اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / غياب الثقة بين النخب السياسية: الأسباب والمظاهر والعلاج         

غياب الثقة بين النخب السياسية: الأسباب والمظاهر والعلاج         

تلاشى ما تبقى من الثقة بين القيادات الصومالية في الآونة الأخيرة, حيث أصبح هذا الأمر واضحا جليا في الخلاف الأخير بين الحكومة وإدارة بو نت لاند, والذي استعصى على الحلّ داخليًّا إلاّ بتولّي المجتمع الدولي ذلك مؤخراً بعد أن فشلت الأطراف الصومالية في حلّه لأسباب أهمها غياب الثقة بين أطراف الخلاف.

يتساءل الكثير:  ما الذي أدي إلى افتقاد الثقة إلى حد أن يفضل الصومالي التدخّل الأجنبيّ ويطمئنّ إليه,  بدل التصالح والتنازل مع الطرف الصومالي الآخر؟

أسباب ومظاهر غياب الثقة بين الأطراف الصومالية:

تعود هذه الظاهرة الخطيرة لأسباب كثيرة أبرزها:

1-الموروث التاريخي (الاستئثار بالسلطة والثروة ) : أقصد بما ورثناه نحن الصوماليين من تاريخنا الحديث , بدءاً من عهد الاستقلال إلى الوقت الحاضر , لأن ما قبل تلك الفترة  كان الصوماليون يملكون قواسم مشتركة كانت تجمعهم, منها الوحدة, والاستقلال, سواء  الاستقلال السياسي والعسكري, إلا أن تلك القواسم المشتركة زالت أثناء هذه الحقبة التاريخية, التي يمكن تقسيمها إلى مرحلتين: مرحلة ما بعد الاستقلال إلى سقوط النظام العسكري ، أثناء هذه المرحلة, لاسيما أثناء الحكم العسكري كان الظلم والإقصاء للبعض الفئات سمة عامّة في هذا النظام العسكري, حيث استولى العسكر على كلّ شيء ولم يجد الشعب أيّ هامش للمشاركة في السلطة والثروة, مما أدى إلى افتقاد الثقة بين الأطراف الصومالية، حيث تراجع بعضهم عن كثير من الثوابت الوطنية المشتركة لدى الصوماليين (كمبدأ الوحدة) بسبب تظلمات ذات صلة بممارسات من النظام بحقهم, ولجأ بعض إلى العنف بعد أن يئس من الاهتمام بمطالبه, وقد عملت ردة فعل النظام عملها في الذهاب كلّ الشوط مع تبنّي فكرة الانفصال, بينما هناك فئة أخرى لم تذهب إلى هذا المنحى رغم أنهاكانت تعاني من نفس المعاناة, وبنفس القدر، لكنها اختارت خيار العنف مع الحفاظ على القواسم المشتركة, ونجحت أخيرا في الإطاحة بالنظام، بيد أنها لم تأت ببديل.

ومن هنا بدأت للصومال مرحلة تاريخية جديدة, هي مرحلة ما بعد سقوط النظام: ويطبعها الفوضى وقبضة قوة القبيلة، حيث ظلم القبائل الأقوى للقبائل الأضعف. وانتهاك حقوقهم ونهب ثرواتهم، وتعريضهم لألوان من الاستغلال والظلم والإهانة, أدت إلى التنافر بين أبناء الشعب، وضياع الثقة بعودة الصومال كعهده بشعبه المتآخي المتلاحم, إذ انقلبت الموازين والقيم, من التفكير في الحفاظ على ثوابت وطنية مشتركة في الوحدة والأخوة، إلى النفور عن الأخ المتوحّش والبحث عن مهرب منه، بصورة طاغية لا تجدي معها كلّ التطمينات بإعادة الأمور إلى نصابها وإمكان التعايش مرّة أخرى.  ومن هنا أتت فكرة الفيدرالية تجنبا من آثار الشراكة السابقة وتكرار سيناريو الاستئثار بالسلطة والثروة، ووضع الأخ الأضعف تحت الاستغلال والظلم. حيث يستقل في هذه الفيدرالية كلّ بقدر كبير من سلطته وثروته، لا يشركه فيهما طرف آخر إلاّ ضمن ضوابط ومعايير محددة.

2-الرهان على الخارج: أصبح الرهان على الخارج مغروسا في أذهان قطاع واسع من الصوماليين على مستوى الأفراد, والقبيلة, والولايات, وعلى مستوى الدولة, حيث ضاعت الثقة النفسية, والثقة بالآخر فيما بين الصوماليين, فكانت الحاجة إلى وساطة الأجنبي والقبول والترحيب بها نتجة طبيعية لا نعدام الثقة بين الإخوة. وبدون هذا التدخّل الأجنبيّ لا يمكن حلحلة ملفّ واحد، حتى أصبح الخارج يتدخل في كل صغيرة وكبيرة متعلقة بالصومال, الأمر الذي أدي إلى سباق الصوماليين نحو كسب ودّ الأطراف الخارجية, والتملق بهم لنيل تزكيتهم, بحيث بات الاستقواء بالخارج لدى الأطراف الصومالية ضرورة للتغلب على الخصم الصومالي. هذا على مستوى الأفراد. أمّا على مستوى القبائل فتحرص كل قبيلة على التغلب على القبيلة الأخرى المجاورة لها, وتحقيق مكاسب أكبر مقارنة بالقبيلة الأخرى, وتستعين لذلك أي جهة كائنا من كان. وعلى مستوى الإدارات الفيدرالية حدث ولا حرج, تراهم يهرولون, ويتناوبون في زيارة الدول المجا وره المؤثرة في السياسة الصومالية, لتسويق بضاعتهم التي هي إبراز ثقل ومقام إدارة إقليمهم من بين إدارات الأقاليم, وتقديمها على أنها الأجدر بتقدير علاقات الجوار و الأمثل  لتنفيذ مصالحهم, كل ذلك على حساب الثوابت الوطنية والقيم الصومالية من كرامة وعزة واستقلالية  .    

2-الصراع على السلطة والثروة : هذا الصراع المجنون وروح المدافعة الشرسة, بين الصوماليين عموما بحيث لم يسلم منه إلا القليل, والسياسيين خصوصا, أعمى السياسة الصومالية وساستها البصر والبصيرة, بحيث لا يثق السياسي الصومالي بأقرب أقربائه بخصوص هذا الأمر, إذ أصبحت الرؤية السائدة في الشارع الصومالي أن السلطة هي الطريق الأسهل للحصول على المال والجاه, وبالتالي لا بأس أن يسلك السياسي الصومالي كل مسلك يؤديه إلى ذلك, بغض النظر عن شرعية هذه الوسيلة وعدم شرعيتها,ولو كلفه أن ينخلع عن المبادئ الوطنية, والدينية إذا اقتضت  الضرورة, من أجل الحصول على السلطة, والحفاظ عليها, انطلاقا بقصد أو بغير قصد من المبدأ الما كيافيلي القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة. وحتى المحافظ في وسط كهذا لم يقدر على المحافظة ، إذ تحمله الغيرة, ودافع التغلب على الرجال, لينجر إلى هذا المستنقع, فأصبح هوس التغلب على الرجال والقبائل والولايات ومجرد الحصول على السلطة والحفاظ عليها, هو المهيمن والمسيطر على عقول أغلب السياسيين الصوماليين في تحييد تام لكل المثل والقيم والثوابت التي تشكل الهوية الصومالية والتعامل معها على أنها ضرب من الخرافات. في مقابل مكون السلطة والثروة الذي يمثل الحقيقة المطلقة لديهم.

-الصراع على الثروة : صراع ابتلي به الصوماليون مع أنها لو استفيد منها لكفت الحاضرين والأجيال المائة القادمة, بيد أنها لا تزال غير مستغلة ولو بعشر معشارها, في باطن الأرض وفي قيعان البحار , فبدل بذل الجهود لاستخراج هذه الثروات, يجري الانشعال بالصراع على المنح التي تصرفها الدول والمنظمات على الصومال. 

من المظاهر  العجيبة حول الصراع على الثروة بين الصوماليين هناك الآن خلاف قائم حول مكان انعقاد مؤتمر تشكيل إدارة إقليمية جديدة, أساس هذا الخلاف هو الصراع على الأموال التي تصرف على هذا المؤتمر , حيث يرغب كل طرف بأن تكون مدينته هي المستفيدة من هذه الأموال, ولا تغيب من أية اتفاقية بين إدارات الأقاليم والحكومة الفيدرالية الحالية تأكيد على ضرورة التوزيع العادل. بل بعض الإدارات تطلب بشكل علني حصولها على قسط أكثر. كل ذلك مؤشرات على ضراوة الصراع على الثروة بين الصوماليين, وسبب من أسباب غياب الثقة بين أطرافها على مستوي الأفراد, والقبائل والولايات .

العلاج :

       مما يطرح في معرض تجاوز أزمة الثقة هذه تبني مبدأ الفيدرالية, سداً للذرائع التي تؤدي إلى الاستئثار بالسلطة والثروة أو تركيزها في يد فرد أو فئة محدودة، لكن لا تزال المخاوف منها بشكل أو بآخر  حاضرة في نفوس الصوماليين،  فأبواب الصراع على السلطة والثروة مفتوحة على مصراعيها, بسبب غياب معالم واضحة للتوزيع العادل السلطة والثروة بين الأطراف الصومالية, وهذا الصراع المرير أنتج حالة من عدم الثقة بين الصوماليين, وأدي إلى تقاليد الرهان على الخارج , وتسليمه مقود السفينة الصومالية يسمح بركوبها لمن أراد ويمنع من أراد.

لتجاوز  هذا الوضع المزرى لا بد من مصالحة صومالية شاملة, تحل الملفات العالقة بين الصوماليين في الماضي والحاضر  للتوصل إلى الحل العادل للمظالم بين الأطراف الصومالية, ولابد أن تحل الخلافات السياسية المتمثلة بمسألتي السلطة و الثروة, حيث هما الهم الأكبر الذي يقلق الصوماليين جميعا, فلا بد من الوصول إلى مبادئ صريحة تحل هاتين المشكلتين, ولا مانع من اللجوء إلى صيغ حلول ذات طابع محلي. وليس من الضروري مواءمتها المبادئ والنظم الإدارية المعروفة دوليًّا. كأن تكون السلطة تناوبية بين الولايات أو القبائل, وكذلك الثروة لابد من توزيعها توزيعا عادلا فيما بين الولايات الفيدرالية بل وحتى علي مستوى القبائل,فالمهم إيجاد مبادئ صريحة تحسم الخلافات المتكررة حول هاتين المسألتين, وصنع آليات دستورية محكمة ومتفق عليها لحل النزاعات.

إذا تم ذلك كله بإجماع وطني سيؤدي حتماً إلى تقليل آثار فقدان الثقة بين الأطراف الصومالية وارتها ناتهم للخارج في كل شيء. حيث يكون القائد الصومالي عندها في غنى عن النزاعات التي كانت تجبره على التملق للخارج, والاستقواء به .

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبد الله حسين نور عبد

عبد الله حسين نور عبد
باحث في المركز

اترك رد