أخبارمقالات

الصومال .. عمق استراتيجي وحزام للأمن العربي (1-3)

أولا:  أهمية الموقع الجغرافي

تقع الصومال في منطقة استراتيجية تمتد من مدينة بندر زيادة-على خط الطول ٤٩ درجة شرقا – إلي رأس غردافوي، ثم تتجه جنوبا  إلي رأس ديك على الحدود مع كينيا، وهي صاحبة أكبر إطلالة مباشرة على المياه الإقليمية في خليج عدن، ويبلغ سواحلها البحرية حوالي 1,193 ميل مربع وتنقسم هذه الشواطئ الي:

1- شواطئ تمتد من المناطق الساحلية المطلة على خليج عدن والمواجهة لمنطقة لوي عدي الي علولا وتقدر مساحتها بـ 473 ميل والقاعدة التي تحرسها كانت في بربرا.

2- السواحل الوسطى وتمتد من علولا الي هوبيا وتقدر مساحتها بـ450 ميل والقاعدة التي تتولى حراستها كانت في بندر بيلا.

3- الساحل الذي يبدأ من مركه الي رأس كيامبوني وتبلغ مساحته 270 ميل والقاعدة التي تتولى حراستها كانت في  مدينة كسمايو عاصمة اقليم جوبا السفلى.

تعتبر هذه السواحل ممرا مهما للسفن التجارية العملاقة المتنقلة بين قارات العالم وخصوصا بعد شق قناة السويس في 17 نوفمبر سنة 1879 واكتشاف البترول في الخليج والجزيرة العربية وبدأ تدفق النفط عبر الناقلات العملاقة  من الخليج العربي إلى أوروبا  والولايات المتحدة، الأمر الذي ساهم في توجيه أنظار الدول الأوروبية إلى أهمية الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به منطقة القرن الأفريقي ، وأن يصبح البحر الأحمر وبكل مميزاته وخصائصه الجيوبوليتيكية أخر محاور الصراع الدولي وملتقى أهم نقاط الحكم الاستراتيجي باعتباره حامل البترول  ومعبر التجارة الأساسية ومجال تدفق القوى العسكرية ما بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والمحيط الأطلنطي وبين المحيط الهادي والهندي. ولهذه المميزات الاستراتيجية ارتبط القرن الأفريقي بالبحر الأحمر جنوبا، مثلما ارتبط قناة السويس شمالا ارتباطا عضويا ومصيريا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا ، فان كل منهما له مميزاته الحاكمة وخصائصه المميزة المحددة حتى أصبح محط أنظار المخططين السياسين والعسكرين وموضع إهتمام واضعي القرار السياسي ، ومحور صراعات معقدة بين القوى الدولية المتصارعة وكذلك القوى المحلية والاقليمية المتنافسة.

يعد البحر الأحمر وخليج عدن المطل على أجزاء من الصومال من أهم الطرق لتجارة الدول العربية ، وبالذات لتجارة دول عربية كبرى، مثل مصر والسعودية رغم ما لهذه الدول من بدائل وإطلالة على بحار آخرى كالبحر المتوسط  بالنسبة لمصر والخليج بالنسبة للسعودية  وأن 30٪ من الملاحة البترولية تمر بالبحر الأحمر، وبالتالي فإن أي اربتاك في الملاحة في خليج عدن يؤثر سلبيا بشكل واضح على مصالح تلك الدول، وخاصة دول الخليخ العربي التي يمر  جزء كبير من صادراتها البترولية إلي أوروبا عبره.

وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول إن البحر الاحمر ومنطقة الصومال يصبحان ممرا مهما بالنسبة لكل  من الدول الخليجية ومصر والعراق.

رغم المشكلات المختلفة التي كانت ولا تزال تعاني منها منطقة القرن الإفريقي والصومال على وجه الخصوص، إلا أنها تحظى بإهتمام كبير من جانب القوى الفاعلة في النظام الدولي، بل وبشكل مختلف عما كان عليه الحال في أيام الحرب الباردة ولعل ذلك يرجع إلي عدة إعتبارات أبرزها، الموقع الاستراتيجي الهام للمنطقة ، والذي جعلها تتحكم على منافذ بحرية هامة هي البحر الأحمر ، وخليج عدن والمحيط الهندي،  التي هي طرق التجارة الدولية وطرق نقل البترول من الخليج العربي الي أوروبا الغربية والولايات المتحدة، ولم تمنع الأزمات السياسية والعرقية والمشاكل الاقتصادية والأمنية التي تعصف بمنطقة القرن الأفريقي، عدداً من الدول أخذ زمام المبادرة والعزم على إيجاد موطئ قدم في الصومال التي تتلمس في الآونة الاخيرة، الاستقرار على وقع وضع سياسي وأمني هش.

في السنوات الأخيرة، أبرزت مشكلة القرصنة أهمية سواحل منطقة القرن الأفريقي وجعلت السواحل الصومالية موضع إهتمام العالم والدول الكبري بعد أن باتت سفنها العملاقة  العابرة للمحيط الهندي ومضيق باب المندب مهددة نتجة قراصنة صوماليين مدججين باسلحة خفيفة حتى قررت الدول الكبرى تدويل الأزمة حيث تم استصدار قرارا من مجلس الأمن الدولي بشأن استقرار الصومال والقرصنة قبالة سواحلها يعطي الدول الكبرى حق التدخل في الصومال. ونشرت دول كبري مثل، الولايات المتحدة والاتحاد الأروبي ورسيا والصين وإيران وكوريا الجنوبيةقوة جوية وبحرية الي قبالة السواحل الصومالية مهمتها بحسب مجدي كامل، مؤلف كتاب قراصنة الصومال: اسرائيل … ومسمار جحا، حماية الممرات البحرية جنوبي البحر الأحمر  حتى اضحى اليوم خليج عدن والمحيط الهندي قبالة سواحل الصومال  ملتقى السفن الحربية للدول الكبرى، مؤكدا أن حقيقة الوجود العسكري في تلك المنطقة لم يكن سوى مقدمة لتدويل البحر الأحمر خدمة لمشروع اسرائيلي قديم قوبل برفض عربي.    

وكذلك كشف الحرب الدائرة في اليمن في الشهور الأخيرة،  والجهود العربية الجارية لدعم الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس اليمني عبد رب منصور هادي، عن استراتيجة موقع الصومال ومنافذها البحرية للتحالف العربي، والحرب ضد المشروع الإيراني، التي اكتسبتها من أهمية البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ما أماط اللثام عن حقيقة الفرضية التي تقول: لو كان الوضع في الصومال مختلفا عما هو عليه الآن من أزمات وضعف في الإمكانيات العسكرية واللوجستية للعبت الصومال دورا كبيرا في كبح جماح المشروع الإيراني في المنطقة بعد أن ظل دورها العسكري والسياسي مقتصرة على التصريحات ومشاركة المؤتمرات واللقاءات الرسمية ولأصبحت سندا قويا للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية الذي يقاتل من أجل دحر الحوثيين وعودة الحكومة الشرعية اليمنية الي العاصمة صنعاء . كان بإمكان الصومال أن تفتح مجالها الجوي  والبحري أمام قوات التحالف العربي في اليمن وأن تسمح لها بقواعد عسكرية في المناطق الساحلية الاستراتيجية كمدينتي بربرة وزيلع القريبتين لمدينة عدن اليمينة، ومدينة بوساسو القريبة لمدنية المكلا ما يجعل الحوثين وقوات صالح بين فكي كماشة ومهددة من الجنوب والشمال.

فيما يبدوا اعترفت الدول العربية تقصيرها وبدأت الشهور الأخيرة بمحاولات حثيثة لتدراك الأمر وذلك في اطار العركة على الكعكة وتصاعد الاهتمام الدولي  والاقليمي بمنطقة القرن الإفريقي ولا سيما الصومال، وأن الزيارات  التي قام بها القادة الأفارقة الأربعة: الصومال، وجيبوتي، وارتيريا، وإثيوبيا الي الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية وحفاوة الاستقبال التي حظيت بها القيادات من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز ولي عهده الأمير محمد بن نائف وولي ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بالاضافة إلي الزيارات المتكررة التي تقوم بها قيادات أفريقية إلي دولة الإمارات العربية المتحدة من بينها رئيس الصومال حسن شيخ محمود، دليل على تغير طرأ في مواقف الدول العربية واستراتيجياتها تجاه منطقة القرن الأفريقي في ظل الأحداث اليمنية والتهديدات الإرهابية المتزايدة المتأتية خاصة من الصومال الذي يطل على الشواطئ السعودية على امتداد حدودها البحرية مع دول القرن الأفريقي.

فالقرن الأفريقي عموما شديد الأهمية ، ولكن للصومال أهمية خاصة ولا يساويها في هذه الأهمية سوى ارتيريا. أما اثيوبيا وجيبوتي فلا تتوفر لديهما تلك العوامل الاستراتيجية المتوفرة لدى الصومال وارتيريا،  فالصومال تمتلك أكبر ساحل على المحيط الهندي وخليج عدن، في حين  لا تمتلك  إثيوبيا  أي منافذ بحرية أما جيبوتي فتفتقر الي عدد من المقومات التي تجعل تستطيع لعب دور فعال في دعم تحالفات الدول العربية رغم قوعها بالقرب من مضيق باب مندب. وبالتالي إن الإسراع دون تبديد الوقت في اطار مبادرة مشروع عربي شامل ينطلق من أهمية الصومال وما تشكلها من عمق استراتيجي وحزام أمني بالنسبة للدول العربية، هو الطريق الوحيد لتصحيح  الأخطاء السابقة ووقف زحف المشروع الإيراني والاسرائيلي في  المنطقة والصومال، بكل ما وراءه من أهداف ونوايا ، أو على الأقل التفاعل معه، من غير ترك الساحة الصومالية لهما خواء يفعلان بهما ما يريدان وكيفما يشاءان.

المصادر:

1-  الصومال الكبير – محمد عبد المنعم يونس

2- قرصنة  الصومال … أمريكا ومسمار جحا لمجدي كامل

3- صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي لصلاح الدين حافظ

4- القرن الأفريقي.. ومصالحنا الاستراتيجية لأيمـن الـحـمـاد

5- الثروة السمكية في الصومال: كتاب لوزارة الإعلام والارشاد الصومالي السابق صدر عام 1986

6- القرن الأفريقي مركز اهتمام دول الخليج- جريدة العرب اللندينة

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. وهناك نقطة أخرى مهمة تجعل الصومال استراتيجيا في الأمن العربي ، وهو الملف المصري الإثيوبي السوداني المتعلق بالنيل فإن الصومال بإمكانها أن تلعب دورا محوريا بالضغط على إثيوبيا ، وهذا لا يتأتى الإ ببناء الصومال قويا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى