اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / الصراع الجيبوتي الإريتري .. الملامح الجيوسياسية وآفاق الحل ( الجزء الأول)

الصراع الجيبوتي الإريتري .. الملامح الجيوسياسية وآفاق الحل ( الجزء الأول)

  • تـوطـئة:

تعددت الآراء والمفاهيم في تعريف منطقة القرن الإفريقي وحدودها الجغرافية والسياسية وهنا نجد أن تعريف القرن الإفريقي يقصد عند الجغرافيين والأنثربولوجيين بالمناطق التي يقطنها الصوماليون والتي تبدأ من جيبوتي شمالاً لتشمل كل من الصومال والإقليم الصومالي في إثيوبيا وأجزاء من كينيا.

أما التعريف السياسي للمنطقة فإنه فضاء يتمدد وينكمش وفق المصالح والأهداف الماثلة على خلفية الحراك من تحالفات ونزاعات في المنطقة.

ويدخل في هذا التعريف جميع الأطراف الفاعلة في الصراع الدائر في المنطقة لهذا ظلت إثيوبيا جزءاً أصيلاً من القرن الإفريقي ونفس الحال بالنسبة لكينيا.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد وضعت استراتيجيتها للقرن الإفريقي الكبير الذي يضم بجانب دول القرن الجغرافي كل من السودان وكينيا وتنزانيا إضافة إلى رواندا وبوروندي وغيرها.

  • الأهمية الإستراتيجية للمنطقة:             

تتميز منطقة القرن الإفريقي بخصائص الموقع الإستراتيجي المهم والمظل على الممر البحري من المحيط الهندي عبر البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط.

وتكتسب أهمية إستراتيجية إضافية من قربها لمصادر الطاقة في الخليج العربي وإشرافها على الممر الرئيسي للملاحة البحرية في المنطقة.

ونتيجة لـهذا الموقع الإستراتيجي الهام كان لـها دوماً دورا فاعلا ومؤثرا في إنسياب حركة التجارة الدولية بين الشرق والغرب.

وبجانب ذلك ظلت منطقة القرن الإفريقي منذ قدم التاريخ نقطة إنطلاق للإسلام إلى غرب وجنوب القارة مما يجعلها منطقة احتكاك وصدام بين المسلمين القوى الإستعمارية المتدثرة بالمسيحية.

ولا تقتصر أهمية المنطقة على اعتبارات الموقع الحيوي من الناحية العسكرية والأمنية فحسب وإنما تتعداها للموارد الطبيعية والحيواتية والبشيرة التي تزخرها المنطقة

  • القرن الإفريقي وتناقضات المصالح الدولية والإقليمية:

شاءت حقائق الجغرافيا والتاريخ أن تكون منطقة القرن الإفريقي واحدة من أهم نقاط التماس بين القوى الدولية المتصارعة.

وقد كانت خلال حقبة الحرب الباردة  من أشد نقاط التماس بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، كما أن أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية الكبيرة جعلتها معتركا للتنافس بين المعسكرين المذكورين.

ونتيجة لتناقضات المصالح الدولية والإقليمية وإستمرار إستراتيجيات الهيمنة لم تتوقف معانات الشعوب في المنطقة من الصراعات والحروب الدموية المتكررة وحتى بعد إنتهاء الحرب بين المعسكرين في مطلع التسعينات من القرن الماضي.

بل أعيدت صياغة خريطة المنطقة مرة أخرى بعد إنهيار المعسكر الشيوعي لتعكس حقيقة سياسات الهيمنة والنفوذ للقوى الأجنبية الفاعلة في المنطقة.

وفي هذا السياق برز مفهوم القرن الإفريقي الكبير ليعبرعن المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية والإستراتيجية للقوى الغربية في شمال شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى.

  • طبيعة الصراع وأسبابه وتطوراته:

وفي واقع الأمر لا يمكن الحديث عن عمق الصراع والنزاع المحتدم في منطقة القرن الإفريقي ولا عن دوافعه وأسبابه الحقيقية، دون الرجوع والعودة إلى التاريخ لسبر غور التأثير العميق للإستعمار الأوروبي في تشكيل الأوضاع والحدود السياسية في المنطقة.

وكما ذكرنا آنفاً ظلت هذه المنطقة منذ عقود طويلة محل تنافس بين الدول الأوروبية الإستعمارية والتي رسمت حدودها دول وفق مصالحها فقط مثيرة لـتنقضات دينية وقبيلة وجهوية ونزاعات حدودوية لا حصر لها في داخل كل دول ومع جيرانها.

وهو ما وضع مصير المنطقة ومستقبلها تحت رحمة أطماع القوى الإستعمارية التي لا تجد بـأي صعوبة لإفتعال الأزمات وإثارة النعرات في أي وقت ترريد وذلك بعد تمهيد الأرضية وزرع القنابل الموقوته.

وتوصف منطقة القرن الإفريقي، عند معظم الدوائر الغربية “بأنها المنطقة الموبؤة بالنزاعات والمسكونة بالأصولية الإسلامية والإرهاب والحروب الأهلية والصراعات العنيفة على السلطة وإنهيار مشروع الدولة الوطنية والكوارث الطبيعية إضافة إلى التهريب والقرصنة ومشاكل مصادر المياه والهجرة غير الشرعية وغيرها.

وهنا نجد أن القوى الدولية المهيمنة تنظر أيضاً إلى المنطقة بأنها تشكل منظومة إقليمية من عدم الإستقرار تؤثر سلبا على مصالحها الاقتصادية وأمنها القومي.

وبجانب ذلك هناك عوامل أخرى إضافية لا تقل خطورة مما سبق وتساهم بدورها بشكل أو بآخر في تأجيج وتعمق النزاعات والصراعات في المنطقة.

ومنها عوامل التداخل السكاني والإختلاط العرقي ونقص الغذاء والزحف الصحراوي والجفاف الذي يضرب المنطقة ويجعلها الأكثر تأثرا بتداعيات الكوارث الطبيعية من مجاعات مروعة ونزوح سكاني غير مسبوق ما يجعل المنطقة من أكثر بؤر التوتر في العالم.

وهي عوامل تساهم مجتمعة بـتجدد النزاعات الحدودية التي تتفجر ـ من وقت لآخر ـ بين دول المنطقة ولا تتوقف دون أن تتحول إلى مواجهات عسكرية دامية بين الأطراف المتنازعة.

ومنها النزاع الحدودي التاريخي بين الصومال وإثيوبيا في إقليم أوغادين والذي تسبب بـإندلاع حرب مدمرة بين البلدين في عام 1977م.

والنزاع الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا في منطقة (بادمي) والذي تطور في عام 1998م إلى حرب مدمرة يعد من أشرس صراع عسكري عرفتها منطقة القرن الإفريقي منذ عقود، شارك فيها ما يربو من ربع مليون جند وفقط راح ضحية الحرب أكثر من (150) إنسان من الطرفين هذا بجانب الخسائر المادية الكبيرة التي تكبد البلدان جراء الحرب.

  • جوهر النزاع الحدودي بين جيبوتي وإريتريا:

مع أن الصراع بين جيبوتي وإريتريا لا يختلف كثيراً في جوهره عن تلك النزاعات الحدودية التي تعاني منطقة القرن الإفريقي.

إلا أن الأهمية الجيوإستراتيجية لـموقع (رأس دوميرا) المتنازعة تعطي بعداً إستراتيجياً للصراع الراهن بين البلدين.

وعلى ضوء تلك الأهمية نجد أن إريتريا لا تنظر إلى هذه المنطقة من زاوية أهميتها في رسم حدودها البرية مع جيبوتي، وإنما تنظر إليها بإعتبارها المحدد الرئيسي لمستقبل (جزيرة دوميرا) التي تقع على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر التي ستحدد حتماً لعلاقة إريتريا في منطقة باب المندب الإستراتيجية.

وهي العلاقة التي ستحدد أيضاً بمصير الموقع الإستراتيجي لدولة إريتريا والمستقبل السياسي للنظام الحاكم والذي ظل يعمل منذ أكثر من عقدين على تقديم نفسه لـلعالم من نافذه الأهمية الإستراتيجية لهذا الموقع.

أما بالنسبة لـجيبوتي فإنها تنظر إلى أهمية موقع (رأس دوميرا) بما يمثله من أهمية كبيرة في تعزيز مركزها عند نقطة التحكم لمضيق باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأخمر.

  • العلاقات الجيبوتية الإريترية بين التوتر والتهدئة:

تميزت مجمل العلاقات الجيبوتية الإريترية بـحالة من عدم الإستقرار حيث ظلت تتراوح ما بين التوتر والتهدئة والتحسن.

وتفجر الوضع بين البلدين لأول مرة في عام 1996م، بسبب النزاع الحدودي في منطقة (دوميرا) الإستراتيجية وقد تطوررت الأزمة بشكل سريع ومفاجئ حيث كاد الطرفان باللجوء إلى الوسائل العسكرية لولا تدخل منظمة الإيجاد التي تمكنت من إحتواء الأزمة.

وفي عام 1999م، تجددت الأزمة بين البلدين مرة أخرى وذلك على خلفية برتكول التعاون العسكري الذي وقعت جيبوتي مع الحكومة الإثيوبية الذي يسمح للأخيرة بإستيراد المعدات العسكرية عبر مواني جيبوتي.

ومع أن العلاقات شهدت تحسنا ملحوظا في عام 2000م، بعد وساطة قام بها الرئيس معمر القدافي لـحل الخلافات بين البلدين.

وبعدها قام الرئيس إسياس أفورقي بـزيارة وصفت بتاريخية لجيبوتي في 2001م، وبالمقابل قام الرئيس إسماعيل جيله زيارة مماثلة إلى إريتريا.

وأثمرت هذه الزيارات المتادلة بتفاهمات سياسية لحل الخلافات وتوقيع إتفاقية تعاون تشمل للمجالات السياسية والاقتصادية والأمنية إضافة إلى تشكيل لجان مشتركة وإقرار إجتماعات دورية بين الجانبين.

وعلى الرغم من تلك التفاهمات التي فتحت أفق جديدة لتعاون البلدين  إلا أن الأمر مع الأسف لم يستمر كثيراً.

وسرعان ما تأزمت العلاقات بين الطرفين من جديد مع تأزم الأوضاع في الصومال وذلك بسبب تباين المواقف من الأزمة الصومالية.

ولم يقتصر الأمر على الخلافات السياسية تجاه الأزمة الصومالية فقط بل واكب ذلك نشاط إعلامي ودبلوماسي عدائي إلى درجة بعيدة مثل تبادل الإتهامات.

حيث إتهمت جيبوتي لـإرتيريا بمحاولة زعزعة إستقرارها عبر تدريبها لعناصر من المعارضة الجيبوتية المسلحة ونتيجة لذلك أعلنت تجميد العمل في اللجان المشتركة والتواصل مع الجانب الإريتري.

وفي مطلع عام 2008م قام الجانب الإريتري بنشر معدات عسكرية ووحدات من قوته في منطقة رأس دوميرا وجزيرة دوميرا، مبررا على هذه الخطوة التصعيدية بأنها تكون جواب لـسماح الحكومة الجيبوتية لـإثيوبيا بنشر وحدات من قوات المدفعية على قمة جبل (موسى علي) الإستراتيجية والتي تلتقي عندها الحدود المشتركة بين جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، وهو ما إعتبرته إريتريا بمثابة مؤامرة لإستهداف أمنها وسيادتها.

وتتطور الأمر في الفترة ما بين الـ10 ـ 12 يونيو 2008م، إلى مواجهات عسكرية بين قوات البلدين أسفرت إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى من الطرفين.

  • تحركات الجانبين بعد المواجهات العسكرية:

وبعد تلك المواجهات العسكرية بادرت الحكومة الجيبوتية بـإعلان وجود إحتلال إريتري لأراضيها وبدأت تحركات سياسية ودبلوماسية في الصعيد الدولي والإقليمي.

هذا في حين أنكر الجانب الإريتري بوجود الأزمة من الأساس  معتبرا بالموقف الجيبوتي وتحركاتها الدبلوماسية عبارة عن حملة عدائية ضدها ومحاولة لجرها إلى مشكلة لا تعنيها.

نواصل:

الهوامش:

  1. عبد الله الفاتح، دول القرن الإفريقي: تداخل المصالح المشتركة وتناقض الاستراتيجيات الدولية، يناير عام 2013م.
  2. السفير/ عبد الوهاب الصاوي، السودان والقرن الإفريقي، المجلة السودانية للدراسات الدبلوماسية، العدد التاسع ـ سبتمبر 2011م.
  3. عبد الوهاب الصاوي، أزمة الصومال تتمدد إقليميا، مجلة آفاق المستقبل الإماراتية، عام 2010م.
  4. الدكتور/ إكرام محمد صالح دقاش، التوغل الإثيوبي في أراضي الفشقة السودانية، مجلة دراسات القرن الإفريقي، العدد السابع، أبريل 2008م.
  5. عبد الله الفاتح، الصراع في القرن الإفريقي ..الماضي والحاضر، مركز القرن الإفريقي للدراسات، مارس 2012م.
  6. الأستاذ/ عمر يحي أحمد، الصراع الإريتري الجيبوتي، موقع يحي للعلوم السياسية والدراسات الدبلوماسية، 7مايو 2015م.

 

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبد الله الفاتح

عبد الله الفاتح
باحث وكاتب صحفي. ماجستير في الإعلام بجامعة السودان للعلوم في الخرطوم (قيد الدراسة). حاصل على دبلوم عالي في الترجمة الصحفية في أكاديمية موزايك سنتر ـ أديس وبكالورياس في الإعلام بكلية الآداب في جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم. يعمل محرر ومترجم في الوكالة الجيبوتية للأخبار.

تعليق واحد

  1. التحية للكاتب
    مقالة جميلة
    ولكن أخي لا تنسي أن العلاقة بين جيبوتي وأثيوبيا برا وبحراً له صلة بتأجيج التوتر وخلق مشاكل وعراقيل تحاك وتدار من وراء الكواليس، وبعبارة أخرى لماذا جيبوتي تساعد أثيوبيا على إيجاد منفذ بحري….,و …و. رغم أن جيبوتي دولة حرة، ولها الحق في أن تتعاون مع أية دولة أو جهة حسب مصالحها التجارية، …. ولكن؟؟؟؟؟ فلستوب.

اترك رد