أخبارمقالات

عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي( 48) إبراهيم حاشي محمود (1)

قبل أن نخوض في الحديث عن حياة الشيخ إبراهيم حاشي محمود رحمه الله ينبغي أن نشير إلى أننا سوف نعتمد هنا على ما كتبه الشيخ إبراهيم نفسه من خلال كتابه ” كفاح الحياة” والذي طبع بمطبعة مقديشو في 1 يوليو عام 1961م، وكذلك على ما كتبه المؤرخ الصومالي البرفسور محمد حاج مختار في كتابه قاموس تاريخ الصومال Historical Dictionary of Somalia 2003.  ونتيجة الصحبة الطويلة بين الشيخ إبراهيم مع معالي شريف صالح محمد علي رحمه الله وما كان يحدثني في مجالس عدة ، وكذا حديث الشيخ محمد أحمد محمود الشاشي المقديشي المعروف بشيخ أبا عند حديثه عن شيوخه ومن بينهم الشيخ إبراهيم حاشي كل ذلك لا نستغني أن نستأنس عند كتابنا عن حياة الشيخ إبراهيم  ونشاطه العلمي والثقافي.

أما كتاب كفاح الحياة، فمن المعروف أنّه اشتهر عبر العصور الإسلامية الزاهية بأناس ترجموا لأنفسهم ، وهو ما يكتبه الكاتب عن نفسه سردا للأحداث التي مرت به في حياته، ويسمى هذا النوع من الترجمة : بـ(الترجمة الذاتية) مثل ما فعل الإمام “جلال الدين السيوطي” حيث ترجم لنفسه في كتابه المشهور (حسن المحاضرة)، علماً أنه ليس أول من ترجم لنفسه وإنما كان قبله لفيف من العلماء والأدباء، وفي ذلك يقول السيوطي: ( وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي)، فقلّ أن ألف أحد منهم تاريخا إلا وذكر ترجمته فيه.

وممن وقع له ذلك الإمام “عبد الغفار الفارسي” في (تاريخ نيسابور)، و”ياقوت الحموي” في (معجم الأدباء)، و”لسان الدين بن الخطيب” في (تاريخ غرناطة)، و”الحافظ تقي الدين الفاسي” في (تاريخ مكة)، و”الحافظ أبو الفضل بن حجر” في (قضاة مصر)، و”أبي شامة” في (الروضتين) غير أن أقدم ما وصل إلينا من هذا النوع من التراجم، ترجمة الشاعر اليمني “نجم الدين عمارة بن أبي الحسن علي بن محمد بن زيدان الحكمي”، المشهور “بعمارة اليمني”، إذ ترجم وكتب عن نفسه ترجمة ذاتية في كتابه ( النكت العصرية في الوزراء المصرية)، ومن بين هؤلاء أيضاً الشيخ المؤرخ “لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب” في كتابه (نفاضة الجراب في علالة الإغتراب)، والعلامة ابن خلدون في كتابه (التعريف بابن خلدون)، ورحلاته شرقا وغربا.

وهذا النوع من التراجم قد وجدت في مختلف طبقات المجتمع الإسلامي ولم تكن مقتصرة على فئة معينة ، بل شملت أعلامًا في شتى العلوم والميادين والفنون فكان منهم الفقهاء والأدباء والأطباء والمؤرخون والشعراء، ويكفينا أن نشير إلى طبقة الأطباء الذين قاموا بالترجمة لحياتهم دون غيرهم كالطبيب المسلم “ابن سينا” ، مما يدلنا على أنّ هذا النوع من التراجم لم يقتصر على أؤلئك الكتاب والعلماء البارزين فقط ، وإنما شمل الأطباء المسلمين أيضا.[1]

ويظهر فيما سردناه من الحديث بأنّ الأقلام الصومالية والترجمة الذاتيةقد أخذت بُعداً آخر عندما طور أهل الصومال في فنّ الترجمة للأعلام، وذكر السير أو ما يعرف بالسيرة الذاتية، وكان من ذلك أن ترجم بعض العلماء لأنفسهم، حيث تناولوا سيرهم الشخصية بأنفسهم، مع ذكر معاصريهم والبيئة التي عاشو فيها.

وأشهر من قام بذلك عند أهل الصومال صاحبنا فضيلة الشيخ “إبراهيم حاش محمود” حيث ألف كتابا ترجم لحياته وما يتعلق بمحيطه الاجتماعي والثقافي والسياسي في كتاب سماه: (كفاح الحياة) على غرار ما كان يفعل بعض العلماء فيترجموا لحياتهم بأنفسهم ليكون في ذلك فائدة لمن بعدهم، ولتتعرف الأمة إلى بعض القضايا والأحداث التي كانت غامضة أو أصبح تفسيرها صعبًا بمرور الزمن، وعموماً فإنّ كتاب ” كفاح الحياة “يؤرخ لحياة الشيخ إبراهيم حاش محمود، ويبرز مظاهر كفاح مرير مرت بالمؤلف في حياته منذ نعومة أظفاره والتي كان من الصعب التعرّف عليها بدون تناول الشيخ لذلك ، فضلاً عن أن الكتاب يذكر بعض الشخصيات التي كانت لها وجاهتها ولعبت أدواراً حقيقةً في التأثير على الحياة الفعلية للمؤلف،كما نجد في الكتاب أخبار إنتاج الشيخ إبراهيم حاش محمود الفكري والأدبي وما قام به من جهودٍ مضنيةٍ للمساهمة في تحرير البلاد من الاستعمار والجهل. ورغم أن الكتاب فيه أخبار عن مؤلفه وتاريخ حياته العلمية والاجتماعية إلاّ أنّ الكتاب تطرق أيضاً لذكر شخصيات بارزة في النواحي العلمية والاجتماعية والسياسية، وكذا أخبار الزمان الذي عاش فيه المؤلف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً.

 وصاحب الترجمة أيضاً له كتبٌ أخرى أهمّها كتاب “التعليم في الصومال”[2]، وهذا الكتاب يؤرخ للحركة العلمية والثقافية لبلاد الصومال، وحال أوضاع المنطقة في النواحي العلمية والثقافية في عصر المؤلف وما قبله، كما له كتاب “الصومالية بلغة القرآن”،وما عمل به الشيخ إبراهيم ليس جديداً على الساحة العلمية والثقافية في الصومال بحيث قام لفيف من العلماء ترجمة أنفسهم في ذيول كتاباتهم، وبعضهم في مقدمة كتاباتهم، وأبرز هؤلاء الشريف العيدروس النضيري صاحب كتاب “بغية الآمال في تاريخ الصومال”، والشيخ محمد ريراش صاحب كتاب “كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالك الإسلامية السبعة”.

إذاً فمن هو الشيخ إبراهيم حاشي محمود؟

فضيلة الشيخ إبرهيم حاشي محمود المكاهيلي الأجاديني من مواليد عام 1929م في مدينة حدر الصومالية الواقعة في إقليم بكول من منطقة جوبا العليا في أسرة متواضعة الحال تتكون من ستة أشخاص كانت تعمل على رعي الماشية في بادية منطقة أجادين الصومالية، فقد انتقلت أسرته من بادية هذه المنطقة إلى مقاطعة جوبا العليا ضمن القبائل الأجادينية التي سارت المنطقة أثر الغزوات التاريخية التي اجتاحت البلاد، وفي أثناء ذلك مرت قافلة القبائل مدينة حدر في طريقها إلى الضفة الشرقية حيث ولد صاحب الترجمة في المدينة. وتربى الشيخ إبراهيم حاشي في ألبان الغنم ، والبقر ، فلما عقل وجده نفسه يرعى صغار المعز فلما كبر قليلا رعى الغنم مع شقيقتيه اللتين تكبران عنه ، فلما بلغ السادسة من عمره ألحقه أبوه بالدكسي لتحفيظ القرآن الكريم ، ولكنه انقطع فترة عن تعليم القرآن ، ثم عاود إلى الدكسي مرة أخرى لتجديد  معلوماته ومحفوظاته حيث تعلم من جديد الكتابة والقراءة، واستمر فيها حتى بلغ سورة الشعراء على يد معلم عثمان الحسني ، ثم ترك مدرسة التحفيظ ، ورحلت الأسرة إلى منطقة “فاف ” وهي منطقة زراعية تقع قرب مدينة قبردهري حيث كانت توجد فيها الجماعة الصالحية من أتباع الطريقة الرشيدية ، وكان شيخها في ذلك الوقت السيد عبد الله سيد صالح، فالتحق بمدرسة الكتاب في الجماعة من جديد لتحفيظ القرآن وهذه المرة استطاع حفظ القرآن كله عن ظهر القلب، وفي حوالي 1938م اتصل بالمرحوم الحاج محمد طعس ، ودرس إبراهيم حاشي على يد هذا العلامة بالعلوم الدينية من فقه وتفسير ، وحديث والنحو والصرف وغيرها من العلوم العربية التي تسمى عندنا ” علم الآلة ” فقرأ عليه الأجرومية وأبو شجاع ثم تركه ليذهب إلى منطقة في غرب شمال الصومال عام 1943م، فدرس النحو والصرف على أيدي شيوخ برعو في تدريس النحو والصرف على الطريقة الأزهرية القديمة ، كما درس كتاب ألفية ابن مالك في شهرين وحفظها عن ظهر القلب، ثم تولى تدريسها للطلاب في ستة أشهر قفل بعدها راجعا إلى أرض الوطن. ثم ذهب إلى مدينة قلافو لدراسة الفقه الشافعي ، وخاصة كتاب منهاج الطالبين لمحب الدين النووي بعد أن استأذن ذلك أباه ، فدرس الفقه على يد الشيخ جامع حاشي حيث قرأ عليه نصف الكتاب ، وفي أواخر عام 1949م وصل إلى مقديشو قادما من قلافة مواصلا طلبة العلم إضافة إلى قيامه بتدريس العلوم العربية في جامع مرواس ثم بعد فترة وجيزة رجع إلى منطقة الصومال الغربي وبالذات مدينة قبردهري وذلك سنة 1958م.

[1]– انظر تفاصيل عن ذلك في سلسلة مقالاتنا تحت عنوان ” أخبار التراجم وسير الأعلام في التراث الإسلامي والصومالي” في موقع الشاهد العربي.

-وهذا الكتاب طبع في مقدشو بالصومال، عام 1985م.[2]

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى