اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي الشريف محمود عبد الرحمن (7)

عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي الشريف محمود عبد الرحمن (7)

أهمية الإسلام وتوحيد أهله:

كان الشريف محمود عبد الرحمن يحسّ – كغير من العلماء – بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق العلماء تجاه نشر الإسلام وتعاليمه بين المجتمع الذي يرزح تحت وطأة الاستعمار ويخضع للتشكيل في مدارسه المتنوعة. وكان يبذل جهوداً جبارةً في سبيل نشرالدعوة الإسلامية، وقد أشرنا فيما مضى إلى أنه كان يلقى المحاضرات والخطب الحماسية في المساجد والأندية  في العاصمة وغيرها، ولم تكن جهوده هذه تقتصر فقط على المدن وإنما كانت تمتد إلى الأرياف والقرى والبوادي أيضاً، بحيث كان رحمه الله جوّالاً يلقي المحاضرات، ويشارك الأمّة همومها، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الديني.

وإلى جانب ذلك كان فضيلته يحلم بتوحيد الأمّة ليس على مستوى الصومال فحسب، وإنما على مستوى منطقة القرن الإفريقي برمتها؛ وفي هذا السياق أسسس منظمة أفريقيا وجعل مقرّها في العاصمة مقديشو عام 1920م، بهدف توحيد صف المسلمين في المنطقة بما في ذلك إريتريا وجيبوتي ومسلمو إيثوبيا من الأورومو والعفر وغيرهم، باعتبار أن قوّة هذه الشعوب وقدرتها على مواجهة التحدّيات والمؤامرات تكمن في وحدتها، وبدونها يحلّ الضعف والمهانة على القوى الاستعمارية.

تصدي علماء الصومال للتنصير:

لم يكن هيّناً نشر الدين الإسلامي وعلومه في البلاد عن طريق السلم والطوعية حتى بات المجتمع الصومالي مسلما بنسبة  100% ، بل بعد فضل الله سبحانه وتعالى كانت هناك جهودٌ دعويّة وجهاديّة ضدّ حملات التنصير. فقد سخّر العلماء كل طاقاتهم في ميدان الدعوة حتى جعلت العقيدة الإسلامية تنتشر رويداً رويداً لتسود المنطقة، ويصبح أهل الصومال مسلمين على مذهب أهل السنة والجماعة.

وهذا الوضع لم يعجب المستعمر الّذي حاول تغييره ومواجهته بأن أطلق العنان للحملات التبشيرية تباشر نشر المسيحية في المجتمع المسلم، مما حدا بالعلماء إلى مضاعفة جهودهم الدعوية وتنظيم حملات التوعية بمخاطر التنصير، حتى انتهى الأمر إلى مواجهات بين المبشرين والمجتمع بقيادة علمائه كان ثمنها باهظا على الجانبين.

يقول سعادة السفير محمد الشريف محمود في ذلك : ” بعد عودة إيطاليا إلى الصومال فى أوائل الخمسينات، بدأ التبشير التنصيرى البروتستانتى ينتشر بجرأة وإقدام، واستهتار بالخطوط الحمراء للأمّة ، فما كان منه إلا أن شن حملة توعية وإنذار من الأخطار الكامنة وراءه من تهديد لمقدسات الأمة وقيمها. ونظّم مقاومة قوية. وقد وقعت مواجهات مع المبشرين تسببت فى سقوط ضحايا وحوادث قتل.

وهذا الأمر أشار إليه كثير من الباحثين والكتاب. وعلى رأسهم الكاتب المصرى أحمد بهاء الدين الذي سرد تفاصيل هذا الموضوع والدور الذى لعبه الشريف محمود فى محاربة التبشير فى الصومال فى كتابه ” مؤامرة فى أفريقيا”الذى يتناول قصة اغتيال السفير المصرى صلاح الدين كمال عضو المجلس الاستشارى للأمم المتحدة المشرف على الإدارة الوصية”.

الشريف محمود والحكم العسكر:

عندما حدث الانقلاب العسكري الذي قام به العسكر بتدبير مجموعة من  الضباط بقيادة رئيس أركان القوات المسلحة آنذاك اللواء محمد سياد برى، في منتصف الليل 21 شهر أكتوبر عام 1969م، أدرك أنّ البلاد قد دخلت في مرحلة صعبة لم يكن يتصورها، فقد بات على يقين من أنّ آماله في أن يرى حكومة إسلامية في منطقة القرن الإفريقي تحكم بالشريعة قد تهاوت. إذ أن العسكر ارتموا في أحضان الاتحاد السوفيتي وتبنوا الأفكار الماركسية والاشتراكية كمنهج للحياة السياسة للصومال.

وبعد فترة وجيزة رأي طغيان العسكر وجبروتهم عندما أساؤوا إلى الشريعة الإسلامية وتدخلوا فيما لاعلم لهم به من أمور الدين وأوضاع الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية.

ومع ذلك مارست السلطة العسكرية التى سيطرت على مقاليد الحكم التودد إليه ومحاولة استمالته وعرضت عليه ترشيحه قاضيا فى المحكمة العليا، إلا أنه رفض ذلك شعورا منه بأنه محاولة لرشوه وإبعاده عن ممارسة نشاطه التنويرى والسياسي. ولم تكن شخصية كالشريف محمود لتقبل تلك التصرفات المشينة التي سوّغت إعدام العلماء والدعاة بسبب استنكارهم تحريف القرآن الكريم والإساءة إلى كلام الله سبحانه وتعالى بدعوى حقوق المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في مسألة الميراث. وذلك في بداية سبعينات القرن المنصرم. حيث كان العسكر قد نقلوا بعض الأفكار الماركسية والشيوعية التي لم تكن قابلة للتطبيق في مجتمع إسلامي محافظ تجري العقيدة الإسلامية في عروقه مثل المجتمع الصومالي، وأدت محاولتهم تطبيقها إلى التصادم مع العلماء الذين وقفوا ضدّ تحريف القرآن الكريم وتطبيق الأفكار الإلحادية في المجتمع المسلم. حيث حكمت محاكم النظام بالإعدام على عشرة منهم.

ومنذ ذلك اليوم وبعد إعدام العلماء فقد العسكر الأنصار والتأييد، وأعيتهم المحاولات لكسب قلوب المجتمع.

وعندما تأكدت حكومة العسكر من موقف الشريف محمود المعارض لها والمنسجم مع مواقف أمثاله  من أهل الشرف والمروءة، وعدم رضاه بالعمل معها تعاملت معه بالقسوة، وبدأت فى ممارسة العنف ضد الخصوم، وقامت بمحاصرته وتهديده ومطاردته وإطلاق المخبرين لتعقب تحركاته، الأمر الذى دفعه إلى التوقف عن إلقاء الخطاب الأسبوعى التوجيهى الذى كان يلقيه فى المسجد الجامع “مرواز” بمقدشو.

ولما اشتدت عليه المراقبة والمضايقة والتهديد بالاعتقال، آثر العزلة والإقامة الطوعية فى منزله، ومع تقدم العمر وتوالي المشاكل الصحيّة عليه، لم يكن فى استطاعته متابعة التطورات والأحداث الدامية التى عصفت بالبلاد، ولاسيما ثورة الجماهير ضد قانون الأحوال الشخصية الذى اعتبر منافيا للنصوص الصريحة للقرآن الكريم

عفّته:

كان رحمه الله من المسياسيين القلائل المشهود لهم بالعفة وعظمة النفس، والتعالي عن سفاسف المناصب والجاه والمال والشهرة، وينظر بعين الاحتقار إلى زملائه المتهالكين عليها.

فقد ذكر سعادة السفير محمد الشريف محمود أن والده بعد إعلان الاستقلال، تأفف من التهالك على الجاه والمزايا الاقتصادية والتنافس على الوظائف العليا السياسية والتمثيلية الدبلوماسية، مكتفيا بالتفرغ لتحقيق المثل العليا التى كان يؤمن بها دون أن يضطر إلى مسايرة الالتزامات الرسمية والأهواء السياسية، ووقف جهده لتدعيم مكانة الثقافة العربية الإسلامية فى مواجهة الغزو الثقافى الغربي، ولا سيما سيادة اللغات الأوروبية كلغات رسمية وإدارية. وكانت لديه عزة نفس وغنى عن غير الله سبحانه وتعالى، وحتى عندما كان يلتقى الملوك والرؤساء في العالم الإسلامي لم يكن يبدي لهم أغراضاً شخصية ما عدا طرح قضيته ونضاله السياسي لتحرير البلاد من المستعمر، وتأصيل روح الإسلام وثقافته السمحة في ربوع بلاده ومنطقة القرن الإفريقي ككل.

أما في فترة الحكم العسكر فلم يكن مقرباً فيها رغم أنّها أبدت في البداية ميلاً إلى مناصرة المظلومين ومساعدة الكادحين، لأنّه اصطدم معها منذ الوهلة الأولى عندما وجد في حكومة العسكر رائحة الثورية والميل إلى الحلف الشيوعي وأفكار الماركسية. وقد رفض إسناد قضاء المحكمة العليا إليه تعففاً من الرشوة، ونأياً بنفسه عن رفقة هذه المجموعة المخطئة.

ومما يدلّ على عفّته أيضاً أنّه عندما انفجرت ثورة العسكر في البلاد ورأى أنها تسير على درب مغاير لم يلجأ الشريف محمود أو يهرب إلى العالم العربي حيث يجد حياة الراحة والرفاهية ولاسيما تلك الدول والمنظمات التي كانت ضد الإشتراكية والمدّ السيوفيتي في المنطقة ، بل جلس في بيته عفيفاً يكظم غيطه ولو سعى في ذلك لهرولت الدنيا إليه مسرعة، ولكنه آثر العفة والكفاف، زاهداً عن الدنيا وملذّاتها.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن د/ محمد حسين معلم علي

د/ محمد حسين معلم علي
من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

اترك رد