اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / التحولات الجيوسياسية الراهنة ومستقل النفوذ الإيراني في القرن الإفريقي ( الجزء الأول)

التحولات الجيوسياسية الراهنة ومستقل النفوذ الإيراني في القرن الإفريقي ( الجزء الأول)

  • مـدخل تاريخي:

يعرف سياسياً لـمنطقة القرن الإفريقي بأنها عبارة عن فضاء يتمدد ويتكمش وفقاً لـلمصالح الجيواسترتيجية والأهداف الماثلة على خلفية الحراك من تحالفات ونزاعات في المنطقة[1].

وبحسب الإستراتيجية الجديدة التي وضعتها الولايات المتحدة لـإدارة حربها ضد الإرهاب الدولي وتقديم المساعدات الإنسانية والتنمويه، تصم منطقة (القرن الإفريقي الكبير) لـكل دول القرن الجغرافي إضافة إلى كينيا والسودان وتنزانيا ويوغندا ورواندا وغيرها[2].

وتمتاز منطقة القرن الإفريقي بخصائص الموقع الإستراتيجي الحيوي في العالم الذي ظل منذ فجر التاريخ مركز مهم لـإختناق وتحكم في إنسياب حركة التجارة بين الشرق والغرب.

وقد شاءت حقائق الجيواستراتيجية والتاريخية أن تكون المنطقة واحدة من أهم نقاط إلتماس بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي وأن تكون لـعقود عدة معتركا للتنافس بين المعسكرين المذكون نتيجة لـأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية.[3]

وكانت دول المنطقة تدرك جيداً كـ(بقية العالم) مدى صحة المثل الكيني الشهير الذي يقول ” عندما تتصارع الأفيال تتأذى الحشائش” وانضموا إلى حركة عدم الإنحياز التي تولدت عن مؤتمر باندونق لـلتضامن الأسيوي الإفريقي في عام 1954م.

بيد أن انهيار سور برلين وتفكك الإتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الشيوعية الدائرة في فلكه أدى لـإنهيار النظام الدولي القائم على الثنائية القطبية وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كـقوة أحادية وإعلان النظام العالمي الجديد في مطلع التسعينات على لـسان الرئيس بوش الأن[4].

وقد أدت تلك التحولات الكبيرة التي شهدها العالم بعد الحرب الباردة إلى تفرد الولايات المتحدة بالشأن الدولي فقد كـقوة اقتصادية وعسكرية فاعلة يمتد ذراعها وسطوتها لـتضرب أو ترهب حيثما أرادت وتسخر من شاءت لـولايته.

وكان لهذه التطورات والتداعياتها التي سادت تلك المرحلة تأثيراتها البالغة على المنطقة ومن بينها:

  1. تساقط الحكومة الموالية لـلإتحاد السوفيتي مثل نظام سياد بري في الصومال ومنغستو هايلي مريم في إثيوبيا.
  2. ظهور أنظمة شديدة الولاء لـأمريكا ومدعومة من قبلها كـأنظمة نموذجية في المنطقة وإفريقيا وعموماً ومنها نظام مليس زيناوي في إثيوبيا وموسيفني في يوغندا وكيفامي في رواندا.
  3. أتاحت النزاعات الداخلية لـلمنطقة مجالاً واسعاً لتدخل الولايات المتحدة التي لعتب دورا كبيراً في تأجيج الصراعات حيث تم إزكاء النيران بالدعم المباشر وذلك لـخلق مبرر للتدخل السياسي والعسكري كما حدث في الصومال بمطلع التسعينات.
  4. ولكن الدروس الصعبة التي تلقت من الصومال جعلها تدرك حجم المخاطر وتتلمس لـوسائل أخرى أقل كلفة وقد ثمثلت هذه الاستراتيجية لـعدة مسارات كـدعم بعض الأنظمة الموالية لها للقيام الدور بـالوكالة ودعم الحركات المتمرد المسلحة للقضاء على نفوذ منافسيها والحد من دورهم في المنطقة كما استخدمت ما يعرف بـأسلوب حروب الصدامات الخفيفة (Low Intensity Warfare) التي تهدف إلى مساعدة الأطراف المتصارع لتمديد الحرب والاحتراب الأهلي.[5]
  • الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة:

بدأ التوجه الأمريكي الجديد في المنطقة مع دخول القوات الأمريكية في الصومال في ديسبمر عام 1992م، الذي كان محفوفاً بهالة إعلامية ضخمة أراد من خلالها مهندس العملية الرئيس بوش الأب بـإصطياد عصفورين بحجر واحد.

وذلك بـإبراز القوة العسكرية الأمريكية وبأسها من جهة وتقديم التدخل الأمريكي بوجه إنساني لـإيقاف ما سموه بـ(حرب الفقراء وتوفير الغذاء لـلجوعى).

ثم انقلب الحال بالمواجهات دامية مع الفصائل المضادة للوجود الأمريكي الذي إنتهى بخروج مذل في مارس 1994م.

وكانت هذه الواقعة كابحاً للإدارة الأمريكية الأسبق برئاسة بيل كلينتون من التورط للإستراتيجية المماثلة التي كان يروج لها مساعد وزير الخارجية حينها ميرمان كوهين للتدخل الإنساني وإقامة ممرات آمنة للإغاثة ومناطق محظورة للطيران الحربي في جنوب السودان[6].

  • تراجع الإهتمام الأمريكي وبروز قوى إقليمية جديدة:

ومع تراجع الإهتمام الأمريكي وإنحسار وجودها العسكري بـالمنطقة في منتصف التسعينات من القرن الماضي، نتيجة لـفشل إستراتيجيتها العسكرية في الصومال.

برز كلاً من إسرائيل وإيران كـقوى إقليمية صاعدة في الساحة تسعى بكل مالديها من إمكانات وقدرات بـاستغلال المعظات الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية لـتوسيع نفوذها وسيطرتها على المنطقة.

  1. الوجود الإسترائيلي ودوافعه:

وبينما تعتبر إسرائيل لـلقرن الإفريقي والبحر الأحمر ممراً مهما لتجارتها من إيلاف إلى إفريقيا وآسيا وترى بـأن ما يشكل لها تهديداً إستراتيجيا لـأمنها هو تحول الممر الحيوي إلى بحيرة عربية خالصة يتم إستغلالها لمحاصرة إسرائيل وخنقها.

فضلاً عن مخاوفها من إنتشار الجماعة الإسلامية والنفوذ الإيراني واستخدام المنطقة معبراً لـدعم حركة حماس في فلسطين.

  1. الإهتمام الإيراني وأهدافه:

ما زالت منطقة القرن الإفريقي تشكل لـإيران محورا مهماً من أولوياتها السياسة التوسعية لـمد نفوذها إلى خارج أراضيها ولتحقيق طموحها نحو العالمية.

وبناء على هذه الرؤية تعتبر المنطقة ساحة رحبة ومثمرة لـأنشطتها السياسي والاقتصادية ومركزاً استراتيجيا مهما في صراعاتها الدولية والإقليمية[7].

  • الإهتمام الأمريكي الجديد وعودته للمنطقة:

مرة أخرى شهدت السياسة الأمريكية تجاه المنطقة تحولاً هائلاً وذلك بعد أحداث الـ(11) سبتمبر، حيث إتجهت الإدارة الأمريكية بـرئاسة بوش الإبن نحو تكثيف وجودها العسكري في القرن الإفريقي لـهدفين أساسيين:

  1. تشديد المراقبة للمنطقة ورصد عن قرب لمسار الأحداث وتحركات الحركات الإسلامية فيها.
  2. الردع بقوة لـأي تحرك يهدد أمن أمريكا ومصالحها في المنطقة.

وهنا بدأت نشر حوالي (800) عنصر من قواتها الخاصة في جيبوتي كـخطوة أولية لإنطلاق عملياتها في المنطقة ثم لحق بهم نحو (1500) عنصر من المارينز للبقاء بمعسكر ليمونيير.

  • القرن الإفريقي .. ومنظومة الأمني القومي العربي:

آذن غياب استراتيجية عربية موحدة في القرن الإفريقي (ذات البعد الاستراتيجي) لـإيران ببروز كـقوة مؤترة ولاعب فاعل ليس في مجريات الأحداث فحسب وإنما لـإعادة تشكيل مستقبل المنطقة وفقاً لـسياساتها التوسعية[8].

وفي ظل احتدام التنافس الدولي الراهن بـالمنطقة تسعى دول عديدة من الغرب والشرق بقوة لـترسيخ أقدامها في المنطقة الحيوية وذلك عبر توقيع حزمة من الإتفاقيات العسكرية والاقتصادية والسياسية مع الحكومات القائمة.

نجد أن الاستراتيجية الإيرانية تجاه المنطقة تكون أكثر شمولية وعمقا من غيرها وذلك كونها لا تقوم على العلاقات الدبلوماسية الرسمية فقط.

بل إنها تعتمد أيضاً على علاقاتها مع المنظمات الأهلية والجمعيات الدينية والثقافية ومنها الطرق الصوفية حيث باتت تشكل كثير من تلك المنظمات دولاً داخل الدولة لها برامجها وأجنداتها الخاصة وآلياتها وولاءاتها ومصادر تمويلها الخارجية.

وهذا كله يأتي في توقيت أصبح لـإيران اليد الطولى في القرار بكثير من الدول العربية مثل سوريا والعراق ولبنان وأخيراً في اليمن وهو ما يثير مخاوف حقيقية لدى كافة الأنظمة العربية.

  • التحالف العربي وقدرته لإعادة التوازن في المنطقة:

أن تأتي متأخراً خيراً من أن لا تأتي أبداً إنها حكمة ميثالية تنطبق على التحرك العربي الأخير لـوضع حد لـلخطر الإيراني وسياساتها التوسعية في المنطقة.

ورغم أن التحرك العربي الذي بدأت ملامحه تتبلور مع إعلان تشكيل التحالف العربي واطلاق عملية عاصفة الحزم ضد المليشيات الحوثية والرئيس المخلوع في اليمن، جاء متأخراً مقارنة مع مشروع التوغل الإيراني في المنطقة.

إلا أن هذا التحرك العسكري غير المسبوق قد أعاد الاعتبار للدول العربية وعزز قدراتها وهيبتها العسكرية لـكبح جماح التوغل الإيراني في المنطقة.

ومع أن الوقت ما زال مبكراً للحديث عن حسم الصراع  في اليمن، بيد أن هناك مؤشرات عدة تظهر تباعاً وتؤكد قدرة عاصفة الحزم لكسر طوق (الهلال الشيعي) ومنع إيران من تحقيق حلمها لبناء دولة شيعية على جنوب الجزيرة العربية.

المراجع

[1]  عبد الله الفاتح، القرن الأفريقي وصراع الأفيال، مجلة الدراسات الأفريقية، العدد (8) مركز القرن الإفريقي لـلدراسات،

[2]  السفير عبد الوهاب الصاوي، السودان والقرن الإفريقي، المجلة السودانية للدراسات الدبلوماسية، العدد (9)، الخرطوم، 2011م.

[3]  الدكتور محجوب الباشا، السودان ومبدأ إيونهاور،

[4]  السفير/ إدريس سليمان، الدور الأمريكي في إنفصال جنوب السودان، مجلة السودانية للدراسات  الدبلوماسية، العدد التاسع

[5]  البروفيسور أرشي مافيجي، إعادة الإستعمار الحميد والعقول الفاسدة في خدمة الإمبريالية، مجلة دراسات استراتيجية، مركز الدراسات الإستراتيجية، الخرطوم، العدد (10) يوليو 1997م.

[6]  السفير عبد الوهاب الصاوي، المرجع السابق.

[7]  عبد الله الفاتح، النفوذ الإيراني في القرن الإفريقي، مركز مقديشو للدراسات والبحوث، 2015م.

[8]  عبد الله الفاتح، المرجع السابق.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبد الله الفاتح

عبد الله الفاتح
باحث وكاتب صحفي. ماجستير في الإعلام بجامعة السودان للعلوم في الخرطوم (قيد الدراسة). حاصل على دبلوم عالي في الترجمة الصحفية في أكاديمية موزايك سنتر ـ أديس وبكالورياس في الإعلام بكلية الآداب في جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم. يعمل محرر ومترجم في الوكالة الجيبوتية للأخبار.

اترك رد