مقالات

الصومال في القرن العشرين( حلقة 25)

استقلال الصومال وانضمامها إلى الأمم المتحدة

وضع المناطق الصومالية الأخرى.

ب : منطقة أنفدي :المديرية الحدودية الشمالية: فى كينيا.

كانت هذه المنطقة من المناطق التى كانت بريطانيا تستعمرها، وكانت مغلقة ومعزولة عن العالم الخارجي عموما وعن المناطق الصومالية الأخرى بصفة خاصة حتى الخمسينات، ولم تقم الحكومة البريطانية بأية خطوات لتطوير المنطقة فى أي مجال من المجالات، وعندما نشطت الأحزاب الصومالية منذ الخمسينات فى الدعوة إلى حق تقرير المصير لسكان هذه المنطقة الشمالية، لقيت هذه الدعوة استجابة بين أهل المنطقة. [1]

وقد أسرعت بريطانيا بحصار أنفدي لمنع تسرب مبادئ الحرية فأمرت لأول مرة السلطات البريطانية فى نيروبى أن تدخل القوات الكينية إلى أرض أنفدي لإخماد الحركة الثورية الشعبية، وأن تتولى حل الأحزاب ووضع قيود شديدة على الحركة الصومالية ووضع قوات كينية مركزية فى أنفدي لقمع أي ثورة صومالية. [2]

ونظرا لتيار التحرر الجارف على أفريقيا وخوف بريطانيا من تقارب هذه الحركات وتفاعلها مع الكتلة الشرقية – الإتحاد السوفييتى – أفرجت عن ثمانية ممن أعتقلتهم فى الإقليم ثم عينت عضوا فى المجلس التشريعي فى نيروبي من الصوماليين، كما رفعت الحظر عن النشاط السياسي فى الإقليم عام 1960  فطالب السكان بحق تقرير المصير والاتحاد مع أشقائهم فى الصومال، لكن كل هذه التطورات أزعجت الإمبراطور الإثيوبي الذى كان يخشى من توحيد الصومال لأنه كان يدرك ما تسفر عنه وحدة الصومال من قوة تهدد كيانه وكيان إمبراطوريته، فأخذ يضغط على المعسكر الغربي وهدد بالتقارب مع الإتحاد السوفييتي. [3]

ومما زاد قلق إثيوبيا استقلال الصومال فى هذا العام (1960)وسعيها إلى توحيد أراضيها المعزولة عنها، ففى 11 نوفمبر 1961 وافقت الجمعية الوطنية الصومالية بالإجماع على اقتراح بتأييد مطالب شعب أنفدي للإنضمام إلى الجمهورية الصومالية بالوسائل السلمية والقانونية.  وفى بداية سنة 1962 أدلى وفد أنفدي بتصريحات هامة فى لندن جاء فيها: “إننا جئنا إلى لندن لنحصل على الانفصال من كينيا نظرا لرغبة شعب أنفدي فى الانصمام إلى الجمهورية الصومالية.. “كما تقرر فى سبتمبر 1962 فى مؤتمر لانكستر هاوس الدستوري بلندن الذى عقدته بريطانيا تأليف لجنة التحقق للأنفدي. [4]

ومن ناحية أخرى كانت هناك اتصالات بين الحكومة الصومالية وزعماء كينيا، فعندما وجهت الحكومة الصومالية دعوة إلى هؤلاء الزعماء وطلب فتح موضوع إقليم أنفدي، وإجراء المفاوضات حوله، أعلنوا رفضهم القاطع لذلك، كما اقترحوا من جانبهم وبإيعاز من إثيوبيا – لأنها سبق أن اقترحت نفس هذا الإقتراح – إقامة اتحاد فيدرالي بين الصومال وإثيوبيا وكينيا، وقد فهم الصوماليون أن المغزي من وراء هذا الإقتراح تجميد مسألة الإقليم  “أنفدي” وإبقاء المناطق المحتلة الصومالية على وضعها الراهن، فأعلنوا رفضهم القاطع لهذا الإقتراح. [5]

وفى يوم 22 أكتوبر 1662 باشرت لجنة التحقق فى رغبات الأهالي المنبثقة من مؤتمر لانكستر أعمالها وكانت تضم أربعة أعضاء أحدهم نيجيري والآخر كندي، أجرت اللجنة استطلاعا لرأي الأهالي الصوماليين شمل أربعين ألف مواطن ورفعت الجنة تقريرها فى ديسمبر 1962 للسلطات. وانتهى التقرير بأن الأغلبية الغالية فى خمس مناطق من أصل مناطق الإقليم الست تريد انضمام للصومال.  وقد جاء  التقرير فى إطار السياسة البريطانية بأن موضوع الإنفصال غير وارد قبل حصول كينيا على استقلالها مما يعنى إفراغ عمل اللجنة من مضمونه وأصبح مجرد مسح أكاديمي دون مغزي سايسي. [6]

لقد ألقى وزير المستعمرات البريطاني مستر :دنكان ساندريز D.Sandrs) فى 8 مارس 1963 تصريحات خطيرة حول أنفدي بأنها ستدار كإقليم سابع لكينيا مما جعل “جومو كينياتا” زعيم أكبر الأحزاب الكينية” حزب الإتحاد الإفريقي “يصرح فى نيروبى تعقيبا على تصريح مستر ساندريز قائلا: “هو ما لا أحيد عنه قيد أنملة” ، وفى الصومال ثار الشعب وأعلنت الحكومة قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وكان ذلك فى 15 مارس من نفس السنة. [7]

وفى مايو سنة 1963 فاز حزب الزعيم جومو كينياتا الاتحاد الإفريقي بأكثر المقاعد.  وأعلن فى 1 يونيو 1963 عن استقلال كينيا برئاسة جومو كينياتا وسط ظروف حرب فى المنطقة الشمالية حيث نشط الثوار الصوماليون الذين كانوا يأتون من بين القبائل الصومالية فى إثيوبيا والخارجة على طاعة الحكومة الإثيوبية نفسها. [8]

وكما أعلنت حكومة أديس أبابا حالة الطوارئ فى الصومال الغربي 1960 لمواجهة أي تدخل من قبل جمهورية الصومال لمساعدة الثائرين ضد الحكم الإثيوبي، فإنها وقعت عقب استقلال كينيا في عام 1963 على حلف دفاعي مع حكومة نيروبى لمقاومة جمعورية الصومال. [9]

ورغم تعدد المباحثات حول إيجاد حل لهذه المشكلة إلا أنها ظلت تحت سيطرة كينيا، ولم يتجاوز قادة كينيا قيد أنملة عما قاله مستر دنكان وزير المستعمرات البريطاني كما قال جومو كينياتا!

المراجع

[1] . حسن مكى، المرجع السابق، ص: 135.

[2] . حمدى السيد سالم، المرجع السابق، ص: 93.

[3] . تمام همام تمام، المرجع السابق، ص: 157.

[4] . حمدى السيد سالم، المرجع السابق، ص: 93 – 94.

[5] . تمام همام تمام، المرجع السابق، ص: 158.

[6] . د. حسن مكى، المرجع السابق، ص: 139.

[7] . جومو كينياتا زعيم إفريقيو (كيني)، برز كقائد لحركة الماوماو التى ناضلت لاستقلال كينيا، اعتقل مابين 1952 – 1962، وانتخب رئيسا لحزب الإتحاد الإريقي فى مارس 1960 وهو لا يزال فى السجن، أصبح أول رئيس لجمهورية كينيا، ومات فى 22 أغسطس 1987م.

[8] . حمدى السيد سالم، المرجع السابق، ص: 101.

[9] . د. حسن مكى محمد، المرجع السابق، ص: 140.

الدكتور حسن البصري

رئيس جامعة إمام، حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة بحر الغزال - الخرطوم ، عام 2011م، ودرحة الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة النيلين - الخرطوم، السودان عام 2006م، وحصل البكالوريوس من جامعة مقديشو كلية الآداب، قسم التاريخ. عام 2001م

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال مفيد وشكرا الإخ الباحاث ،هناك بحث مُحكم نُشر في العام الماضي تحت عنوان:أوضاع سكان منطقة شمال شرق كينيا عبر التاريخ “الناشر مجلة قراءات افريقية العدد 19 الباحث يونس عبدلي،وهي مجلة فصلية ثقافية محكمة – لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى