اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / خطاب حركة الإصلاح في الصومال بين الديني والسياسي

خطاب حركة الإصلاح في الصومال بين الديني والسياسي

باختصار شديد فإن الخطاب الاخواني في الصومال لا يخرج عن ثوابت الخطاب الاخواني بشكل عام، والخطاب الاخواني نفسه مر على مراحل قبل أن يتبلور في صورته الأخيرة عند الجماعة في مصر ، وحتى إن الوثيقة الاولى التي أصدرتها الجماعة 1932/1351 خلت من أي توجه سياسي بل اكتفت في مقاصدها بالعمل الدعوي والتوعوي والتعليمي وفي وسائلها بإشاء ناد للتعارف الاسلامي،وإقامة الدروس الليلية وتنظيم المحاضرات..وهكذا.

وفي الأربعينيات جربت الحركة المشاركة السياسية، في لائحة سبتمبر 1945م أضافت الحركة في خطابها البعد الوطني القومي اضافة الى البعد الاسلامي المتقدم وتمثل الهدف العام للحركة (تحرير وادي النيل والبلاد العربية جميعا، والوطن الاسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي..) بعد حرب فلسطين ومشاركة الحركة الحركة فيها كتائب مسلحة، وبعد صعود الحركات التحريرية في اسيا وافريقيا.

وفي هذه اللائحة زادت في خطابها بند ( العالمية) و( الانسانية) وهو (المشاركة في بناء السلام العالمي والحضارة الانسانية ) قانون 1945. وهذا بعد انشاء الامم المتحدة 1945م ، وصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان1948م.

حتى ان من الملاحظ ان الابعاد الدعوية والتصحيحية للخطاب الاخواني كان لها حضور قوي في اللوائح الاولى للحركة مثل (نشر العلم الشرعي، ورد البدع واحياء السنن واماتة البدع) بينما انزاحت اليوم او تكاد لصالح خطاب سياسي جديد منذ التسعينيات أشبه بخطاب الاحزاب السياسية او الجمعيات الاهلية NGOsوليس خطاب جماعة كان هدفها نصرة الدين أساسا، كما غاب حضور البناء العلمي ولذلك نذر بروز علماء مجتهدين كبار في الحركة الا شخصيات قليلة ظهرت عرضا إن لم نقل خطأ كما قاله الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني في مقال له في موقعه، بعنوان” نقد الحركة الإسلامية” لأن صناعة الكادر الحركي الثائر المجاهد غلبت على الجانب العلمي.

في الستينيات والسبعينيات عاشت الحركة في اجواء المحنة وكادت شخصيتها تتلاشى، وكانت تغالب للحفاظ على وجودها ضد الهجمة الناصرية كما غالبت في وجه خطاب التكفير الذي برز في صفوفها بعد اعدام سيد قطب رحمه الله عام 1966م، وفي تلك المرحلة دافعت الحركة عن الحضارة الاسلامية في وجه الهجمة الشيوعية الاستئصالية، وخطابها يومذاك أبرز بقوة صلاحية الإسلام أساسا لحياة اجتماعية راقية، وقد رافق هذا الخطاب تركيز شديد على الحكم والخلافة والتشريع، واعتبار الحكام مغتصبين لحق الله، وهذا الخطاب أثر على معظم الحركات الجهادية فيما بعد المصرية وغير المصرية وحتى جماعة الاتحاد الإسلامي في الصومال التي كانت نصف-إخوانية تقريبا.

وآخر نسخة من الخطاب تبنته الجماعة بمصر هو الخطاب الذي ما زال سائدا والذي تبلور وشاع فيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتى على يد إسلاميين في أفغانستان، وهيمنة القطب الواحد ، وهو خطاب استهدى بتجارب المشاركة السياسية التي خاضها الإخوان مرة ثانية بعد عهود القمع  منذ منتصف الثمانينيات، وقد نأت الجماعة بنفسها عن العنف الذي تبنته (الجماعة الاسلامية) و(جماعة الجهاد) بمصر وهم انشقوا أصلا من الإخوان وكان جل رموزه من طلبة الحركة في الجامعات، وهذا الخطاب يجرم العنف والتطرف الاسلامي، ويميل الى الترديد بمصطلحات الديمقراطية والحوار ، والاعتدال ويقترب من الثقافة الغربية في طرح كثير من المسائل.

ونفس الخطاب هو الذي تبناه الاصلاح في الصومال ردا على عسكرة( الاتحاد) للدعوة والدخول في مواجهات، فالخطاب الاخواني الرافض لأي اشكال العنف في الصومال لم يكن أصيلا لأن حزب الإصلاح أيد أو على الأقل تعاطف مع الجبهات العسكرية التي حاربت سياد بري، بدليل أن الشيخ محمد أحمد غريري أشار إلى أن ” الإصلاح” شاركت في المعارضة وحضرت مؤتمرات التحضير لها التي كان تقيمها دول معادية للمحور الاشتراكي، ولكن لم يعجبها تمركز ها في إثيوبيا، فانفصلت عنها حفاظا لسمعتها، ولم تقف موقف الرفض والتنديد، وبهذا يبقى خطابها المفاجئ في بداية التسعينيات بنبذ العنف متلونا بلون المرحلة، أو داخلا في خانة ردود أفعال في لحظة مواتية، كما أنه تزامن مع بروز القطب الأمريكي المنتصر الذي رفع شعار محارب الارهاب ونبذ التطرف، وهذا وضع علامات استفهام كبيرة على خطاب الحركة في بعض الأحيان.

في هذه المرحلة أيضا ركزت الحركة أيضا على إظهار وسطيتها في نظرتها إلى التراث الصوفي والجماعات الصوفية والفكر الأشعري والفقه الشافعي باعتباره إرثا مميزا للشعب الصومالي، وهذا الخطاب لا شك أكسب الحركة تقاربا مع مكونات كبيرة من الشعب الصومالي ربما شعرت الإقصاء من جانب حركة الاتحاد الإسلامي.

 ومن نافلة القول الإشارة إلى أن خطاب الحركة ذي الصبغة السياسية -مع عوامل أخرى- قاد إلى حدوث انشقاقات داخل الإصلاح نفسها نتيجة للامتعاض الذي ساد لدى الشباب المتدين التواق إلى الأجواء الروحانية والعلمية ، وعبق المسجد، وحلق الذكر، حين شابه خطاب الحركة خطاب الجمعيات التطوعية التي تدافع عن حقوق المرأة ،وانظر الى ندوة الشيخين : إبراهيم دسوقي وأحمد القطبي1998م حول دية المرأة ودورها السياسي، وسن الزواج بها، وكيف جلبت الاستياء والسخط من كل اصناف المتدينين، وقد أبرز تقرير استقصائي للجنة شكلتها قيادة الحركة بقيادة الشيخ إبراهيم شريف رحمه الله؛ زارت معظم المناطق الإدراية للحركة، وعقدت ما يزيد 78 لقاء بهدف دراسة شكاوى المتذمرين ، وقد صدر التقرير في فبراير2012، أي قبل حدوث الانشطار الأخير داخل تيار ” الدم القديم”. وقد أكد التقرير وجود انحسار في جوانب التدين والدعوة للحركة وذكر من بين مسببات الأزمة ” الخلو من أماكن الدعوة المعروفة لدى الشعب وهو المسجد ” وتأمل عبارة ” لدى الشعب” فإنها تشير بمرارة إلى أن الحركة خسرت مكانتها الدينية لدى الشعب حين انحسر وجودها في المساجد ارتباطا وتدريسا وتعميرا وبناء.

 وبعد هذا التطواف القصير نستاءل ما الخطاب الذي ستبرزه الحركة في مرحلة ما بعد سقوط “ثورة يناير2011″ ، ومرحلة تلاشي الآمال العريضة بعد الربيع العربي، مرحلة الدماء في سورية ، مرحلة إعلان كثير من الأحزاب الإخوانية،تخليها عن الجانب الدعوي، وتحولها الى أحزاب سياسية بحتة ؟!.

وأخيرا فقد ظهر أن الخطاب الإخواني عموما شهد تطورا بتأثير الأحداث العالمية والعربية والمحلية منذ نشأة الحركة، وهذا ليس عيبا في حد ذاته، ولكن الذي يظهر هو أن التغيرات تم بلورتها بعقليات سياسية ووفق ضرورات المرحلة، وليس بتأصيلات شرعية، أو نتيجة للتعمق المعرفي مما يكرس الطابع الحزبي السياسي للحركة.

وفي نظري فقد آن الأوان للاستفادة من التاريخ ومن التجارب.. وإجراء مراجعات باستهداء سؤال هام، وهو : ماذا يقتضي كون الحركة إسلامية ، وبتعبير آخر إلى أي مدى ستركز الحركة على الإسلام فهما ودراسة وتطبيقا وتطويرا، وهذا لن يتحقق إلا بمراجعة علاقتها مع العلم الشرعي وبالمؤسسات الدينية التقليدية في المجتمع الصومالي وفي مقدمتها الدكسي والمسجد، والإجابة على هذا السؤال سوف تقود الحركة إلى تحديد هويتها هل هي “جماعة دينية لها ميول سياسية” أم أنها “حزب سياسي ذو ميول دينية”؛ لأن الجمع بينهما داخل مجتمع مسلم لا ينازع في تطبيق الشريعة أصلا يظل عائقا عن تحقيق تقدم ملموس في كلا الأمرين معا وبنفس الدرجة.

واذا كانت الحركة يغمرها شعور بالاستحياء عن ظهورها بمظهر جماعة دينية ملتزمة راغبة في زيادة الالتزام الديني لمجتمعها بحيث تكون اهتماماتها السياسية تبعية، وخادمة للجانب الديني فخير لها أن تحذو حذو حركة النهضة في تونس وتتفرغ للعمل السياسي.

شكرا لكم سيتلو هذا الجزء قسم آخر بعنوان: الخطاب السلفي في الصومال :حركة الاعتصام نموذجا بإذن الله الكريم

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن محمد عمر أحمد

محمد عمر أحمد
باحث وكاتب صومالي، يؤمن بوحدة الشعب الصومالي والأمة الإسلامية، درس في الصومال وجمهورية مصر العربية، عضو إتحاد الصحفيين العرب سابقا، ومحرر سابق لموقع الصومال اليوم، يعمل حاليا محاضرا بجامعة ولاية بونتلاندا بمدينة جاروي.

تعليق واحد

  1. طرح رائع بحاجة ماسة إلى مزيد من التوسع و التحليل والتوجيه.
    لا شك أن الحركة ابتعدت عن الأهداف الأساسية لجماعة الأم، و وجهت معظم جهودها نحو تحقيق الأهداف السياسية التى لا تخدم فى أوقات كثيرة مصلحة الأهداف الإسلامية.

اترك رد