اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / الصراع الجيبوتي الإريتري .. الملامح الجيوسياسية وآفاق الحل (الجزء الثاني)

الصراع الجيبوتي الإريتري .. الملامح الجيوسياسية وآفاق الحل (الجزء الثاني)

  • التحرك العسكري الإريتري .. الأهداف والدوافع:

تباينت التحليلات والقراءات حول الأهداف التي يمكن أن تحققها الحكومة الإريترية وراء هذا التحرك العسكريالمفاجئ في المنطقة.

وبينما يشكك البعض بأن يكون لها أي أهداف إستراتيجيةقابلة للتحقيق، وذلك بإعتبارهاتندرج ضمن التهور السياسيغير الهادف الذي اشتهرت به مواقف القيادة الإريترية تجاه الدول المجاورة.

فهناك من ينظر إلى الموضوع بزاوية مختلفة ويرى بأن هذا التحرك العسكري يهدف لتحقيق جملة من الأهدافيكون من بينها:

  • إشاعة التوتر في المنطقة وبشكل أوسع.
  • تعزيز تأثيرها ونفوذها في الصومال عبر الحركات المسلحة المناوئة للحكومة.
  • وضع الحكومة الإثيوبية أمام خيارات صعبة من خلال إستهدافها لـجيبوتي، المنفذ الإستراتيجي والشريان الحيوي لـإثيوبيا.

ولكن يبدوبأنتلك الحسابات التي وضعتهاالقيادة الإريترية لتعزيز دورها الإقليمي في المنطقةوعلى هذا النحو لم تكن دقيقة بالمرة نظرا لمحدودية قدراتها وامكانياتها وافتقارها لدعم الشعب والتأييد الدولي والإقليمي.

  • التحركات الدبلوماسية بعد المواجهات العسكرية:

وكما سبقت الإشارة فإن النزاع الحدودي بين البلدين أخذ منحاً تصعيديا آخروذلك بعد المواجهات العسكرية الدامية في منطقة دوميرا.

  1. الجانب الجيبوتي:

حيث بادرت الحكومة الجيبوتية بـإعلان وجود إحتلال إريتري لأراضيها وكثفت تحركاتهاالسياسية والدبلوماسية سواء في المستوى الدولي والإقليمي.

بجانب تشكل لجان قانونية وسياسية متخصصة لمتابعة القضية وجمع كافة الوثائق والإثباتات الداعمة لموقفهافي النزاع الحدودي.

وهذا بتزامن مع حملات تعبئة للرأي العام المحلي من جهة وتعزيز قدراتها وامكانياتها العسكرية من جهة أخرى.

  1. الجانب الإريتري:

ومن جهتها ظلت الحكومة الإريتريةمصرة على موقفهاالمتمثل بإنكار وجود للنزاع من الأساس والنفي لحدوث المواجهات العسكرية بين البلدين.

كما اعتبرت أيضاً بالموقف الجيبوتي وتحركاتها الدبلوماسية عبارة عن حملة عدائية ضدها ومحاولة لجرها إلى مشكلة لا تعنيها.

ولذلك رفض الرئيس الإريتري إسياس أفورقي لـكافة المبادرات الدولية والوساطات الاقليمية التي كانت تهدف إلى إيجاد حلول سلمية للأزمة بين البلدين.

وبعكس ما فعتله الحكومة الجيبوتية لم يبد الجانب الإريتري لـأي تجاوب معجميع الجهود الدبلوماسية وبعثات المنظمات الاقليمية.

حيث رفض استقبال ـلجنة السلم والأمن الإفريقي وبعثة الإتحاد الإفريقيلتقصى الحقائق وبعثة مجلس السلم والأمن التابع للجامعة العربية وغيرها.

وقد بررت الحكومة الإريترية لهذا التصرف السياسي (الخشن) وغير الحكيم بعدم وجود أي نزاع أو خلاف حدودي مع جيبوتي.

  • بعض المواقف الدولية والاقليمية:

كشف الهجوم العسكري الإريتري على الحدود الجيبوتية حجم الإهتمام الدولي والاقليمي لهذه المنطقة وحيويتها لمختلف الأطراف.

وهذا ما أصبح واضحا من خلال المواقف المتتالية التي صدرت منالدول الغربية والعربية ودول الجوار ومن المنظمات الدولية والاقليمية وكان من أبرزها:

  1. الموقف الفرنسي:

ومع أن هذا التطور العسكري جاء في وقت تشهدها العلاقات الثنائية بين جيبوتي وفرنسا بحالة من التوتر الشديد نتيجة لتطور قضية (بوريل).

إلا أن توتر العلاقات لم تؤثر في الموقف الفرنسي تجاه النزاع الحدودي الجيبوتي الإريتري وبينما بادرت الخارجية الفرنسية بالتنديد للهجوم الإريتري وجددت وقوفها الحازم إلى جانب جيبوتي.

أعلنت وزارة الدفاع الفرنسية عن زيادة قواتها العسكرية في جيبوتي ومضاعفة دعمها العسكري للقوات الجيبوتية.

وبموجب إتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين،وضعت فرنسالقواتها العسكرية الموجودةفي جيبوتي بحالة تأهب قصوى إستعدادا لأي تطور عسكري مفاجئ،حيث نشرت قاعدة لوجستية متقدمة ووحدات من قوات المشاة وفريق طبي عسكري بالقرب من منطقة دوميرا التي دارت فيها الإشتباكات.

وهذا في حين تحركت القوات البحرية نحو جزيرة دوميرا وكثفت الطائرات الفرنسية المقاتلة لطلعاتها الجوية لمراقبة التحركات الإريترية في المنطقة.

ويرى المراقبون بأن هذا التحرك العسكري القوي والجاد كان من أهم العوامل التي أربكت الحسابات الإريترية وغيرت المعادلة العسكرية في الصراع بشكل كبير مما أجبر القيادة الإريترية على وقف الحرب.

  1. الموقف الإثيوبي:

تشكل جيبوتي بديلاً إستراتيجيا حيوياً لعزلة إثيوبيا ما بعد استقلال إريتريا بإعتبارها المنفذ البحري الرئيسي الذي تعتمد عليهإثيوبيا لكافة عمليات الاستيراد والتصدير.

مما جعل الموقفالإثيوبي حيال الأزمة من أكثر المواقف الداعمة لـجيبوتي قوة وصلابة،وفي الوقت الذي اعتبرتالهجوم الإريتري في منطقة دوميرا بأنه استهداف مباشر لاستقرارها وأمنها القومي، أكدت أيضا بإتخاذ كافةالتدابير والإجراءات اللآزمةلوضع حد من تجاوزات الحكومة الإريترية.

وذلك عبر نشر مزيد من قواتها العسكرية في حدودها مع إريتريا إضافة إلى تعزيز وحداتها المدفعية المنتشرة على جبل (موسى علي) في المثلث الحدودي المشترك.

  1. موقف الولايات المتحدة الأمريكية:

وفورا عقب المواجهات العسكرية أصدرت الخارجية الأمريكية بيانا صحفيا أدانت فيه بشدة عما وصفته بـ(العدوان العسكري الإريتري) وأعتبرت أنه يمثل تهديدا إضافية للسلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي المضطربة أصلاً.

  1. موقف الإتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (IGAD):

وبينما كلف مجلس السلم والأمن التابع لمنظمة الإتحاد الإفريقي بعثة لتقصي الحقائق وحث على كل من جيبوتي وإريتريا بممارسة أقصى درجات ضبط النفس وحل الخلاف عبر الطرق السلمية.

فإن موقف الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد) جاء مختلفا إذ عبرت عن إنزعاجها الشديد تجاه الحكومة الإريترية ودورها السالب لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي المقابل جدد أعضاء الهيئة الحكومية التأكيد للوقوف إلى الجانب الجيبوتي ومناصرتها بمختلف الوسائل القانونية.

  1. موقف الشارع العربي:

وتمكنت جيبوتي من خلال نشاطها الدبلوماسي الذي جابت بهلمختلف العواصم العربية من حشد الرأي العام العربي لصالحها.

وفي حين عبر الشارع العربي  تعاطفاً كبيراً مع جيبوتي وقضيتها واستنكر أيضا بشدة للهجوم الإريتري, فإن الصحافة العربية من جهتها شنت هجوماً لاذعا على الحكومة الإريترية وبدأت تغدق عليها بكافة النعوت والأوصاف السالبة.

  1. الموقف العربي الرسمي:

وفي الـ4 مايو 2008م، عقد مجلس السلم والأمن العربي اجتماعا عاجلا بشأن الوضع المتوتر على الحدود الجيبوتية الإريترية بناء على طلب تقدمت به جيبوتي.

وأصدر بيانا أكد فيه على ضرورة احترام مبادئ حسن الجوار بين البلدين الجارين وعدم المساس بحدود البلدين القائمة عشية الإستقلال واحترام الوحدة وسلامة الأراضي.

كما حث المجلس الطرفينعلىضبط النفس واللجوء إلى الوسائل السلمية لمعاجلة المشكلة وتفادي اتخاذ أية إجراءات من شأنها تصعيد الوضع.

وقرر المجلس الطلب إلى الأمين العام بإرسال بعثة من الأمانة العامة إلى المنطقة الحدودية للوقوف على طبيعة الموقف وتقديم تقرير عاجل للمجلس.

ومن جهتها عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري اجتماعا عاجلا بشأن الأزمة وذلك في الـ11 مايو 2008م.

وبعد تدارس الموضوع أصدر قراره رقم (6917) دعا فيه للبلدين إلى ضبط النفس واللجوء إلى الوسائل السلمية لمعاجة المشكلة.

ومع أن بعض الدول العربية أبدت إستيائها تجاه السياسة الإريترية وتصرفاتها المتهورة تجاه دول المنطقة إلا أن الموقف العربي الرسمي إتسم بتوازن كبير حيال الأزمة وهذا ما يبدو جليا من خلال قرارات مجلس جامعة الدول العربية السالفة ذكرها.

  • جيبوتي تحقق مكاسب دبلوماسية كبيرة:

تلك الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي بذلتها الخارجية الجيبوتي في مختلف الأصعدة لم تنجح فقط على ترجيع موقفها تجاه النزاع وكسب تأييد المجمتع الدولي بل ساهمت أيضاً على محاصرة الحكومة الإريترية في المستوى الدبلوماسي والقانوني.

وفي الـ23 ديسمبر 2009م، قدمت أوغندا إلى مجلس الأمنمشروع القرار (1907)بشأن النزاع الحدود بين جيبوتي وإريتريا إضافة إلى دورها في تأجيج الصراع في الصومال، وذلك بطلب رسمي من الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD) التي قامت بأعداد المشروع.

وعلى ضوء التوصيات التي رفعتها لجنة المراقبة إلى مجلس الأمن لعدم امتثال الحكومة الإريترية لما جاء في القرار (1862) الذي منح إريتريا لمهلة زمنية مدتها (5) أسابيع فقط.

لسحب قواتها وجميع عتادها العسكري من المنطقة واعترافها بوجود أزمة ونزاع مع جمهورية جيبوتي وأن تبدي أيضاً إستعدادا فعليا للحوار من أجل احتواء التوتر وإنهاء النزاع.

أقر مجلس الأمن وبأغلبية ساحقة على مشروع القرار(1907) وذلك بتصويت (13) عضوا من أعضاء المجلس لصالح القرار وأمتناع الصين وتصويت ليبيا ضده.

وقد تضمن القرار جملة من العقوبات من بينها الحظر على الحكومة الإريترية من توريد الأسلحة وحظر السفر لعديد من القيادات السياسية والعسكرية الإريترية إضافة إلى تجميد أرصدتهم المالية في الخارج.

  • آليات لـتطبيق القرار:

وضع مجلس الأمن آليات لتنفيذ ومراقبة مدى تطبيق الحكومة الإريترية للقرار حيث كلف المجلس للأمين العام للأمم المتحدة بإعداد تقرير شامل حول مدى إلتزام الجانب الإريتري لأحكام القرار وذلك في غضون (180) يوما من أصدراه.

ومع أن القيادة الإريترية ضاعفت جهودها لمواجهة القرار من خلال تنفيذها بحملات إعلامية ومسيرات جماهيرية موسعة في الداخل.

حيث دعت لمؤيديها بـالخروج إلى مظاهرات ومسيرات في مختلف مناطق العالم وتقديم مذكرات إحتجاج شعبية إلى مكاتب الأمم المتحدة بإعتبار القرار مؤامرة استعمارية تستهدف سيادة إريتريا واستقلالها.

إلا أن هذه المحاولة والخطوات التكتيكية لم تجدي نفعا للنظام الإريتري للإفلات من العقوبات الدولية التي أصبح تنفيذها أمرا حتمياً ما لم تلتزم إريتريا بكل ما جاء في القرار.

وخلافاً لتقديرات الجانب الإريتري فإن تلك التحركات الخارجية لمتنجح على الإطلاق في تأثير الرأي العام ومواقف المجتمع الدوليتجاه الأزمة بل إنها أدت إلى نتائج عكسية غير متوقعة.

وعندما أدركت الحكومة الإريترية بتلك الحقيقةسارعت بتشكيك نزاهة لجنة العقوبات الدولية وحياديتها وإتهامها بالإعتماد على الخارجية الإثيوبية في إعداد آليات تنفيذ القرار.

وفي تصعيد لآفت ضد الحكومة الإريترية طالب عديد من المنظمات الحقوقية الغربية من الولايات المتحدة والأمريكية والدول الأوروبية للضغط على  الدول التي تستثمر بمجال التعدين في إريتريا كـالصين وكندا واستراليا لتجميد أنشطتها ما لم تتوقف إريتريا من أعمالها العدائية في المنطقة.

  • الوساطة القطرية لحل النزاع:

وفي ظل تلك الأوضاع الصعبة الناجمة من تطبيق العقوبات الدولية والتي شلت لعمل القيادة الإريترية وتحركاتها الخارجية، فإنه لم يعد أمامها خيار آخر إلا الخضوع لما جاء في القرار (1907).

وفي الـ19 يناير 2010م، بعث الرئيس أفورقي رسالة إلى أعضاء مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة أوضح من خلاله موقف بلاده بشأن القرار حيث أبدى استعداده للحوار حول النزاع الحدودي التي أثير في القرار، كما طالب أيضاً أن تتاح الفرصة لحكومته كي تدافع عن نفسها ضد الاتهامات الموجهة إليها.

ونتيجة لهذه الخطوة وافق مجلس الأمن على إتاحة الفرصة لـإريتريا والسماح لها للمشاركة بجميع النقاشات في المجلس حول القرار الدولي إضافة إلى فتح الحوار بين الأمم المتحدة وإريتريا بشأن العقوبات الدولية.

وقد جاءت موافقة الرئيس الإريتري للحوار بعد تحركات دبلوماسية حثيثة قام بها كل من الخارجية السودانية والقطرية في المنطقة.

وفي الـ7 يونيو 2010م، أعلن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري السابق الشيخ/ حمد بن جبر آلـ ثاني، بأن كلا من الرئيس الإريتري والجيبوتي وقعا على الوساطة القطرية لحل الخلاف الحدودي بين البلدين، وفوضا أيضاً أمير دولة قطر بالوساطة الذي وقع الإتفاقية بصفته شاهدا ووسيطاً يتمتع بكافة الصلاحيات لإصدار وثيقة عمل تنفيذية للإتفاقية.

ونواصل ..

 

الهوامش:

  1. عبد الله الفاتح، دول القرن الإفريقي: تداخل المصالح المشتركة وتناقض الاستراتيجيات الدولية، يناير عام 2013م.
  2. السفير/ عبد الوهاب الصاوي، السودان والقرن الإفريقي، المجلة السودانية للدراسات الدبلوماسية، العدد التاسع ـ سبتمبر 2011م.
  3. عبد الوهاب الصاوي، أزمة الصومال تتمدد إقليميا، مجلة آفاق المستقبل الإماراتية، عام 2010م.
  4. الدكتور/ إكرام محمد صالح دقاش، التوغل الإثيوبي في أراضي الفشقة السودانية، مجلة دراسات القرن الإفريقي، العدد السابع، أبريل 2008م.
  5. عبد الله الفاتح، الصراع في القرن الإفريقي ..الماضي والحاضر، مركز القرن الإفريقي للدراسات، مارس 2012م.
  6. الأستاذ/ عمر يحي أحمد، الصراع الإريتري الجيبوتي، موقع يحي للعلوم السياسية والدراسات الدبلوماسية، 7مايو 2015م.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبد الله الفاتح

عبد الله الفاتح
باحث وكاتب صحفي. ماجستير في الإعلام بجامعة السودان للعلوم في الخرطوم (قيد الدراسة). حاصل على دبلوم عالي في الترجمة الصحفية في أكاديمية موزايك سنتر ـ أديس وبكالورياس في الإعلام بكلية الآداب في جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم. يعمل محرر ومترجم في الوكالة الجيبوتية للأخبار.

اترك رد