أخبارمقالات

لكي يكون وجه الحياة جميلا

لكي يكون وجه الحياة جميلا وتصبح دنيانا لائقة بالبشر الفائز بميدالية التكريم الإلهي يجب أن نقوم بمسئولياتنا كمستخلفين في الأرض ونحقق السعادة في دنيانا قبل أخرانا وهي مطلب جميع العقلاء الساعين إلى السعادة سعيا حثيثا بتكثير المصالح والنفع وتقليل الأزمات والمنغصات، وهذه هي غاية الإسلام من الحياة وقد أجمل العلماء هذا الهدف بجملة مختصرة ( جلب المصالح) فإنها تتضمن درء المفاسد وقد تواردت عبارات العلماء على تأكيد هذه المعانى،فقد قرر ذلك الغزالي (ت 505هـ) في المستصفى: (1/139-140) حيث قال: “المصلحة هي المحافظة على مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة” ويقول ابن القيم (ت 751هـ) في كتابه (مفتاح دار السعادة 2/22-23) “وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان…” ويؤكد الشاطبي (790هـ )أيضا نفس المعنى حيث يقول في (الموافقات 1/199): “المعلوم من الشريعة، أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله، إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أولهما معا”.

لكي نتبين صحة ذلك ونختبر مدى وجود مصلحة الأمن والاستقرار والبعد عن النزاعات المدمرة في شريعتنا فإن ذلك يستدعي أن نتفحص في جوانب التشريع الإلهي، وبقليل من التأمل نجد أن جميع عناصر وخطوات تحقيق الأمن والاستقرار ( وهو من أعظم المصالح ) متوفرةفي شرعة الإسلام،وللشرع في ذلك مسالك وطرق تتدرج من دراء الفتن ووأد مسبباتها، ثم إدارتها وتثبيطها حين تبدو مقدماتها، ثم حلها وإنهاؤها في حالة نشوبها.

الخطوة الأولى: درء نشوب النزاعات

ويتم ذلك ببيان الحقوق لكل فرد من أفراد المجتمع والدعوة إلى كل ما من شأنه أن يقوي الأخوة وينميها، والنهي عن كل ما من شأنه أن يضعفها ويعصف بهاكالسخرية ، والتنابز بالألقاب السيئة ،وسوء الظن، والغيبة والنميمة والتفاخر والتعالي بالأنساب، وهذا يعني أن الإسلام يرى أن الخطوة الأولى لتحقيق الاستقرار الاجتماعي تبدأ من تحرير العقول من الأوهام والتصورات النمطية عن الآخر، وتحرير القلوب من الكره بلا مبرر، وتنقية المشاعر من كل ما من شأنه أن يترجم إلى أعمال عدوانية، وضبط الألسنة بضوابط الأخلاق والتهذيب .

ويتمثل ذلك أيضا بوضع التشريعات التي يقصد بها درء النزاعات وهذا يتضح من الغاية في المعاملات الإسلامية فكل ما من شأنه أن يثير نزاعا أو يزرع خلافا فهو منهي عنه، فانظر في البيع كيف حرم الغش والاستغلال والإكراه، وكل ما خلا عن التراضي، وبيع المجهول والغرر، ونهى عن البيع على بيع أخيه وفي النكاح أمر بأداء الحقوق الزوجية والمالية، والمعاشرة بالمعروف، فهذه بمثابة علامات السير الهادية الكفيلة بسلامة الطرق والمانعة من التصادم الحسي بين المارة وبين المراكب والعربات، وهو تصادم محسوس فكذلك التصادمات المعنوية حين تتعارض المصالح وتنشأ النزاعات والخلافات التي قد تتطور إلى صراع بالايدي. وهذا يتطلب من العقلاء وضع التنظيمات الكفيلة بدرء حدوث الصراع في الأعمال والوظائف، وفي كل مجال من مجالات الحياة، ففي السياسة والتجارة توضع التنظيمات واللوائح التي تبين المهام والصلاحيات حتى لا تنشأ التصادمات والصراعات بسبب الغموض في المهام والصلاحيات المخولة للأشخاص، وهذا عامل شديد الحضور في معظم النزاعات.

الخطوة الثانية: إدارة النزاع

مع وجود إرهاصات الصراع وتوافر مقدماته، فلابد من إدارته وتحييده ،وذلك بتفادي تطور النزاع إلى قتال دموي رهيب ، وهذا يكون بالحرص على التصالح وتحييد العناصر التي تزيد من اندلاعه وتصعيده، مثل نشر الشائعات والأكاذيب، والحرص على التثبت في الأقوال، والتزام تقوى الله، والأخذ بمبدأ الشورى، وبعد النظر في تقويم نتائج التصعيد والحروب التي تسيل فيها أنهار من الدماء، وما تؤول إليه من غاية البشاعة والفظاعة.

الخطوة الثالثة : حلّ النزاعات

حين تنشب الصراعات وتضرب خيامها ولا ينجح العقلاء في مقاومتها، فالإسلام دين واقعي يعتبر النزاع من طبيعة البشر ومن مقتضيات التعايش ، ولذلك وضع التشريعات المنظمة للحياة على المستويين الفردي ( بين الزوجين مثلا) وعلى مستوى الجماعة ( بين طائفتين مثلا)، فالإسلام لا يتصور الإنسان ملاكا لا تصدر منه أخطاء في حق الآخرين ، لأن منشأ النزاعات أحيانا يكون بسوء التفاهم وأخطاء غير مقصودة ، فبأي وجه تكون تلك النزاعات فالمسلم مأمور بإصلاح ذات البين، ( وأصلحوا ذات بينكم) وأكد أن الإصلاح من خير الأعمال ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو إصلاح بين الناس) بل وجعل من واجب الجماعة المسلمة أن تفض الاشتباكات الناشبة بين الطوائف والفئات وتشكيل قوات التدخل، ثم جمع الفريقين على مائدة المفاوضات ثم الإصلاح وإلزامهما بأداء الحقوق كل ذلك بالعدل والإنصاف لا بالجور والإجحاف( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحبّ المقسطين) وهذه الآية أصل عظيم في إخماد الفتن حين يطلع قرنها وتنشب مخالبها في جسد المجتمع.

وهنا أنتهز الفرصة للدعوة لطلبة الجامعات ومسئوليها بدراسة فاحصة لهذه الطرق الفائقة في حل النزاع، والاعتماد عليها في مقررات جامعاتنا وبرامجها في كليات التنمية البشرية وعلوم السياسة والإدارة والتشريع.

22صفر 1437هـ / 04 ديسيمبر2015

محمد عمر أحمد

محمد عمر أحمد

باحث وكاتب صومالي، يؤمن بوحدة الشعب الصومالي والأمة الإسلامية، درس في الصومال وجمهورية مصر العربية، عضو إتحاد الصحفيين العرب سابقا، ومحرر سابق لموقع الصومال اليوم، يعمل حاليا محاضرا بجامعة ولاية بونتلاندا بمدينة جاروي.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى