ، فهذه العبودية التي تقوم علي العقود الإكراهية تشبه إلي حد بعيد الإتفاقيات التي جرت بين الشعوب المستعمرة ( بكسر الميم ) والشعوب المستعمرة ( بفتح الميم ).

إن الدول الكبري حين تتهافت علي هذه المنطقة وغيرها لا تهمها مصالح الشعوب القاطنة في هذه المناطق ، فهي بالنسبة لها غبار بشري ، ولكن الذي يهمها من الدرجة الأولي مصالحها الحيوي ، ولهذا أجد من الخطورة بمكان وجود القواعد العسكرية في حيّز جغرافي ضيق كجيبوتي ، ومن أغرب ما سمعت من السياسيين في جيبوتي بأن الوجود العسكري للصين هام جدا ، ذلك لأنه أولا يحمي المصالح الحيوية للصين كدولة ، ولأننا نحتاج كذلك إلي هذه القوة الصاعدة ، فهذه الرؤية البدائية هي التي كانت تحكم العلاقات ما بين الدول الغازية والدول المستعمرة في لحظة الاستعمار السابق ، وكأنني أري من تصريحاتهم أن العقل السياسي في هذه الدول الموجودة في الخريطة في القرن الافريقي ، وعلي رأسها جيبوتي ، لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر .

إن الدول الكبري ليست مهتمة بصناعة الإستقرار السياسي في العالم ، بل هم لديهم أجندات ما بعد الإستقرار ، ولهم اليد الطولي في صناعة الفوضي ، واستدامته ، ولهذا يجب علي النخب الفكرية والسياسية في عالمنا أن يتغيروا فكريا ليفهموا اللعبة الدولية ، وهذه الدول بتهافتها في بلادنا لاتحمل مشروعا خيريا ، لأنها ليست منظمات أهلية ، وليست كذلك جمعيات مدنية ، وانما هي دول كبري ذات نفوذ عالمي ، يتحركون وفق منطق الإمبراطوريات ، والذين يعتقدون بأن مرحلة الإستعمار انتهت فهم واهمون ، فقد انتهت مرحلة من مراحل الإستعمار ( اللعبة المكشوفة ) ، ولكننا نحن في مرحلة جديدة من مراحل  الإستعمار ، والذهاب إلي الممرات المائية الواقعة في المناطق الهامة استراتيجيا جزء من اللعبة الجديدة ، ومن قرأ الأحداث وهي منفصلة عن أسبابها وحيثباتها فلن يفهم أبدا ما يجري اليوم في القرن الأفريقي .

حول التحولات السياسيـة في إثيوبيا:

  • سـ 7: نشرتم مؤخرا، عديد من المقالات التحليليـة حول التطورات السياسية في إثيوبيا، فكيف تقرءون المشهد السياسي الإثيوبي الآن؟

جـ7: إثيوبيا دولة كبيرة بكل المقاييس ، فهي كبيرة من حيث القوة العددية ، بها أكثر من تسعين مليون نسمة من البشر ، وكبيرة من حيث الإقتصاد ، فهي تحقق نموا يصل إلي ٧٪ ، وذلك في سنوات متتالية ، وهي كذلك كبيرة من حيث العلاقات الدولية ، فهي دولة استثنائية لها في المنطقة .

في إثيوبيا ثوابت سياسية منذ زمن بعيد وهي أن تبقي الدولة بيد الفئة المسيحية ، وان لا تخرج من القوميتين ذات الأغلبية المسيحية ، وهما ( الأمهرية والتجراي ) ، ولكن هل ما يجري اليوم ثورة علي هذه الثوابت؟ لا أظن ، وليس ذلك بمقدور أحد في اللحظة الراهنة  ولكن هناك متغير هام في السياسة في هذا الحراك وهو أن القومية ذات الأغلبية السكانية ( الأورومو ) والتي لم تكن في يوم من الأيام في الواجهة لأسباب سياسية واجتماعية بدأت تخطط للخروج من حالة التبعية ، وهي خطوة هامة في اللعبة السياسية في هذه الدولة العتيقة .

لقد أفرز الحراك السياسي في إثيوبيا معادلة جديدة ، وهي أن ثمة حقائق سياسية لم تكن معهودة في الخريطة السياسية في هذه الدولة المحورية ظهرت وهي :

  1. ظهور قوة سياسية جديدة تتمثل في الدولة العميقة ( القومية الأمهرية ) ، وهذه الحقيقة الجديدة  تبحث عن المجد التاريخي من جديد ، كما تبحث عن صيغة أخري في بناء الدولة الإثيوبية مرة ثانية بعد الفشل الحاصل من الدولة التي تكونت بعد سقوط النظام الاشتراكي الإثيوبي ( الدرجي ) .
  2. ظهور قوة سياسية قوية تتمثل في القومية الكبري ذات الأغلبية السكانية في الوطن ( القومية الأورومية ) ، وهي حقيقة جغرافية ، وحقيقة سكانية ، ولهذا فهي تمثل العمق الشعبي ، والعمق الجغرافي ، وهي تحاول أن تحد حقوق أكثر ، وترغب صناعة إثيوبيا جديدة .
  3. بداية حصول تشقق قي النظام الحاكم المكون من القوميات الرئيسية ، ذلك لأن العرف السياسي الناتج من الثورة التي أدت إلي إسقاط النظام الإثيوبي يقسم السكان إلي نوعين :
  • شعوب أساسية في النظام الجديد وهي القومية التجراي ، والقومية الأمهرية ، والقومية الأورومية، وشعوب جنوب إثيوبيا.
  • شعوب الهامش ، وهي التي تمثل المحور في القرار السياسي الأثيوبي وهي ما تبقي من الشعوب المذكورة كالشعب الصومالي ، والشعب العفري ، والشعب الهرري ، وغيره من الشعوب التي كانت ، وما زالت في الهامش .

يلاحظ الآن التصدع الهائل في النظام الحاكم من حيث القوميات ، وحصل التصدع ذاته في الشعوب التي تعيش في الهامش كذلك ، ولهذا فإن يوما سياسيا جديدا بدأ في الساحة الإثيوبية .

هناك سببان رئيسيان خلقا هذا الحراك السياسي ، وهو عند البعض الربيع الأثيوبي ، بينما هو في تشخيصي الخاص حراك دون الثورة ، ولكنه أكبر من الإنتفاضة ، ولهذا لأ أعتبر ما يجري ثورة شاملة شمول الوطن ، ولا أعتبره انتفاضة شعبية عابرة ، فهو في الوسط ، وله قوة الثورة عند بعض الشعوب ، كما له قوة الإنتفاضة عند بعض الشعوب ، وتلاحظ في بعض المدن غصبا مكنونا في الصدور ينتظر لحظة الإنفلات ، فما هو السببان الرئيسيان ؟

  1. استئثار القومية الحاكمة الفعلية في الوطن للثروة والسلطة بشكل أدي إلي خلق شعبين في الدولة ، وطبقتين في الوطن ، وهذا جعل التنمية التي تتحدث عنها هيئات كبري في النظام المالي ( وهما ) وليس حقيقة ، ولهذا تشبه إثيوبيا في هذا الجانب تونس ما قبل الثورة حيث كانت جميع الهيئات المالية كانت تقرر بأن تونس حققت ، وتحقق تنمية حقيقية ، ولكنها تبين فيما بعد أنها كانت تنمية أفراد علي حساب الشعب ، وثروة عائلات علي حساب وطن .
  2. تغييب عملية الديمقراطية بقوة السلطة ، وقهر الدولة ، فلا تجد في البلد كله من أقصاه إلي أقصاه صوتا مغايرا ، ومن أعجب ماهرو ملاحظ في هذه الدولة المحورية في المنطقة ، وفي القارة الأفريقية كلها  غياب المعارضة من جميع المجالس ، وهو أمر لا ينسجم مع الواقع ، ولا مع لغة العصر .

إن هذين السببين هما وراء الحراك السياسي الذي تحول إلي مشكلة سياسية محليا وأقليميا وعالميا ، فما يجري في هذه الدولة لن يقف عند عتبتها وحدودها ، بل يتعداها إلي ما وراء حدودها ، فهي دولة مؤثرة في القرار الإقليمي بشكل أساسي ، كما أن قوتها العددية يجعل استقرارها مهم جدا لاستقرار المنطقة كلها.

  • سـ 8: وفي ظل اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبيـة المتصاعدة، كيف ترى مستقبل التحولات السياسية؟ وما هي القوى المؤثرة؟ وماذا عن مواقف القوى الدوليـة الكبرى؟ وهل تتوقع أن تنجح الـلإصلاحات السياسيـة التي أعلنتها الحكومة مؤخراً، في تهدئة الشارع وإحتواء الـأزمة؟

جـ8: إن قراءة المستقبل السياسي للمنطقة ليس سهلا ، والسبب يعود إلي أمرين ، الأول هو غياب دراسات مستقبلية تصدر من معاهد محترمة ، ومن مراكز علمية ، أما الأمر الثاني يكمن في غياب الشفافية ، وخلق حالة من الضبابية ، وهذا ما تحاول الدولة صناعته في المرحلة الحالية حيث تقوم بحجب المعلومات من الناس بكل ما تستطيع ، فهذا يجعل البراءة صعبا من الناحية العلمية والعملية .

نحن نلاحظ في الواقع الأثيوبي قوتان متكافئتان تتصارعان في البقاء وهما :

  1. النظام الحاكم المتمثل بالقومية التجراي ، ولديها فرص هائلة في الحكم والبقاء وتتمثل القوة الصلبة من الجيش والأمن والإعلام الرسمي ، وتحاول في سعيها السياسي تحالف القوي الهامشية لمشاغلة القوي المركزية في الحراك السياسي ، كما تحالف كذلك استيعاب تحالف المعارض وتوظيفه لأجل تجاوز المرحلة الحالية ، فإن لم تنجح كل ذلك فهي تسعي وفقا لأجندة الصقور في النظام الحاكم إزالة المعارضة بقوة .
  2. المعارضة السياسية المتمثل في القوميتين المؤثرتين ( الأمهرا ، والأورومو )، ولديها فرص كبيرة في الحراك والوصول إلي الأهداف السياسية ، وتتمثل في المتغير السياسي من القوة العددية التي تتحول إلي قوة نوعية ، والإستفادة من الخبرة السياسية المتمثّلة في الدولة العميقة ، كما أن الفئة الفاعلة في الحراك السياسي تستغل القوة الصلبة الحديدة كالإعلام بصورته الحديدة (الشبكة الاجتماعية) ولهذا يحاول النظام الحاكم حجب المعلومات من النت دوما، وبشكل مستمر.

يحاول النظام أن يجعل المعارضة وفقا للخبراء أن تقبل خيارات الضرورة ، وبالتالي تبدأ مرحلة التقهقر إلي الوراء، فتعلن الإذعان والقبول لأمر الواقع ، ولهذا يستخدم النظام ما يسمي بسياسة (النفس الطويل) ، ذلك لأنه يحسب بأن غالب الأوراق بيده، ولكن المعارضة فيما يبدو من حراكها الواقعي تفهم هذه السياسة ، ولهذا فهي تتجنب بشكل أو بآخر ان تقع في الفخ السياسي ، فتحاول ان تستفز أكثر لأجل معالجة الوضع بشكل يجعل الحراك مستمرا ، ولا يفقد الحيوية .

إن هذه القراءة الهادئة تجعلنا نقرأ الخريطة السياسية بشكل أكثر شمولية وواقعية ، لأن القراءة المستعجلة لا تعطينا نتائج جيدة ، كما أن القراءة المثالية ( الأيديولوجية ) لا تمنحنا الحقائق الموجودة في التاريخ ، وبهذا فنحن لا نستبعد التدخل الخارجي المتمثل بالقوي الكبري الذي لا يقبل سقوط الدولة في أثيوبيا ، ولكنه كذلك ليس راضيا عن الوضع الحالي ، ومن هنا نري أن المستقبل سيكون في خيارين كبيرين :

  • حلحلة الوضع الحالي ، وتغييره إلي ما هو ممكن ، وأفضل ما يمكن تحقيقه في المرحلة القادمة ، إعلان نظام جديد تقبله جميع القوي الفاعلة ، وخاصة القوة الحاكمة ، والمعارضة ، وهذا الأمر صعب ، ولكنه ليس مستحيلا ، وقد يكون مقبولا مع نجاح ( ترامب ) في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة الأمريكية .
  • استمرار الحراك السياسي ، واشتداده ، وخاصة بعد نجاح ( ترامب ) ، ذلك لأن الولايات المتحدة لا تقبل وجود الصين كقوة فاعلة ومؤثرة في هذه الدولة التي تعتبر حليفا هاما  للغرب ، وعمقا استراتيجيا له في المنطقة ، ولهذا فإن جميع المعطيات تؤكد بأن الحراك سوف ينطلق بقوة بعد قليل.

ولن يكون الوضع كما كان من قبل ، فهذا ليس منسجما مع منطق التاريخ ، ولن يقبل رموز الحراك الوضع الحالي كما هو ، ولهذا ، فهم اليوم يقومون تسويق أنفسهم في المجتمع الدولي لأجل صناعة مناخ دولي يقبل التغيير في هذه الدولة الهامة.

عن التحرير

التحرير

اترك رد