اخبار جديدة
الرئيسية / مراجعات كتب / خلاصة عن فكرة ما(2): كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للسيد عبد الرحمن الكواكبي(2)  

خلاصة عن فكرة ما(2): كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للسيد عبد الرحمن الكواكبي(2)  

وقد يكون الاستبداد نوعا من العقاب الإلهي على بعض من المجتمعات المعاندة أو الآبقة بالمعنى الأصح على دعوا ته، وهناك علاقة جدلية بين حكم المستبد وانتشار أرضيته، وان الله لا يولي المستبد إلا على المستبدين والمتقبلين والمستحقين وأكثر ما يكره المستبدون هو اكتساب الناس بالعلم والمعرفة والوعي والحرية والإرادة المستقلة بشكل عام، وانه في مثل هذه الحالة هو” الأشبه بالوصي الخائن القوي الذي يتصرف بأموال الأيتام ماداموا أنهم صغار ضعافا…”، إدراكا بأن العلم يكشف البصر، ويقوى المناعة، ويحصن الفرد من الوقوع في غياهب الجهل و يولد الشهامة والحرارة والقوة، ويخلق ذوقا سليما، ويكثر خوفه من اللذين تعلموا علم الحقوق والفلسفة والاجتماع والتاريخ والسياسية والخطابة بسبب وسعها للعقول وتكبيرها للنفوس، وتقل باللذين تعلموا العلوم بشكل عام         إلى جانب علوم الدين واللغات، و” يستحقر المستبد نفسه كلما وقعت عيناه على من هو أرقى منه،  ولا يحب أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكرا، وإذا أضطر الاختيار والتعامل معه غالبا ما يختار المتصاغر المتملق” ويفترض وجود حرب دائم بين العلم والاستبداد وانهما ضدان متغالبان، لان الأول يسعى إلى تنوير العقل، بينما الثاني يعمل إلى تجميده وتعطيله، وأنهما يتجاذبا ن العوام، أوبمعنى أوجز فان حدوث التوافق بين العلم والاستبداد يعتبر مؤشرا للتراجع والانحطاط وليس العكس.

ويقاس درجة استبداد الحكومات هو مغالاتها بـ “شان الملوك، وفخامة القصور، وعظمة الحفلات ومراسم التشريفات وعلائم الأبهة، وغير ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك على رعاياهم عوضا عن العقل..والتي  يلجا إليها المستبد كما يلجا قليل العز للتكبر… ، وقليل الصدق لليمين، وقليل المال لزينة اللباس”، ويمتد تأثير الاستبداد         إلى اتخاذ المتمجدين سماسرة لتغرير الأمة من خدمة الدين، وحب الوطن، وتوسيع رقعة الحكم، وتحصيل المنافع، والدفاع عن استقلاله قصدا للإيهام والتضليل، ويجرب المستبد أحيانا بعض العقلاء الأذكياء تحسبا منهم بأن يكونو ا معه أعوانا خبثاء يستثمر بدهائهم في تحقيق الأهداف وتنفيذ المطالب، ويقوم بعد فترة من الزمان الرمي إلى خارج السور وربما التنكيل بهم تنكيلا موجعا، خصوصا عند حديثهم عن الإصلاح وضرورة تحسين الوضع، وعدم الانتظام في مجلس الحاكم ودخوله في المباشرة على أداء مهامه والعمل بعيدا عن إطلاع بتفاصيل الأمور وتوجيه المباشر، مما يعنى بأنه لا يستقر عنده عدا الجاهل الذي يعبده من دون الله، آو الخبيث الخائن الذي يرضيه هو      حتى وان هو يؤدي ذلك إلى غضب الله، وضياع الذات، ولهذا يبنى الاستبداد بـ ” دولة الأبلة والأوغاد». ولا يقتصر الاستبداد في جانب دون آخر بل ويكون مشمولا بجميع العاملين مع المستبد في مختلف الفروع والمرافق التابعة له بمافي ذلك الفراش والحارس، واللذين غالبا ما يتميزون بانعدام الأخلاق وغياب الضمير المؤنب، ولا يهتمون لا من قريب ولا من بعيد كرامة الإنسان، بل ان مسعاهم هو البرهنة لمخدومهم بأنهم المخلصون له، وبالتالي تكون معايير اختيار الوظائف معكوسة، حيث أن أكثرهم لؤما أعلاهم منصبا ووظيفة، ويكون الوزير     الذي تظن أنه الأعظم هو” اللئيم الأكبر” في الأمة، ويستعدي المستبد بأصحاب الأموال والأغنياء ويترك المال      في أيدي الناس عرضة للسلب من قبل المحتالين واللصوص، ويخلق مجتمعا طبقيا تملك فيه قلة محدودة العدد زمام الأمر على مختلف الأصعدة، ويضطر الناس في زمنه إخفاء النعم والتظاهر بالفقر والفاقة خوفا على أنفسهم وأموالهم وربما تحتاج في ظل الاستبداد مقدارا واسعا من العقل للحفاظ على ممتلكاتك ومتعلقاتك ، ويكون أكثر الناس عقلا هو من يخفي ماله وتوجهه أو يهاجر بعيدا عن الأعين والمكان واسعد هم هو من لا يعرف الحكام ولا يعرفه الكثيرون من الناس. وتكاد رغبة المستبد   في المال والجاه جنونية،  ويؤكد لوانه كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: ” أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وآخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضّر، وأمي الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فهو المال المال المال «.   

ويوجد فرق شاسع بين الاستبداد الغربي والاستبداد الشرقي من حيث الأصل، حيث آن الأول يعتني الكسب، والمشاركة العامة في الإنتاج والعمل والعام بالتفاوت ويخلف بعد زواله بما هو قابل للتطوير ويكمن ان يستمر، بينما الشرقي لايعتني سوى سلب الموجود كله، ومصحوب بالانزعاج الشديد،  ويخلف بعد زواله السريع كالعادة استبداد أكثر سواء منه،. ويقف الاستبداد في كل الأحوال على إفساد الفطرة، وإضعاف القيم الإنسانية وتشويه العقول واختلال الشعور، وقلب الحقائق وتكون العلاقة مع الأصدقاء والأهل ضعيفة وهزيلة اعتقادا منها على أنها لا تدوم ولا تطول، ويتصف الحرص الشديد على الحياة واعتناء الذات أكثر من الشباب بعد الوصول إلى سن متقدم         من العمر،  وأكثر ما يؤثر الاستبداد هو الفطرة السليمة والتربية الخلقية والرعاية الاجتماعية و“ انه يرغم          حتى الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق…. وتعيين الأشرار على إجراء غي نفوسهم…  فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح….”   ويعرض المؤلف الفروق والخصائص التي تميز الشخصية الغربية عن الشرقية و هي بالطبع فروقا تخلق واقعا قابلا لاحتضان الاستبداد بينما العكس يكون صحيحا بالنسبة للغرب، مؤكدا على أن الغربي مادي الحياة وقوي النفس يشكل عام ويعتبر الفضيلة كلها على انها القوة، ويحب العلم ولكن لأجل المال والمجد أيضا لأجل المال، ويرى العقل في الإطلاق… والكياسة في الكسب والعز في الغلبة واللذة في المائدة والفراش، بينما أهل الشرق هم” أدبيون ويغلبهم…سلطان الحب … والميل للرحمة ولو في غير موقعها واللطف ولو مع الخصم، ويرون العز في المروءة، والغنى في القناعة والراحة في الأنس والسكينة، واللذة في الكرامة ويغضبون ولكن للدين فقط، ويغارون ولكن للعرض فقط ” وقد يتعرضون للظلم والحظا أكثر من مرة، وقد يتنازلون لحريتهم واستقلالهم الشخصي مقابل الإرضاء للسلطان وللغير، بينما الغربي هو العكس، ويسعى جاهدا قطع يد الظلم عند تعرضه والحذر من وقوع فخ الخطأ مرة أخرى وعدم المساومة في الحرية والاستقلال الفردي .

والشرقي بطبعه سريع التصديق وربما النسيان، وانه ابن الماضي أكثر من الحاضر والغربي ابن الحاضر والمستقبل أكثر من الماضي  وحريص على القوة والعز أكثر من الدين ويصدق أكثر ما هو ملموس ومحسوس ويعتبر نفسه مالكا لجزء مشاع من وطنه، وان الشرقي عليه لأميره حقوق وليس له حقوق ويسيرون على مشيئة هواء أمرائهم، بينما الغربي له على أميره حقوق وليس عليه حقوق، ويضعون لملوكهم قانونا يجب آن يسري عليه، ويعاني المسلمون من الجمود الديني الذي يجعلهم بأنهم ” مسلمون لذمة أسلافهم وليسوا لذمة أنفسهم، بالتبعية وليسوا بالأصالة، ويدينون بالإسلام انقيادا منهم لمن تقدمهم…” وان التدين على هذ النحو هو بمثابة بعثة مجددة يتلقاها المسلمون أبدا، وكأنهم المسلمون الأولون جيلا بعد جيل،  برأي العقاد. ويعتبر التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، وان ما تصلحه التربية بالتدريج التراكمي وبالسنين يقضيه الاستبداد بالقوة وبالسرعة، والإنسان في نشأته الأولى كالغصن الرطب حيث أن أهواء التربية تأخذها إلى يمين الخير أو إلى شمال الشر كما يقال، والتربية بالقدوة هي الأبلغ من بين الوسائل التي بواسطتها يتربى بها الفرد وأكبر المربين هو الزعيم والقائد السياسي وسلوكه ويكون تأثيره أشد على الفرد من جهد الوالدين ومعطيات محيطه الاجتماعي، ويرى الموظف والعامل العادي في ظل الاستبداد غير آمن على موقعه الوظيفي ويتوقع التعسف المفاجئ من النظام وعدم الإنصاف من مؤسساته وربما يتعمد إلى عدم الإتقان في العمل ويتصف اللامبالاة بنتائج العمل كونه يعلم المستفيد النهائي من جهده وعرقه المضني علما بـ” أن الإتقان لا يأتي إلا مع لذة انتظار النجاح”، ويكون سلوك الفرد مثل سلوك الأسير والسجين الذي يتصرف دائما بما هو مخالف عن سلوكه الطبيعي والسوي نتيجة مصادرة حرياته، كما تسود في ظل الاستبداد المعاني والنصوص الدينية التي تدفع أكثر إلى العزوف والاهتمام بالآخرة وإهمال الحياة الدنيوية ولهذا يعيش الفرد في ظل القائد المستبد خاملا ضائع القصد، ويميت ساعاته طوال الوقت عبثا على عكس الفرد الآخر الذي يعيش في ظل الأجواء غير الاستبدادية سعيدا في يومه وناشطا في عمله يسره النجاح ولا تثبطه الخيبة

ويكون الناس في ظل الاستبداد مضطرين إلى استباحة الكذب والتذلل والغش والخداع وخفض الصوت ونكس الرأس وغيرها من الثقافة التي يسمى ثقافة التسفّل و يكتسبها الفرد من محيطه الاجتماعي أكثر من منزله وتجعله بدونها يبدو غريبا فيما بين أعضاء المجتمع وربما يفقد بعض من مكتسباته وحقوقه الخاصة أو يتعرض للظلم والإساءة المباشرة لنفسه ولأهله، ويفقد إرادته الخاصة ناهيك عن العرض المنتهك والمستباح دائما من قبل الأعوان وأذنابه وحدوث حوادث مفزعة وكذلك النظافة العامة ذات الصلة بالرشد والوعي الذاتي الغائب في ظله، وستكون الملذات الأكثر اهتماما في ظله هي الأكل والراحة النفسية آو” الاهتمام بالحفاظ على الحياة الحيوانية». 

ويقرر الكاتب اخيرا بعض من القواعد والوسائل التي باتباعها يمكن مقاومة الاستبداد واحتواء انتشاره وربما الحد في الاستمرار على غيه الكالح، وهي: –

انه ألايعالج الاستبداد بالاستبداد، وإنما يقاوم بالحكمة وبالتدريج ردعا للفتن والتفادي على الاسوا   

تهيئة الاستبدال قبل البدء بالعمل على التخلص منه حتى لايكون استبدال بآخر اشد منه وطأة

أن لاتكون مقاومة الاستبداد مشخصة، بل ينبغى ترسيخ قيم وتشييد أفكار محددة لا تقبل بوجوده   

الاستدراك مسبقا بان احتواء الاستبداد يتطلب وقتا ويحتاج إلى تعميم الأفكار والاستناد إلى الرأي العام، 

يكون التركيز على وسائل إنماء المعرفة الحرة وانتشار قيمة العدل هو الأكثر قدرة على الاحتواء كما انه يشير إلى وجود حالات تساعد الراغبين في التخلص من الاستبداد والاستفادة القصوى منها مثل حالات وقوع المشاهد الدموية في المشهد العام، وعقب الهزائم العسكرية له، والاستهانة بالدين التي تصدر منه تباعا ويمارسها تكرارا، وعند فرض المضايقات والأعباء المالية التي لا يقدر الناس دفعها ولم يفكر عواقب فرضها، وحدوث الكوارث والمجاعات والتي لا يرى الناس فيها بمؤازرته والتأخر في الحركة نحوهم، والاستفزاز المؤدي إلى الغضب الجماعي مثل انتهاك العرض والتعدي الفاجع، والموالاة مع من يعتبره الناس عدوا، وكل هذا يعتبر فرص يمكن الاستغلال بها، ويستحسن الاستثمار بها من قبل من يحملون هم التغيير ويسعون إلى تقرير مسار التحول المجتمعي.

ترى ما يقوله الكواكبي صحيحا في عهده فقط أم صحيح في زمننا أيضا، وهل تتفق معه جميع أو بعض ما قاله      أم تختلف، وما هو مساحة الخلاف في حالة الاتفاق والاختلاف الوارد معه، وهل يمكن وجود ما كان يتحدث به الكواكبي من الصفات والمظاهر والوسائل للاستبداد في بلدنا قديما وحديثا، وهل يوجد ما يمكن الاستفادة عنه        أو الاستخلاص منه، أرجو التمعن في الموضوع والرجوع إلى الكتاب الأصلي عسى أن تجدوه أكثر مما رايته، ولكنني لاأخفى عليكم بأنني أصبحت متشككا أكثر من ذي قبل بماهية الاستبداد، وهل هو مرض يصيب الفرد بـ فروة رأسه بعد توليه على المنصب أم سلوك عارض يتصرف به المرء حين تتهيا أرضيته ورؤية وجود من يمكنهم الاستفادة من غفلتهم، والاستغلال من عواطفهم لم أدري بعد !!

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن سيد عمر معلم عبد الله

سيد عمر معلم عبد الله
متابع في الشؤون الفكرية المعاصرة

اترك رد