الركن الثقافيمقالات

عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي: إبراهيم حاشي محمود (7)

إنتاجه العلمي والثقافي

والحديث عن شخصية الشيخ إبراهيم حاشي محمود لا ينتهي بالسهولة، غير أننا نختتم هنا إنتاج الشيخ العلمي والثقافي، علماً أنّ الشيخ أبدع أكثر من ميدان كعادة أهل العلم والدراية، ويكفي فضيلته بأنّه كان ضمن الشيوخ لشيخنا ومربينا أبي أحمد الشيخ محمد أحمد محمود الشاشي المقدشي المعروف بشيخ أبا، وقد أخبرني الشيخ أبا نفسه في ذلك قبل وفاته رحمه الله حيث أن الأسرة الشاشية اشتهرت بترحيب العلماء والوجهاء من داخل الصومال وخارجها، وقد حرص الشيخ أبا على أن يستضيف الشيخ إبراهيم حاشي محمود  وهو شاب غريب في العاصمة بحيث جاء من مدينة حدر في محافظة بكول مسكن أسرته، فوجد فرصة ضيافة هذه الأسرة الكريمة ذات خلق وعلم من أحفاذ الشيخ عبد الرحمن صوفي الشاشي الذي استضاف من قبل كلاً من الشيخ عبد الرحمن الزيلعي والشيخ أويس القادري وغيرهما، ومن لم يكن غريباً على تلك الأسرة العلمية ترحيب أهل العلم بغية تكريمهم وإيوائهم بالإضافة إلى استفادة العلوم والمعارف على أيديهم، ومن هنا استفاد الشيخ أبا بأخيه الشيخ إبراهيم ورحب مكرماً معززاً وكان الشيخ أبا يفتخر بأنّه أخذ بعض العلوم مثل علوم اللغة والبلاغة والمنطق على يد الشيخ إبراهيم مما يدل على وفاء الشيخ أبا للعلماء وتواضعه الجمّ، والجدير بالذكر أنّ الشيخ إبراهيم قام بتدريس العلوم ونشر الثقافة الإسلامية  والعربية في أكثر من ميدان ورواق في المدن والحضر، وكان على هذا المنوال في القاهرة عندما كان طالباً مرتبطاً بالجامعات في مصر، والحقيقة أنّ هذا الأمر يحتاج إلى بحث عميق ودراسة مستفيضة حول شخصية جهود الشيخ  العلمية، ولعله يأتي يوم يقوم مراكزنا وجامعاتنا الصومالية تسلط الضوء حول تلك الشخصية وأثاره العلمية لاسيما الحلقات العلمية التي قادها في حياته ونوعية العلوم والدروس كان يكرس نفسه في أدائها.

وقد عرضنا فيما مضى جهود الشيخ في التعليم والثقافة لبلادنا عبر مقالاته اليومية ومحاضراته العديدة، ونشير هنا بعض إنتاج الشيخ العلمي والثقافي، ولكن قبل ذلك فينبغي إلى نشير إلى ابداعات الشيخ الثقافية عندما ابتكر أبجدية جديدة في كتابة اللغة الصومالية، الحدير بالذكر يعتبر الشيخ إبراهيم الوحيد من أهل العلم والثقافة الذي اختار بالحروف العربية لكتابة اللغة الصومالية، ولأجل هذا المشروع الثقافي وضع كتاباً خاصاً ليبرهن إمكانية ذلك ويقوي الحجج والبراهين في المشروع من خلال كتابهالصومالية بلغة القرآن، وذلك قبل تدوين ونحت الأبجدية الصومالية. وكان الصراع قائما بين ممن يؤيدون كتابتها الحرف العربي وبين من ينادي كتابتتها بالحرف اللاتيني. وقد خاض الشيخ في هذه المعركة مناديا كتابة اللغة الصومالية بالحرف العربي ، وقد استطاع نحت وابتكار حروفا عربية مناسبة ومهيأية للاختيار في كتابة اللغة الصومالية وذلك قبل استقلال بلاد الصومال من الاستعمار وقبل كيان سياسي وطني. وضع الشيخ إبراهيم محمود هذا الكتاب ليبرهن كتابة اللغة الصومالية بالحرف العربي، وطبع الكتاب بمطابع مقديشوالصومال عام 1962م. وقد أشار معالي الشريف صالح محمد علي هذا الجهد الكبير من قبل الشيخ في كتابه” Hudur, The History of Southern Somlia, p. 228 ” لاسيما عند تطبيق الشيخ بتلك الحروف في قصيدة للشيخ أويس عبارة عن أوراد وهي قصيدةإله أبوكيباللهجة الرحنوينية، التي كان يجيد الشيخ إبراهيم.

ولتحمس الشيخ إبراهيم في مشروعه كتابة اللغة الصومالية بالحروف العربية أردف جهوده الماضية بكتاب آخر  وهو عبارة عن تطبيق ما طرح على الساحة، وأطلق هذا الكتاب بـقواعد اللغة الصوماليةوقد استخدم الشيخ بالحروف العربية التي ناداها، وقد ناقش الشيخ بعض القواعد للغة الصومالية، هذا الكتاب ما زال مخطوطاً علي شكله الأصل الذي تركه المؤلف عند أحد الأخوة لمؤلفنا الشيخ إبراهيم حاشي محمود وهو الدكتور محمد حاشي محمود ( حنطيوم ) xindhakayame  ، علماً أن الدكتور محمد ترجم هذا الكتاب من الحروف العربية إلى الحروف اللغة الاتينية، حيث طبع في استوكهوم  السويد في فبراير عام 1998م،  ويمتاز الكتاب بأنه يترجم مؤلفنا وخاصة إنتاجه الثقافي والعلمي. وهذا الكتاب المترجم يقع في 123 صفحة. ورغم أن الكتاب مكتوب باللغة الصومالية إلا أن المؤلف استخدم بالحروف العربية، إضافة إلى كتابات عربية توضح هدف الكاتب وتبرهم حجية  المشروع العربي في الصومال تجاه حركة التعريب، وهذا ليس غريباً لدا الشيخ إبراهيم حاشي محمود لأنه كان من الأوائل الذين نادوا تعريب الحرف ليكون على بداية تعريب اللغة والثقافة.

ومن بين إنتاج الشيخ العلمي والثقافي كتابه: ” كفاح الحياةوهذا الكتاب يؤرخ حياة الشيخ إبراهيم حاشي محمود، حيث يترجم المؤلف نفسه ، على دأب بعض العلماء السابقين. والكتاب يبرز مظاهر كفاح مرير مرت بالمؤلف في حياته منذ نعومة أظفاره ، وقدم فيه مبلغ نضوج الرجل العلمي والعقلي. والحقيقة إن الوقائع التاريخية التي وردت في هذا الكتاب إنما هي حقائق مجردة كتبها المؤلف عن خبرة مباشرةحقائق كان بطل أدوارها المتلاحقة ، وهناك موضوعات ترمز إلى شخص أو أشخاص غير مصرحي الاسم في الكتاب لهم أدوار في تأثير الحياة الفعلية للمؤلف كما ذكر ذلك  في الكتاب. وهذا الشخص أو هذه الأشخاص يحتفظ صاحبنا بذكر أسمائهم ، وليس لأي شخص حق التصريح باسمهم أو التفسير بأعمالهم مع المؤلف، والكتاب يتكون من مقدمة وثلاث مراحل وخاتمة ، والمؤلف حينما يتناول أدوار حياته يقسم إلى ثلاث مراحل، الأول: مرحلة الطفولة والنشأة ، الثانية : مرحلة التعليم المنظم ، والثالثة العمل . والغرض من هذه الترجمة هو دراسة هو دراسة شخصية السيد إبراهيم حاشي محمود منذ نشأته والظروف التي أثرت سلوكه ، وكذلك الوقوف علي إنتاجه الفكري والأدبي وما قام به من جهود للمساهمة في تحرير بلاده،  وتوحيد كافة أجزائه الخمسة التي اقتسم بها الاستعمار الحبشي ، والفرنسي ، والإنجليزي ، والإيطالي ، تلك الجهود التي كانت في وقت كان الصومال في أحلك أيامه من حيث الضغط الاستعماري ، ثم اختتم المؤلف رؤيته في حل المشاكل اليومية للمجتمع الصومالي ، إضافة إلى هواياته ، والكتاب يقع في 75 صفحة ، وطبع بمطبعة مقديشو ، أكتوبر عام 1960م .

ومن المؤلفات الشيخ إبراهيم حاشي محمود كتابالنظم القانونية للمرافقات الشرعيةوقد ألف الكتاب بمناسبة الدورة الدراسية التي نظمتها وزارة العدل الصومالية للقضاة المدنيين في عام 1959م، بحيث درس فضيلته لبعض طلبة العلم ووزع عليهم الكتاب مجاناً، وذلك في سبيل تطوير السلك القضائي، علماً أن الكتاب يتعرض  جوانب من النظم القضائية الحديثة المتمشية مع الأحكام الشرعية في الدعاوي ، والاستئناف وغيرها مع مراعاة المذهب الشافعي الذي يتمذهب به الصوماليون. وفيما يتعلق جهود الشيخ في المجال المذكور لا يتوقف في ذلك، بحيث كان الشيخ ضمن اللجنة التي قاموت باعداد دستور البلاد في شهر أبريل عام 1960م.والكتاب طبع في مقديشو عام 1959م.

والشيخ إبراهيم حاشي محمود لم يقتصر جهوده العلمي والثقافي في وضع الكتب والمؤلفات، وإنما امتدّ جهده الثقافي أيضاً إلى كتابة المقالات، وأعني تلك المقالات المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والإقليمية، مثل: الصومال واللغة العربية ، نشر هذا المقال في جريدة الأهرام، في 25 مارس عام 1957م بالقاهرة. الصومال تطلب من مصر إمداده بالمدرسين والكتب، نشر في جريدة القاهرة المسائية، في 25 يونيو عام 1957م. هذه بلادنا الصومال، نشر هذا المقال في جريدة الجرس لجامعة عين شمس ، عام 1957م. وجاء كل هذه المقالات وغيرها في كتابه: ” مجموعة من المقالات.

ومن جهوده رحمه اللهتصحيح وتقديم كتاببطل الصومالالذي وضعه الشيخ جامع عمر عيسى، وكان دور الشيخ إبراهيم محمود حاشي يقتصر بدورة بعض المراجعات والتصويبات التي كان يراها أنها تتم الكتباب وتوثق أكثر عمقا وتوضيحا ، كما أراد المؤلف الشيخ جامع.

ومن الكتب التي وضع بها الشيخ كتابالتعليم في الصومالوكان أصل الكتاب محاضرة ألقاها الشيخ في في المركز الثقافي للمؤتمر الإسلامي بمقديشو في أبريل عام 1958م، وتحدث الشيخ تسلسل مراحل  التعليم من الدكسي إلى التعليم المسجدي أو نظام الحلقات، ثم إلى التعليم المدرسي المنظم، وتناول الشيخ في الفصل الأول التعليم الديني ، في الفصل الثاني طرق إصلاح التعليم لاديني ، والفصل الثالث التعليم المدني ، والفصل الرابع تطوير التعليم المدني.

وتوفي الشيخ إبراهيم حاشي محمود الأوغادين في شهر يوليو عام 1971م كما يذكر ذلك البروفسور محمد حاج مختار في كتابه Historical Dictionary of Somalia P. 111، ولا شك أنّه من أهم الأعلام الصومالية في الساحة العلمية والثقافية في القرن المنصرم، وكثير ما كان يتحدث الشريف صالح محمد علي جهوده وحماسته في الثقافة العربية، رحمهم الله جميعاً.

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات