أخبارمقالات

عباقرة لهم أصول في منقطة القرن الإفريقي( 47 ) الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الكدلي الزيلعي (7)

شخصية الزيلعي:

أشار شريف علوي إلى أنّ غموض يكتنف حول شخصية الزيلعي بحيث إن المعلومات التاريخية عن خلفيات أسرته محدودة؛ فلا نعرف حتى الآن اسم أمه، ولا اسم جده فضلاً عن غيرهما من العم والخال ممن قد يكون له تأثير في توجيه حياته الاجتماعية والعلمية.

ويبدو أن الزيلعي تزوج مبكراً كما أشرنا ذلك فيما سبق وهو بين عشيرته وقبيلته ديسو إحدى قبائل الرحنوين ، وفي بلدته”مبارك” قرب بيولي في محافظة بكول، وأنجب ابنتين، تسمى الكبرى منهما فاطمة، والصغرى لم تذكر اسمها، ثم ذهب إلى مدينة مقديشو لطلب العلم والمعرفة كما ذكرنا سابقاً، وحينما عاد الزيلعي إلى بلدته، فوجئ بفسخ زوجته، بالإضافة إلى وفاة ابنته الصغرى أثناء غيابه، وكان لهاتين حالتين فيما يظهر تأثير كبير في حياة الزيلعي الأسرية والاجتماعية، وبخاصة حادثة فسخ زوجته التي اعتبرها اعتداء وجوراً في حقه. ولربما كانت هذه الحادثة من أهم الأسباب التي جعلته يفكر في الهجرة من مسقط رأسه نهائياً، وإلى الأبد، ولم نجد ولو بإشارة بسيطة بأنّه عاد إلى موطن الرحنوين ومسقط رأسه فيما بعد. كما لا نجد أي حديث أو ذكر، أو حتى إشارة صغيرة عن الحياة الأسرية والزوجية بالنسبة إلى الزيلعي طوال إقامته في مدينتي: هرر وجكجكا، ولكننا نجد في مستوطنة قلنقول حديثاً عن زوجة للزيلعي، اسمها فاطمة الإسحاقية، كما نجد حديثاً آخر في هذه المستوطنة عن زوجة للزيلعي، اسمها راضية([1]).

وليس من الواضح عما إذا كان الاسمان يرجعان إلى امرأة واحدة، أو إلى اثنتين، وأغلب الظن أنهما يعودان إلى امرأة واحدة؛ ذلك أن من التقاليد والأعراف الصومالية أن تلقب الزوجة المثالية براضية بجانب اسمها الحقيقي الذي قد يكون فاطمة أو خديجة أو عائشة كما أشار ذلك علوي شريف، ولكننا نعتقد بأنّ اسم راضية منتشر في بلاد الرحنوين وأنّه اسم مستقل لحاله ، ومن هنا لعل راضية هنا زوجة أخرى للشيخ من تلك المناطق لأنّ وصف الراضية لا يطلق على المرأة إلا لزوجها والذي يعرف حقيقة الأمر أو عدمه، وإلا فسوف يكون الأمر والوصول  إلى النتيجة مفاذها بأّن الشيخ الزيلعي قد تزوج مرتين، الأولى منهما في بلدته، وقبل ذهابه إلى مقديشو لطلب العلم، والثانية أثناء إقامته في أرض قلنقول، وأن زوجته الأولى، وهي التي تم فسخها أثناء غيابه، وقد أنجبت له ابنتين، إحداهما، (وهي الصغرى،) قد توفيت أثناء غيابه، والثانية عاشت وكبرت، وعمرت، وأنجبت أطفالاً كثيرين، ولا زالت سلالاتها موجودة إلى الآن، وهي كثيرة، وكانت تعرف بالشيخة فاطمة بنت عبد الرحمن الزيلعية.

أما زوجته الثانية فهي فاطمة الإسحاقية التي كانت تشتهر في المجتمع القلنقولي برالية أي راضية، وأغلب الظن أنها لم تنجب له أي شيء. ومن ثم تبقى الشيخة فاطمة بنت شيخ عبد الرحمن الزيلعية السلالة الوحيدة التي تركها الشيخ عبد الرحمن من ورائه. ولربما كانت هذه الحادثة من أهم الأسباب التي جعلته يفكر في الهجرة من مسقط رأسه نهائياً، وإلى الأبد.

وجرت سنة الحياة بأنّ كل شخص له معجبون به وغير ذلك ، ولم يكن الشيخ عبد الرحمن الزيلعي يختلف على هذا الأمر، بحيث كان له محبون ومعجبون، كما أن له مناوئين ومعادين؛ ولا غرابة في ذلك؛ فما اختلف الناس في العادة إلا في العظماء، أصحاب التأثير في تطوير المجتمعات، وتحقيق احتياجاتها الروحية والثقافية والاجتماعية.

وقد بالغ المعجبون به في تقويمه؛ فأعطوه من الألقاب والأوصاف ما لا يعد ولا يحصى؛ فقالوا: إنه القطب الأجل، والإمام الأكمل، والمرشد الأمثل، والنحرير الأمجد، والبطل الشجاع الذي لا يخاف في الله لومة لائم. وبالغ المعادون له في سوء تقديره وتقويمه؛ ففسخوا زوجته الأولى أثناء غيابه لطلب العلم؛ لأنه في رأيهم شخص غير متزن، وأنه؛ لذلك، لا يراعي حقوق الأسرة، ولا يقدر المسئولية الزوجية، وعاداه العلماء في مدينة هرر غيرة وحسداً على ما رأوه من التفاف المجتمع الهرري حوله، وحول مؤلفاته اللغوية والأدبية. وكان الزيلعي يعرف نفسه أكثر من غيره ويعرف نفسه بأنّه “عبد الرحمن ذو التقصير، عبد الرحمن الكسلان”. وهذا في قمة التواضع والخضوع لله سبحانه وتعالى، وخلال مسيرة حياته العلمية يحسّ القارئ من مؤلفاته بأنّ الرجل لم يكن يحب الظهور والاستعلاء، بل يميل إلى التواضع ونقد الذات. ونرى أن الفريقين كليهما قد أجحفا في حق هذا العالم، وبالغا في سوء تقديره وتقويمه؛ فليس هناك في رأييهما أي اعتبار لمواهبه المتعددة في الشعر والنثر، وفي التأليف والكتابة، وفي قدراته العجيبة في تأسيس المستوطنات العلمية، والمجتمعات الأكاديمية التي ساهمت في نشر العلم والمعرفة، وفي خدمة الدين واللغة العربية في ربوع شبه الجزيرة الصومالية، وفي ربوع البلاد المجاورة لها في القرن الإفريقي، كما يذكر ذلك علوي شريف.

ولكنّ الزيلعي لم يكن يخف مواهبه وقدراته العلمية واللغوية عند مايتعلق الأمر بالعلم والمعرفة، بل كان يبرز عضلاته في ذلك المجال ويطرح على الملأ، كما فعل ذلك في بعض شروحه مبيناً الأسباب والعوامل التي أدت إلى شرحه قائلاً: “هذا آخر الشرح الذي هو من عظائم الفتح؛ فدونكم شرحاً حوى نفائس الدرر، وجمع بفضل الله المحض، كثيراً من عرائس المسائل الغرر. نفعني الله به والمسلمين، وجعله ملجأ وعمدة للأفاضل المعتبرين، وحماه من عين كل حسود ينظر إليه بعين الاحتقار، وينكر ما فيه من الخبايا الطيبة، والفوائد الجمة؛ لما قام عنده من الحقد والضغن قائلاً: إنما هو (الكتاب) مجموع كلام من تقدم، أو تأخر من الأعيان والأخيار؛ لعدم درايته بأن هذا هو من شأنه قديماً وحديثاً؛ فهو من قوم يتبعون النفس الأمارة بالسوء، فمعاذ الله من قوم لا يكادون يفقهون حديثاً؛ فهل يعقل أن يكون كرم ربنا الرحمن الرحيم مقيداً بمتقدم أو متأخر، أو صغير أو كبير أو عظيم؟ إذ أن الله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم…”.

وقد سبق بالإشارة إلى أنّ الزيلعي لم يدّعي قط بأنّه قطب الأولياء، وأنه الإمام الأكمل والمرشد الأمثل، بل نجده يقول وبكل تواضع: عبد الرحمن ذو التقصير، عبد الرحمن الكسلان، بالإضافة إلى كونه نادى بأعلى صوته إلى نقد مؤلفاته، ولكن بشطر أن أن يكون ذلك النقد بناءً، وبعيداً عن الاعتساف واتباع الهوى، وعن الخضوع لرغبات النفس الأمارة بالسوء.

لا شك أنّ الشيخ عبد الرحمن الزيلعي عالم كبير له باع واسع في عدة علوم ومعرفة ، وقاد مدرسة علمية فريدة وأخرى تربوية ناجحة، غير أنّه اشتهر في أوساط أهل العلم بأنّه من رواد علم الصرف وفروعه في المنطقة حتى وضع بعض كتب متون لذلك الفن وشروحه، ومن خلال قرآءة مؤلفات الزيلعي  في هذا المضمار يظهر لنا بأنّ الرجل توسع الأمر حتى خاض في غور معاني الصرف وبحوره المتعددة ، بل وتتبع رواد علم الصرف وواضعيه، مما يدل على أن الرجل لم يكن مجرد عالم ليس له صلة بالماضي العريق لأمتنا العربية الإسلامية في مجال العلم والمعرفة ، لذلك ذكر في احدى مقدمات كتبه ما يلي: ” أما مؤسس هذا العلم (علم الصرف) فقد قال الأزهري في شأنه:”واتفقوا على أن أول من وضع علم التصريف هو العالم اللغوي، معاذ بن مسلم الهَرَّاءمن الكوفيين. والهراء بفتح الهاء، وتشديد الراء نسبة إلى بيعه الثياب الهروية”. وخلال الخوض في تبسيط وشرح بعض المتون التي وضعها الزيلعي تناول جهابذة اللغة ولسان العرب مثل جار الله  محمود بن عمروالزمخشري ، وخليل بن أحمد الفراهيدي.

فهكذا قضى العلامة الزيلعي حياته حتى توفي في بلدة قلنقول في الخامس من شهر ربيع الأول عام 1299ه الموافق 24 يوليو عام 1882م رحمه الله .

المرجع

([1]) العلي، عبد الرحمن بن شيخ عمر، مرجع سابق، ص /31، 41.

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى