تقارير ودراسات

إطار مقترح لحل مشكلة محافظة شبيلي السفلى

المقدمة

تعتبر محافظة شبيلي السفلى من أكثر الاقاليم الصومالية خصوبة وتقع على ضفتي نهر شبيلي، ثاني أكبر الأنهار في الصومال، وتمتاز  بزراعة المحاصيل الغذائية، مثل: الحضروات الفواكه والمحاصيل التجارية، كالموز والقطن، وتمتلك المحافظة منافذ بحرية هامة، ومطارات بدأئية قابلة للاستخدام. 

على الرغم من هذه الأهمية الكبيرة التي تمثل محافظة شبيلي السفلى الا أنها  تعاني منذ انهيار الدولة واندلاع الحرب الأهلية عام 1991 من عدم الاهتمام والإهمال، وأصبحت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة مسرحا لصراع بين مليشيات قبلية أودى بحياة عشرات من المواطنيين الأبرياء ، في ظل عجز حكومي عن ايجاد حل حقيقي لأسباب هذا الصراع، وتشكيل إدارة موحدة تنهض بمسؤوليتها في تنمية الاقليم.

وبعد تشكيل إدارة منطقة جنوب غرب الصومال التي يتزعمها شريف حسن شيخ آدم  لم يتغير الوضع، في الاقليم واصطدمت الإدارة بأحجام ثقيلة من المشاكل، ولم تتمكن من القيام بمسؤولياتها تجاه بناء الاقليم وإعادة احياء قطاعاته الانتاجية، وتركت الأمور لشخصيات من بقايا عهد زعماء الحرب الذين نفخوا في غير ضرم.

 هذا الوضع السيئ أفقد  الاقليم أهميته للمستثمر الأجنبي وأثر سلبا على حياة المواطنين بصورة تلزم على كل من له ضمير حي المساهمة في انهاء هذه المعاناة، وبالتالي نستعرض  في هذه الورقة  إطار مقترح لحل مشكلة اقليم شبيلي السفلى، وإنهاء مظاهر المسلح والمليشيات القبلية، وتشكيل إدارة شاملة جامعة  تفسح المجال أمام  الاستثمار الأجنبي والمحلي، وإعادة بناء القطاعات الاقتصادية المتنوعة في المحافة.

أولا: الموقع  والحدود والتقسيم الإداري

تتمتع محافظة شبيلي السفلى بموقع جغرافي ممتاز يمتد من مدينة أفجوي على بعد 25 كم جنوب العاصمة مقديشو وصولا الي مدينة سبلالي الواقعة على بعد 170 كلم جنوب العاصمة. ويحدها من الغرب محافظتي باي وجوبا الوسطى، ومن الشمال العاصمة مقديشو ومحافظة شبيلي الوسطى، وشمال الغربي محافظة هيران، ومن الشرق المحيط الهندي.

التقسيم الإداري:

تضم محافظة شبيلي السفلى سبع مدن رئيسية، وهي:

1- مدينة مركه الساحلية عاصمة الاقليم ومينائها الرئيسي، وتبعد عن مقديشو حوالي 90 كلم. توجد فيها المقرارت الرئيسية للمدينة مثل مقر إدارة المدينة ومركز الشرطة، ومكاتب المنظمات الانسانية،  وتضم أرياف المدينة أهم مزارع الموز والفواكه الأخرى . فمعظم أهالي المدينة كادحون ويأكلون من عرق جبينهم ويعتمدون فى حياتهم اليومية على الزراعة وتربية المواشي وبينما القليل منهم يمارسون التجارة بأنواعها المختلفة. وتشمل مدينة مركه مقاطعات زراعية تمثل أهمية قصوى لحركة التنقل بين مديريات الاقليم مثل: جلوين وشلنبود وجنالي.

2- مدينة أفجوي  تقع على بعد 25 كلم جنوب العاصمة مقديشو، وهي مدينة زراعية جميلة توجد فيها مزارع للخضروات  والفواكه، كالليمون والبرتغال في البلاد ويمر بها نهر شبيلي الذي يمد المزارع بما تحتاجها من المياه. ويعتمد أهالي أفجوي على الزراعة وتربية المواشي، الأبقار والإبل والأغنام.

3- مدينة ولانوين:  تبعد عن مقديشو حوالي 90 كم مترا، وتعد من أفقر مديريات المدينة ولا توجد فيها مزارع كبيرة، ويعتمد المزارعون في تلك المنطقة على الأمطار الموسمية وغالبية أهالها يمارسون تربية المواشي.

4-  مدينة قريولي: مدينة استراتيجية تربط الاقليم بمحافظة باي وتشتهر بكثافة سكانها ومزارعها ويمر بها نهر شبيلي كما توجد فيها أهم السدود التي توزع المياه للمزارع الكبيرة في الاقليم.

5- مدينة برواة:  مدينة ساحلية مهمة ولها ميناء كان تستخدم في السنوات الماضية لتصدير نبات الفحم ولاتوجد فيها مزارع كثيرة، وغالبية أهالي المدينة يشتغلون في التجارة.

6- مدينة كنت واري:  تقع على بعد حوالي 80 كلم عن مركز الاقليم وهي منطقة زراعية مهمة وتتمتع بأراضي شاسعة صالحة للزاعة ولم يتم الاستغلال منها سوى القليل من هذه المزارع. وتوجد سدود مهم على نهر شبيلي لرى المزارع في الاقليم.

7- مدينة سبلالي : مدينة استراتيجية تربط المحافظة باقليم  جوبا الوسطى، وتتركز الماشية (الأبقار) في تلك المنطقة، بسبب وفرة الأمطار ووقوعها بين ضفتي نهر شبيلي الذي يفيض خلال موسم الأمطار. 

جدول التقسيم الإداري لمحافظة شبيلي السفلى عام 2010( أصدرتها إحدى المنظمات الخيرية)

المدن

عدد القرى والارياف

عدد السكان

مركه

168

310.185

قريولي

96

208450

براوة

117

74.985

كونت واري

68

129335

سبلالي

62

39.030

ولانوين

457

192.225

أفجوي

180

213.330

أوطيغلي

122

100.155

المجموع

ثانيا: المشهد السياسي والأمني والاجتماعي في الاقليم:

1- الوضع السياسي

تخضع مديريات الاقليم ما عدا مديريتي سبلالي وكنت واري إداريا لحكومة منطقة جنوب غرب الصومال ، تتصف هذه الإدارات التي تم تعين بعضها من قبل الحكومة الاتحادية، بالضعف  والترهل وانهكتها الصراعات القبلية والهجمات التي تشنها حركة الشباب على المواقع الحكومية من حين لآخر.

تفتقر تلك المديريات الي أبسط مقومات الإدارة ولا تتوفر لدي رؤسائها الإمكانيات المادية التي يسيرون بها الأعمال اليومية ولا توجد لديهم ما يكفي من الشرطة وقوات الأمن تتولى مسؤولية  حماية الأمن. فعلى سبيل الميثال  عين حاكم جنوب غرب الصومال شريف حسن  شهر يونيو الماضي  حسن عمر معلم رئيسا لمدينة مركه مركز الاقليم ، لكن بقي هو وطاقمه في العاصمة مقديشو شهورا ولم يتمكنوا من تسلم مهامهم بسبب غياب التمويل وعدم القدرة على الذهاب وحدهم الي مدينة مركه للقيام بواجباتهم واتهم عمدة المدينة الجديد حسن عمر في تصريح صحفي الحكومة المركزية  بالمماطلة والامتناع عن دعمهم وتوفير التسهيلات اللازمة لأداء مهامهم.

أدى الاهمال الحكومي إلي استمرار الصراع القبلي في المنطقة وزيادة تذمر الشعب والحنين الي عهد مليشيات حركة الشباب نظرا لما كانوا يتمتعون به آنذاك من الأمن والاستقرار.

ومما يجدر الإشارة في هذا الصدد إلي أن أغلب المسؤولين الذين تم تعينهم لهذه المديريات يفتقرون أيضا الي الخبرة والكفاءة الضرورية لتهدئة الوضع وبناء نظام سياسي قوي يعتمد على الذات والموارد القليلة المتوفرة لديهم.

محافظ الاقليم وأسماء رؤساء المديريات

  1.  إبراهيم آدم علي هو محافظ الاقليم المعين من قبل شريف آدم رئيس إدارة جنوب غرب الصومال.
  2. رئيس مديرية أفجوي: عبد الغني يوسف أحمد
  3. رئيس مديرية مركه : حسن عمر معلم
  4. رئيس مديرية ولانوين: حاج اسحاق مام عليو
  5. رئيس مديرية  قريولي : محمد حاج عثمان
  6. رئيس مديرية براوة: حسين محمد بري
  7. رئيس مديرية كنت واري: عبد الرحمن سبدو
  8. رئيس مديرية سبلالي: لم يتم تعينه  والمديرية لا تزال في قبضة المتمردين

٢- الوضع الاجتماعي:

يعاني الاقليم من مشاكل اجتماعية خطيرة تنذر بكارثة حقيقة نتيجة الثقة المهزوزة بين العشائر ، والدور السلبي الذي تلعبه بعض القوى السياسية في مقديشو  ما ساهم في تأجيج الصراع  القبلي وأن تقصير الحكومة وترددها عن اجراء مصالحة شاملة في تلك الاقليم وسعت الفجوة والخلافات بين العشائر حتى بلغ الأمر إلي مرحلة خطيرة اذا لم يتم احتوائها في أسرع وقت ممكن يمكن ان تتسع نطاق الأزمة.

ولمعرفة أسباب الوضع الاجتماعي للقبائل القاطنة في الاقليم ينبغي الاشارة الي المناطق المتوترة، وخريطة العشائر ، والقوى الموجودة في الاقليم.

ينقسم الاقليم حاليا إلى منطقتين:

١- منطقة تسيطر عليها حركة الشباب،  وهي مديريتي سبلالي وكنت واري، وأرياف المدن الكبيرة ،فالعشائر القاطنة  فيها مسيطرة ولا يسمح لهم التعبير عن أفكارهم وليس لهم الحق في إبداء آرأئهم حول الأوضاع في تلك المناطق. لا تشهد غالبا في تلك المناطق معارك قبلية ؛ لأن قوات حركة الشباب المتواجدة في المنطقة تمسك بزمام الأمور وجردت العشائر من السلاح أو أرغمتهم باخفاء أسلحتهم، فبمجرد اختفاء قوات الحركة من الساحة فان أبناء العشائر سيحملون السلاح ويبدأ الاقتتال الداخلي.

٢- منطقة تخضع لسيطرة الحكومة والقوات الافريقية وهي ذاتها تنقسم الي قسمين:

أ- منطقة هادئة بشكل عام

٢- مناطق متوترة تشهد فيها معارك بين العشائر حول ملكية الاقليم.

لايعنى أن الهدوء السائد في المنطقة الأولى  كأفجوي  وولانوين وغيرها بأن الوضع فيها مستتب، بل هناك عداوات دفينة بين العشائر القاطنة في تلك المناطق والتي قد تتحول في أية لحظة إلى مواجهات مسلحة، فكثير من سكان تلك المناطق يشكون من غياب العدالة والظلم الذي دفع بعضها الي التعاون مع الشباب أو الوقوف إلي موقف الحياد السلبي تجاه ما يجري في الاقليم.

العشائر القاطنة في تلك المنطقة :

العشائر القاطنة في اقليم شبيلي السفلى هي، عشيرة جليذي، جري، بيمال، توني، جيدي،  جبيل عد ، وعدان، شيخال غندرشي، وعشائر أخرى. هذه العشائر تشتكي من ظلم ذوي القربي وممارسات  مليشيات من عشائر أخرى مسلحة تسطير فعليا على  الاقليم  وتستحوذ على كل مقدرات الاقليم فاكتفت بعض العشائر المظلومة بتعبير امتعاضهم وغضبهم بالمقاومة السلبية  والقبول بالأمر الواقع بينما قررت عشائر أخرى بحمل السلاح ومقاومة الظلم بالعنف المضاد. وتشهد أغلب المواجهات المسلحة في مدينة مركه والأرياف القريبة منها.

3– المشهد الأمني:

صارت الفوضى، والأرهاب ، وانتشار السلاح ، وغياب مظاهر سلطة الدولة أبرز المشاهد السائدة في محافظة شبيلي السفلى الاستراتيجية، بات الأهالي بين مطرقة حركة الشباب وسندان الميلشيات  المسلحة سواء أكانت تحت غطاء القوات المسلحة أو تحت عباءة العشائر، ويواجهون وضعا أمنيا صعبا ونتيجة لذلك صارت حركة الحياة في مدينة مركه مركز المحافظة مشلولة ونزح معظم أهالي المدينة إلي مقديشو وإلي المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب.

ضاق الناس ذرعا من تعدد المليشيات المنتشرة في تلك المناطق ولاسيما في الطريق الرئيس الرابط بين مدينتي مقديشو وكسمايو الذي يمر عبر الاقليم ، تنتشر المليشيات في طول الطريق وتفرض اتاوات باهظة على السيارات المستخدمة بهذا الطريق كما تقوم أحيانا بعمليات نهب واغتصاب للمارة وسكان القرى الواقعة على قارعي الطريق، ويشهد في هذا الطريق أيضا اشتباكات مسلحة بين مليشيات قبلية.

وما يعقد الأمور أيضا عمليات انتقامية تقوم بها القوات الافريقية والتي تطلق النار بشكل عشوائي في كل مرة تتعرض قوافلها لهجمات أو لانفجارات من قبل عناصر حركة الشباب ما يسفر عن سقوط عشرات من سكان الاقليم ما بين قتيل وجريح. لو كانت هناك سلطة مدينة قوية في مديريات المحافظة  تكون حلقة وصل بين القوة الإفريقية لحفظ السلام وأهالي المدينة لكان حل مثل هذه الاشكاليات  بسيطا وسهلا ، لكن غياب هذه السلطة انعكس سلبا على الوضع الأمني والعلاقة بين الشعب والقوات الافريقية وأعطت فرصة للفئات الراغبة في الوقيعة بين الطرفين أو الاستفاذة مثل هذه الاحداث كشماعة لتحريض المواطنين على القوات الافريقية أو مساعدتها في تنفيذ العمليات التي تزعزع الأمن والاستقرار.

قواعد قوة بعثة الاتحاد الإفريقي في الاقليم

1- قاعدة بليدولغي:

كانت القاعدة من  أكبر القواعد العسكرية في الصومال، وتقع في الطريق بين مقديشو ومدينة بيدوة في الغرب وتتبع لمديرية ولانوين وتعتبر حاليا محطة رئيسية للدعم والاسناد للقوات الاقريقية والصومالية الموجودة في مناطق باي وبكول. كما تضم القاعدة معسكرا لتدريب قوات النخة من جيش الوطني.

2- قاعدة لانت بوري.

وهي قاعدة كبيرة للقوات الصومالية وتقع في الضاحية الجنوبية لمدينة أفجوي والطريق الرابط بينها وبين مدينة مركا. يتهم أفراد هذه القاعدة بالنهب وقطع الطرق وأخذ إتاوات من سيارات النقل العام والشاحنات ما دفع البعض منها إلى تحاشي هذا الطريق واستعمال بدلا منه طرقا التفافية وغير صالحة للاستخدام تخضع لسيطرة الشباب لعدم قدرتها على دفع الاتاوات الهابظة وغير المنظمة التي تطالبها تلك القوات.

قاعدة سليني : معسكر تابع للقوات الإفريقية ويقع  على بعد ٥٠ كم شمال مدينة مركة.

قاعدة شلنبود وهي قاعدة رئيسة تضم أفراد من القوات الإفريقية والقوات الصومالية.

وهناك قواعد أخرى منتشرة على طول الطريق بين مركه ومدينة براوة أقصى نقط تتمركز فيها قوة بعثة الإتحاد الإفريقي من محافظة شبيلي السفلى. وهذه القواعد تعتبر قواعد مشتركة بين القوات الصومالية والإفريقية.

خريطة  سيطرة حركة الشباب في الاقليم

ينتشر مسلحوا الشباب في الاقليم بشكل واسع، رغم تراجع سيطرتها بعد معارك مع  القوات المشتركة وتتواجد بشكل مكثف في الأرياف  وأطراف المديريات.

ومن بين المناطق المهمة التي تتواجد فيها قوات حركة الشباب وتعتبرها منطلقا لعملياتها هي:

1- منطقتي جلب وغندرشي في الطريق الساحلي الذي يربط  العاصمة بمدينة مركه  وتعتبر هذه المنطقة معقلا رئيسا للحركة ومركزا لعملياتها في العاصمة مقديشو ومركه

2- منطقة سبلالي هي المديرية الوحيدة التي لا تزال بيدها وتعتبر قاعدة رئيسية للحركة  وحلقة وصل بين عناصرها في جوبا الوسطى والسفلى واقليم شبيلي السفلى ومدينة كونت واري التي سقطت بيدها مؤخرا.

3- القرى وأطراف المدن: هناك تواجد لافت لعناصر الحركة في أطراف مديريات قريولي وبراوة والمزارع الواقعة في محاذاة نهر شبيلي، مثل منطقة فرسولي وجنالي وتقول بعض التقارير أن هذه العناصر تنتقل في أجزاء المحافظة بكل حرية ودون خوف   وذلك بسبب الرعب الذي اثارت في نفوس المواطنين الذين لا يؤيدونه ما دفعهم الابتعاد عن الصدام معها وعدم التعاون مع القوات الافريقية .

العلاقة بين سكان الاقليم وحركة الشباب

فأهالي هذه المناطق لا يؤيدون الشباب، ويعانون من الافكار الدينية المتشددة التي تنتهجها الحركة، ومنعهم من ممارسة طقوساتهم وإقامة مناسبات لاحياء المولد النبوي والولائم لأرواح الموتى وغيرها من المناسبات الدينية التي يعتادها الأهالي اقامتها  عدة مرات في كل عام، لأن غالبيتهم يتنمون إلي الطرق الصوفية ولاسيما الطريقة القادرية والأحمدية وبالتالي من الصعب أن تتفق آراء الأهالي مع عقيدة الشباب السلفية المتشددة والتي تمنع منهم كل هذه الفعاليات بدعوى تعارضها مع أحكام الشريعة رغم وجود علماء دين بارزين في المحافظة يشاركون في مثل هذه المناسبات.

ثالثا: جدور الأزمة في الاقليم وإطار الحل المقترح

التنافس على الموارد الاقتصادية هو السبب الرئيس للصراع بين الصوماليين. وكان دائما الجدل حول ملكية الموارد الطبيعية، مثل المياه والثروة الحيوانية والمراعي مصدرا للخلاف في الصومال قبل وبعد الاستقلال على حد سواء. ففي فترة ما بعد الاستقلال، لم تعمل الحكومات بما فيه الكفاية لتوزيع الثروة على الشعب بشكل عادل وإنما اتخذت اجراءات زادت الوضع تعقيدا، مثل تأميم ممتلكات العامة وهو الأمر الذي  وجعل المشكلة قنبلة موقوتة، فأنفجرت بعد انهيار الدولة  مباشرة.

وبناء على ذلك تعود جدور المشكلة في  اقليم شبيلي السفلى بشكل خاص الي:

1- ظلم سياسي : يشعر جميع العشائر في الاقليم أنهم مهمشون لا نصيب لهم  من الكعكة السياسية  منذ الاستقلال الي الآن ويشكون من ظلم قوى سياسية تسيطر  على مقدرات الاقليم وموارده الاقتصادية بما فيها مزراع الموز، والتي أصبحت القوة الوحيدة المسلحة التي تتخذ القرارات السياسية المتعلقة بالاقليم ومستقبله.

2- الاقتصاد:  تلعب الموارد الاقتصادية في الاقليم دورا هاما في الصراع الدائر فيه وتتنافس القبائل على إدارة مزارع الموز في الاقليم والذي كان أجد أهم  مصادر العملة الصعبة، فكل طرف يسعى للتحكم في هذه المزارع التي كانت في عهد نظام سياد بري ضمن ممتلكات الدولة رغم ادعاء بعض العشائر  ملكيتها.

3- الحرمان من التنمية: يشكو أهالي الاقليم من التهميش وحرمانهم من التنمية وتعليم أبنائهم أسوة بالمناطق الاخرى التي تحصل على دعم كبير من الحكومة المركزية. فإنهم لا يحصلون على نصيبهم من المنح الدراسية التي تقدم للحكومة الصومالية ولا المساعدات الخارجية التي تستهدف الي تطوير القطاعات الاجتماعية بحيث لا توجد في الاقليم حتى محطة إذاعية واحدة تقوم برفع مستوى وعي المواطنين نحو بناء الوطن والمشاركة في مسيرة التنمية في حين تمنح الحكومة بانتظام محطات إذاعية للمناطق الصومالية الأخرى.

4- حق المشاركة في الأجهزة الأمنية. في ظل استمرار عملية بناء المؤسسات الأمنية في البلاد لا تحصل أهالي منطقة شبيلي السفلى على حقوقهم في المشاركة في تكوين تلك المؤسسات وحتى أن جهات في الحكومة تعرقل أي جهد فردي أو مؤسسي لدعم المؤسسات الأمنية في مديريات الاقليم في وقت تتواصل عمليات جمع الشاب من المناطق الاخرى للمشاركة في القوات المسلحة الصومالية وانشاء قواعد ومعسكرات لتدريب المليشيات القبلية في تلك المناطق .

5- لا توجد في المحافظة نشاطات اجتماعية أو اجتماعات لبناء الثقة بين المواطنين وتعزيز مبدأ التسامح، للمساهمة بشكل فعال في رأب الصدع وحل الخلافات العشائرية. 

المقترح

لإنهاء المشاكل في الاقليم بشكل عملي لا بد من اطلاق مشروع لأعادة بناء المؤسسات الحكومية في المحافظة من خلال القيام بهذه الخطوات الهامة:

1- اجراء مصالحة شاملة بين العشائر القاطنة في المحافظة

2-  بناء إدارة ذات قاعدة عريضة يشارك فيها جميع الأطراف السياسية والعشائرية في المحافظة

3- إعادة اعمار المحافظة وجذب الاستثمار

4- بناء أجهزة الشرطة والأمن في الاقليم

أولا: المصالحة الشاملة:

يعقد مصالحة شاملة يشارك فيها جميع القوى السياسية والعشائرية في المحافظة ويتم مناقشة المشاكل والخلافات بين تلك الاطراف  على أساس الأعراف و التقاليد الصومالية،  ويتم تعين لجنة خاصة تتولى مسؤولية تسيير الحوار وباشراف من إدارة جنوب غرب الصومال.. ويكون مخرجات هذا الحوار منطلقا وأساسا لعملية اعادة بناء مؤسسات المحافظة وإعادة اعمارها.

ثانيا: إعادة بناء المؤسسات الإدارية للمحافظة:

بناء على مخرجات الحوار سيتم انشاء من إدارة موحدة تحظى بموافقة ومباركة القوى والعشائر في المحافظة،تعمل لمدة عامين وإلى حين اجراء انتخابات محلية. وتتألف تلك الإدارة  من:

1- إدارة تنفيذية : تتكون من رئيس ونائبه والمسؤول المالي، ومسؤول الخدمات الاجتماعية:   ومهام الإدارة هو إدارة شؤون الإقليم ما عدا المسائل الأمنية وتنظيم انتخابات محلية.

2- مجلس نيابي : يتكون هذا المجلس من  21 عضوا من  وجهاء العشائر وأهل الحل والقعد والشباب والمرأة والمثقفين ويتم اختيارهم على أسس قبلي، وهو المسؤول عن تنظيم الإنتخابات. وهذا المجلس هو الذي ينتخب أعضاء الإدارة وأعضاء المجلس الأمني المصغر

3- المجلس الأمني المصغر:  يتكون سبعة أشخاص من بينهم رئيس الإدارة ونائبه وقيادات الأمن ، وهذا المجلس هو المسؤول عن المسائل المتعلقة بالأمن.

خطة عمل  مجلس النيابي:

هناك أعمال محددة يجب على المجلس أن ينجزها خلال عامين على أن تتوافق مع دستور الحكومة الإتحادية والاقليمية وهذه الأعمال  هي :

  1. تشكيل قوات الأمن والشرطة تتولى حماية الأمن في الاقليم
  2. تشكيل لجنة مالية تتولى مهامها توفير مصادر الدخل للاقليم
  3. اعداد انتخابات محلية
  4. اعادة بناء القضاء والمحاكم 
  5. اعادة تشغيل الميناء ومطار الاقليم
  6. جذب الاستثمار المحلي والأجنبي
  7. تحسين نظام التعليم في الاقليم

اجراءات تنفيذية:

القيام بهذه المهام خلال هذه المدة المحددة ليس بالأمر الهين لكنه أمر ممكن اذا صدقت النوايا وأنه يحياج  فقط الي بذل جهود جبارة وتوفير امكانيات غير بسيطة وأن خارطة الطريق لتنفيذ هذا العمل تكون كالتالي:

أولا: بناء قوة أمنية موحدة:

يعتبر بناء القوة الأمنية من أصعب المهامات لهذه الإدارة والتي تتطلب الي حنكة سياسية وجرأة عسكرية ويتولى تنفيذ هذا المهام المجلس الأمني المصغر وبالتالي ينبغي اتباع تشكيل القوة الأمنية الخطوات التالية:

  1. اقامة قواعد خاصة لهذه القوات تتوفر فيها جميع ما تحتاجه القوة الأمنية
  2. اختيار أفراد القوة من عشائر المنطقة وعلى أساس عادل
  3. رصد ميزانية خاصة للقوة الأمنية تكفي لمدة عامين
  4. تقسيم القوة الأمنية الي : قوة لتأمين الحدود، قوة لضبط الأمن الداخلي، قوة للبلديات
  5. أن يتم اختيار القوة الأمنية وفق معاير محددة مع مراعاة قضية المليشيات ويجب احتواء هذه المليشيات وعدم تصريحهم

كيف يتم تأمين ميزانية القوة الأمنية؟:

الإعتماد على الذات:

أولا: يجب الاعتماد على الذات والتركيز على تأمين مصادر دخل محلية للقوة . وهذا من مهام اللجنة المالية ، وينبغي الاتصال بالجهات المانحة الدعوة للمشاركة في الحصول على هذه الميزانية الضرورية لضبط الأمن واعادة بناء اقتصاد الاقليم .

ثانيا: الإدارة المالية

الإدارة المالية هي الجزء المهم في إدارة الاقليم وتتحمل المسؤولية الكبرى في ضمان دخل كاف لتسيير اعمال المحافظة وعليه يجب  رفع كفاءة العاملين فيها واعطائهم رعاية واهتمام خاص.

كيف يتم تشكيلها؟

يجب اتباع الخطوات التالية:

تتكون الإدارة المالية من 3 اقسام  ولكل قسم يضم ثلاثة أعضاء إداريين وهي: قسم المسؤول عن حفظ الأموال وصرفها، قسم جمع الضرائب وقسم التخطيط المالي

يتم اختار أعضاء الإدارة على أساس الكفاءة والمهنية بالتنسيق مع المجلس النيابي

الإدارة المالية ليست مستقلة وتتبع لإدارة المحافظة ويشرف أعمالها المجلس النيابي المكلف بوضع القوانين والشروط وآليات جمع الضرائب والتبرعات.

ثالثا:  نظام القضاء والمحاكم:

العدل أساس الملك ولا يمكن ان تنعم أمة دون بناء صرح المؤسسات القضائية، ومن هذا المنطلق يجب انشاء قضاء عادل ونزيه يحكم الناس بالعدل والمساواة حتى يسود الأمن والرخاء في أرجاء المحافظة.

كيف يتم تشكيل القضاء؟

لإنشاء مؤسسة القضاء في الاقليم يجب اتباع الخطوات التالية:

  1. يجب تشكيل مجلس قضائي يتكون من 13 عضوا
  2. يجب ان يتم اختار أعضاء المجلس على أساس القدرة والكفاءة
  3. يختار المجلس النيابي، أعضاء المجلس القضائي.
  4. يتمتع مجلس القضاء باستقلالية تامة وله ميزانية خاصة
  5. من أول مهام المجلس وضع سياسة القضاء وتشكيل المحاكم
  6. الاشراف على سير عمل القضاء وأحكام القضاء ومراقبة الانتخابات

ملاحظة:

يجب الا تتعارض سياسة القضاء في المحافظة على دستور البلاد ونظام القضاء للحكومة الاتحادية والاقليمية

الخلاصة والتوصيات

حاولت عدة جهات ايجاد حل نهائي للمشاكل الأمنية في الاقليم، لكن هذه المحاولات رغم أهميتها لم تكن على المستوى المطلوب ولم يتم أعدادها بشكل جيد وباءت كلها بالفشل، إذا لا بد أن نؤكد في البداية لتجاوز الاشكاليات الناجمة من سوء فهم الأسباب الحقيقية وراء الصراع أن أسباب مشاكل اقليم شبيلي السفلي تتلخص في ثلاثة أمور لا غير، وهي:

١-  مشلكة  الظلم والتهميش التي يعاني منها سكان وعشائر الاقليم .

٢- صراع العشائر على ملكية الأراضي الزراعية

٣-  تنظيم الشباب 

لم يحصل سكان الاقليم على حقوقه طيلة العقدين الماضين،  فهو بحاجة الي إعادة الاعتبار له واعطاء سكانه ما يستحقون من الاهتمام أسوة لغيرهم في المناطق الاخرى ومن أبرز ما يحتاجون من الحكومة الاتحادية:

١- دعم القطاع الاجتماعي في الاقليم لأهميته في تعزيز السلم الاجتماعي، ونبذ العنف وغرس روح التسامح والعيش المشترك في نفوس أهالي المنطقة.

٢-زيادة زيارات المسؤولين الحكومين الي الاقليم للاطلاع على أوضاع الأمنية والاقتصادية في الاقليم ولبعث روح الأمل في قلوب السكان.

٣- دعم قطاع التعليم واعطاء شباب الاقليم حقوقهم من المنح التعليمية التي تحصل عليها الحكومة الفدرالية من الخارج

٤- وضع خطة لدعم قطاع الاستثمار في الاقليم ولا سيما في مجال الزاعة والثروة الحيوانية

٥- دعم الإدارات المحلية لتتمكن  من النهوض بمسؤولياتها الوطنية

أما فيما يتعلق بتنظيم الشباب يمكن القول: إذا تم حل مشكلة الظلم والتهميش فالعقد الاخرى ستنفرط ويمكن  حل باقي المشاكل بسهولة.

ملاحظة : ولهذه الورقة ملحق يفصل مشروع المصالحة

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات