أخبارمقالات

من هو الرئيس سيلانيو ؟

ولد أحمد محمد محمود الشهير  بلقبه “سيلانيو” سنة 1936 للميلاد في إحدى نواحي محافظة “توغطير”، وسط المحمية البريطانية “الصومال البريطاني” ويرِدُ في روايات أنّه وُلِد سنة 1938 للميلاد، وبذلك يتراوح عمره ما بين 80 وثمانية وسبعين سنة، عمرت ومنذ الستينيات من القرن الماضي بتولي مناصب ومسؤوليات متعددة، كان آخرها توليه منصب الرئيس لجمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية عن حزب”التضامن/Kulmiye” سنة 2010م خلفًا للرئيس طاهر ريالي كاهن.

تعليمه وتدرّجه في المناصب والمسؤوليات في مقديشو:

تلقى أحمد محمد محمود سيلانيو تعليمه المدرسي في معاهد “شيخ” و”عمود” بدءًا من سنة 1946م حتى 1960م، وتابع تعليمه حتى تلقيه منحة للدراسة في المملكة المتحدة، حاصلًا على درجة الماجستير في الإقتصاد من جامعة مانشستر وذلك سنة 1965م، ومن هناك عاد إلى مقديشو ليتولى منصب مدير قسم التخطيط في وزارة التخطيط، وبعد حدوث الانقلاب العسكري سنة 1969م  قيادة الجنرال محمد سياد بري، تولى “سيلانيو” مناصب قيادية عليا في الحكومة، إثر تسميته وزيرًا للتخطيط وهو الذي “صَوْمَل” لفظة تخطيط مستحدثًا مصطلح Qorshayn، ومنحه للوزارة التي تولّاها بموافقة مجلس الوزراء، كما تولى مناصب عليا في الحزب الحاكم منها قيادة لجنة التجارة في الحزب، ثم تولّى منصب وزير التجارة حتى تركه للنظام الحاكم سنة 1982م.

الانشقاق عن النظام وقيادة الحركة الوطنية الصومالية:

لاحظ أحمد محمد محمود “سيلانيو” من خلال إطّلاعه على بواطن الأمور في النظام العسكري الحاكم، أن مآل النظام إلى الإنهيار، وأن مستقبله دخل في نفق مظلم، من حيث بلوغ البلاد واحدة من أحط مراحلها الاقتصادية، نتيجة للمحاباة والفساد الذين استشريا فيها، وحتى مع ازدياد الاعتماد على المساعدات الخارجية والقروض، فإن الدرجة التي وصلت إليها الدوائر النافذة في الدولة من الانحلال، حالت دون الاستفادة من الفرص القليلة التي كانت متوفرة.

وعلى ذلك سافر  “سيلانيو” إلى بريطانيا صيف سنة 1984م، وانضمّ إلى وفود “الحركة الوطنية الصومالية” المجتمعة لدورتها الرابعة في مدينة “جيغجيغا” بالإقليم الصومالي في إثيوبيا، ودون جهد يُذكر تم تعيينه رئيسًا للمكتب السياسي، متمكنًا من تولي تلك المسؤوليات لمدد استثنائية، فقد كان النظام الداخلي للحركة يقضي بتغيير أو التجديد للمكتب السياسي بصورة سنوية، وفي حين كان أطول المتسلمين لتلك المسؤلية توليًا الشيخ يوسف علي شيخ مطر  وكانت في دورتين الأولى سنة والثاتية ثمانية أشهر أخرى، فإن دهاء “سيلانيو” والظروف المواتية أدّت إلى التمديد له تلقائيًا لسنتين، ثم حصوله على نصف سنة إضافية لتأجيل إجتماع الجمعية العمومية للحركة الوطنية الصومالية، وفي الدورة الخامسة لاجتماع الجمعية العمومية للحركة، في مارس سنة 1987م تم إعادة إنتخابه لفترة إضافية ممدة للمرة الثانية لتصبح لثلاث سنوات عوضًا عن السنتين.

المنجزات والمآخذ أثناء قيادة الحركة والتنحية عن القيادة:

نجح أحمد محمد محمود سيلانيو في الانتقال بالحركة الوطنية الصومالية من الحالة الثورية المضطربة ـ عدم الاتفاق على القيادة ـ إلى حالة من الاستقرار، عبر جهوده لترسيخ وجوده فيها، متفوقًا على المؤسسين والقادة السابقين وإخضاعه للقيادة العسكرية للحركة، إلّا أنّه ومن خلال مساعيه في إحكام السيطرة تلك، استثمر الحالة العشائرية في للحركة القائمة في مكونها البشري على قبيلة “بني إسحاق”، وهو ما أدّى إلى استقطابات أضعفت العمل العسكري وأدّت إلى اكتفاء الجناح العسكري بعمليات نوعية ضد عسكر نظام محمد سياد بري في أراضي القبيلة في بداية الأمر، وقد انتقلت حالة الاستقطاب والصراع على المراكز القيادية في الحركة، إلى التنافس المحموم بين العشائر للتفاضل في دعم الحركة بالمال والرجال، بعد الضرب مرة أخرى على الوتر العشائري على يد “سيلانيو” ما بين عشائر القبيلة، وتقسيم فرق الحركة القبلية تبعًا للعشائر لا ضرورات القيادة والعمل العسكري، مُدخلًا العصبية العشائرية كمعزز للاصطفاف الأساسي لأبناء القبيلة الواحدة أمام الاستهداف العلني والمباشر لها من قبل نظام المخلوع.

وخلال السنوات الستة التي تولّى فيها قيادة الحركة الوطنية الصومالية، والتي انتهت بتنحيته عبر تسوية جعلته عضوًا في اللجنة الدائمة لقيادة الحركة، ليخلفه عبدالرحمن أحمد علي “تور”، بدى جليًا عدم ميل أحمد محمد محمود سيلانيو للتوجّه الانفصالي، وقد يُذكر من ذلك اللقاء الذي أعلن من خلاله أثناء قيادته للحركة عبر  الـ”بي بي سي” سنة 1989م، وإجابته على السؤال “إن كانت الحركة الوطنية الصومالية” تسعى للانفصال بالمحمية البريطانية السابقة” ونفيه التام لذلك معلنًا أن:”الحركة متوافقة مع اسمها في كونها حركة وطنية صومالية تناضل لأجل جميع الصوماليين، وأنّ جهودها لن تتوقف حتى الوصول إلى العاصمة مقديشو”، كما أنّ الرئيس الأسبق لصوماليلاند “محمد حاجي إبراهيم عقال” وفي خطاب التصويت على قبول استقالته أمام البرلمان بـ”هرجيسا” وبحضور “سيلانيو”، متحدثًا عن عتاب أحد قادة الحركة الوطنية له على قبوله إعلان انفصال صوماليلاند و”فضّ” الوحدة قائلًا عقال: قال لي أحد الرجال، “من الذي أجبرك على الموافقة والقبول بالانفصال، إنني لم أرَ أحدًا يوجّه سلاحه إلى رأسك!”، ثم كشف “عقال” عن الرجل قائلًا هو حاضر بينكم؛ بل هو “سيلانيو” من قال لي ذلك.

ما بعد 1991/05/17م

أعلنت القيادات المجتمعة في مدينة “برعو” استعادة المحمية البريطانية السابقة “بريتيش صوماليلاند استقلالها، في السابع عشر من مايو سنة 1991م، ولم يتم بثّ الخبر عبر الـ”بي بي سي” سوى في اليوم التالي، الذي يعتبره “العامّة” اليوم الفعلي لإعلان فضّ الوحدة بين شطري الصومال، وتولّى رئاسة الجمهورية المعلنة من طرف واحد القائد الأخير للمكتب السياسي للحركة الوطنية الصومالية “عبدالرحمن أحمد علي – تور”، وكنتيجة للنظام العشائري الذي وزّعت عليه قوات الحركة في عهد “سيلانيو”، واجهت البلاد مرحلة عسيرة، أدّت إلى إشكالات كبرى:

–          رغبة قادة الفرق العسكرية في تحقيق مكاسب سياسية ميدانية مستفيدين من القوة العسكرية المستقلة التي يقودونها.

–          محاولة إحداث تغييرات ديمغرافية بناءًا على أطماع عشائرية.

–          تعقيد أعمال تسليم السلاح.

–          إحراق أوراق الحركة الوطنية الصومالية، عبر استخدام القادة السياسيين والعسكريين العشائريين لمقولات واهية، وحدوث صراعات عشائرية مبنية على العصبيات والأطماع العشائرية تحت شعارات “قدسية الوحدة” و”قدسية وجود صوماليلاند”.

فدخلت “صوماليلاند” الوليدة مرحلة حروب عشائرية انتهى جزؤها الأول بعزل “عبدالرحمن أحمد علي-تور” وتولي “محمد حاجي إبراهيم عقال”، واستمرت حتى توقف المناوشات والاشتباكات في مدينة “برعو” قُبَيْلَ وفاته بقليل.

المناصب التي تولّاها “سيلانيو” وتأسيس الحزب:

تمكّن “محمد حاجي إبراهيم عقال” من تدمير مراكز القوى العسكرية في الحركة الوطنية الصومالية، عبر تعيين القيادات العسكرية في مناصب وزارية، واسترضاء شيوخ القبائل بالموارد المالية الضئيلة للكيان الوليد، وعبر استغلال كل فرصة في مخاطبة الشعب بخطابات بدت لعامّتهم شديدة الوضوح والصراحة، وتحقق له بذلك “عزل” القيادات العليا والوسطى للحركة الوطنية الصومالية، ثم تحجيمهم ثم شيطنتهم وانتقادهم علنًا على جشعهم وإدمانهم للقات وعبثهم بالأمن.

خلال تلك الفترة آثر “أحمد محمد محمود – سيلانيو” الانعزال عن الوضع السياسي المضطرب، مستفيدًا من عدم كونه رجلًا عسكريًا، فهو رجل من التكنوقراط ذو خبرة سياسية، يحظى باحترام القادة العسكريين للحركة الوطنية الصومالية، إلّا أن الزخم السياسي للمخضرم “محمد حاجي إبراهيم عقال” جعل من المنطقي التعاون معه بهدف الاقتراب من مركز صنع القرار، ومتابعة المستجدات أولًا بأول، ليتسنى له الإحاطة بالوضع السياسي والأمني بصورة مباشرة، تمكّنه من القيام بحركته القادمة على أرضية صلبة، دون جهد كبير أو خسائر فادحة.

وقد حصل “أحمد محمد محمود – سيلانيو” على كرسي في مجلس النوّاب في السنوات “1993-1997″، وبذل الكثير من الجهود في مساعي التسويات بين الأطراف المتصارعة من العشائر الإسحاقية المؤيدة للحركة الوطنية الصومالية، كما شغل منصب وزير التجارة سنة 1997م، ثم منصب وزير المالية والتخطيط، وقام بجهود كبيرة في إرساء النظام المؤسسي لتلك الوزارات بصورة لم يماثله فيها سوى “م.محمد علمي حاشي” خليفته فيها سنة 2010م  بعد توليه ـ أي سيلانيو ـ رئاسة جهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد.

في سنة 2002م أعلن “أحمد محمد محمود-سيلانيو” عن تأسيس حزب “الوحدة والتضامن/Kulmiye”، استعدادًا للمرحلة التالية للرئيس “محمد حاجي ابرهيم عقال” والذي بدأت صحّته بالتدهور، ولم لبث طويلًا حتى توفّي سنة 2003م، ليتولى نائبه “طاهر ريالي كاهن” منصب الرئاسة، ويدخل حزبا “UDUB” و “KULMIYE” مرحلة من المنافسة السياسية، أدت لانهيار الحزب الحاكم بعد خسارته للانتخابات الرئاسية لصالح حزب “KULMIYE” وتولي “أحمد محمد محمود – سيلانيو” منصب الرئاسة سنة 2010م.

أثر أسلوبه في العمل السياسي:

على الرغم مما هو معروف عن “أحمد محمد محمود – سيلانيو” من الحزم ووضوح الرؤية، وعدم تحمّله للإشاعات والكذب، فإنّه أظهر وخلال سنين عمله الطويلة قدرًا كبيرًا من المثابرة والنشاط والثقة الكبيرة بالنفس، وهو ما جعله رقمًا دائمًا في العملية السياسية في “صوماليلاند”، وعلى الرغم من عدم كونه واحدًا من مؤسسي الحركة الوطنية الصومالية، وعدم دخوله في العمل العسكري الميداني، فإنه أثبت ودون شكّ أنّه واحدٌ من أهم القيادات التي مرّت على الحركة بعد “عبدالرحمن أحمد علي –تور”، ناهيك عن قدرته الكبيرة على صياغة موقف خاص به من الأحداث والمستجدات، وسط حالة ميدانية وعشائرية وسياسية شديدة الاضطراب، ومن خلال مساعيه في جلب الأطراف المتنازعة نحو طاولة التفاوضات والالتزام بالتسويات، ضمن لنفسه مركزًا مرموقًا بين أصحاب النفوذ في “صوماليلاند”، وغدى محطّ آمال قادة الحركة الذين نجح “محمد حاجي إبراهيم عقال” في تحييدهم وتبديد نفوذهم بالغًا الأمر  وضع عضهم تحت الإقامة الجبرية.

إلّا أنّ مساعيه للتعامل مع الطبيعة “القبلية” للشعب في المنطقة، فقد تمكّن من الاستفادة من تلك الحالة المائلة لغير الاستقرار، نحو تثبيت وجوده من جديد، بعد الاستقرار الذي حققه “عقال” واستمر عليه “ريالي” في الفترة الأولى من حكمه، إلّا أن ذلك الأسلوب طبع الوضع السياسي في البلاد، مما زاد من حدة الشعور بالاحتقان العشائري في مناطق تجاوزتها سابقًا، عبر السلوك تجاه الملكيات العامة من تمليكها لأشخاص مقرّبين وبيعها لمستثمرين بصورة مخالفة للقانون، مؤديًا ذلك إلى تراجع شعبيته وتزايد الحديث عن الفساد المالي المحيط به، مما يدلُّ إلى حدّ كبير على فقده السيطرة على وتصاعد الحديث عن وقوعه أسيرًا لأعراض الهرم والضعف الذهني.
محمود محمد حسن عبدي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات