أخبارمقالات

مقومات الوحدة الصومالية ( 5 )

الوحدة الدينية

يعتبرالتاريخ الديني للمجتمع الصومالي غامضاً بعض الشيء، فلم يتم العثور حتى الآن مادة أولية يمكن استخدامها كأدلة تاريخية قاطعة، تلقي الضوء على الماضي الديني للمجتمع قديماً، غير أن وجود أكوام حجرية وفي أماكن متفرقة من الخريطة الصومالية، توحي بأنها كانت ذات أغراض دينية في فترات من الزمن، وحسب الثقافة العامة المحلية فإنها كانت تستخدم كنصب تذكارية لتقديم القرابين أو ثماثيل دينية، في وقت كانت عبادة الطبيعة شائعة في أوساط المجتمع الصومالي، أو أنها كانت عبارة عن مقابر قديمة تدفن فيها الشخصيات الهامة وممتلكاتهم، في الوقت الذي كانت الحياة الدينية للمجتمع الصومالي متأثرة بالحياة الدينية عند قدماء المصريين، الذين كانوا يعتبرون بلاد بونت (الصومال)أرضاً مقدسة، إذ تشير التقارير المصرية الرسمية أن سبب زيارة الملكة حتشبسوت(1490 – 1469 ق.م.) إلى الصومال بأن سيد الآلهة آمون في طيبة أوحى إليها فكرة هذه الرحلة، لأنه يحب الحاكم الصومالي أكثر من الملوك الآخرين، وبناءً على هذا الوحي الإلهي أمرت الملكة بإقامة تمثال في ساحل بلاد العطور والبخور يمثلها مع الإله آمون وحاكم بلاد الصومال تجسيداً للعلاقة الروحية بين الثلاثة، كما تأثرت الحياة الدينية الصومالية بالحياة الدينية لدى الفرس، حيث تعتبر عيد النيروز وهي الاحتفال برأس السنة الشمسية من الآثار الباقية في بعض المناطق والمأخوذة عن الفرس

ويختلف المؤرخون حول تحديد تاريخ وصول الإسلام إلى الصومال، فالرأي الأول يرى أن الصومال عرف الإسلام في حياة الرسولﷺ عن طريق الهجرتين الأولى والثانية إلى ارض الحبشة بالسنة الخامسة من البعثة، في زمن كان سكان شبه الجزيرة العربية يطلقون مسمى أرض الحبشة على منطقة القرن الأفريقي، والرأي الثاني يرى أن الإسلام وصل إلى الصومال أثناء خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه 21هـ – 642م كماورد في وثيقة ( كتاب الزنوج) وهي وثيقة عثر عليها المستشرق الإيطالي أنزيكو تشيرولًي وقام بنشرها عام 1957م، والرأي الثالث يرى أن وصول الإسلام إلى الصومال كان في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان(65 – 85 هـ ) حيث توجهت جيوشه إلى الشاطئ الأفريقي فدخلوا في دين الله أفواجاً بدون حرب أوقتال، والرأي الرابع يرى أن الإسلام وصل إلى الصومال عام 122هـ – 739م، عندما وصلت جماعة زيدية فراراً من اضطهاد الأمويين بعد مقتل زعيمهم على يد الأمويين، ويمكن جمع تلك الآراء كلها بأن وصول الأخبار الأولية عن الإسلام كانت في حياة الرسولﷺ من خلال الهجرتين إلى أرض الحبشة، ثم وصلت الدعوة الاسلامية بشكل مباشر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم توالت بعد ذلك الحملات ذات الطابع الدعوي لنشر الاسلام من جانب، والإداري لجمع الخراج من جانب آخر، فعرب الشام، وهجرة الزيدية، وحملات كل من أبي جعفر المنصور، وهارون الرشيد، وابنه المأمون، كلها حملات دعوية أو إدارية اتجهت نحو الصومال كإحدى الولايات الاسلامية، وقد ساهمت الطرق الصوفية في إنشاء عدة مراكز بالصومال لتدريس أصول الدين الإسلامي وفروعه، وبالتالي فإن وحدة الدين ووحدة المذهب الذين يتمتع بهما الشعب الصومالي دون غيره ترجع إلى جهود الطرق الصوفية في هذا المجال، حيث كانت المناظرات الدينية كافية لتقريب وجهات النظر الفقهية بين العلماء، باستثناء الحالاتالتي يكون مصدر الخلاف فيها سياسياً، حيث يلجأ أصحابها إلى الخطاب الديني لتكفير الخصوم واستباحة دمائهم، ويمكن أن نذكر بعض الأمثلة لتلك الحالات في مسيرة التاريخ الصومالي

1 –في القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت جماعة دينية في مدينة بارطيري، وقامت بتطبيق الشريعة على القرى المجاورة وفق رؤيتها الفقهية، الأمر الذي لم يعجب سلطان سلطنة جليذي فعرض المسألة على مشائخ السلطنة الذين أجازوا بقتال الجماعة، مما أدى إلى المواجهة بين السلطنة والجماعة في نهاية المطاف تلك المواجهة التي انتهت بانتصار السلطان وتدمير كامل لمدينة بارطيري

2- في القرن العشرين دخلت الطريقة القادرية بزعامة الشيخ أويس صراعاً ضد حركة الدراويش الصالحية، حيث رفض الشيخ أويس دعوة السيد محمد بالجهاد في صفوف الدراويش وانتهج بدلا من ذلك نهجاً متصالحاً مع المستعمر الإيطالي، الأمر الذي أدى إلى مقتل الشيخ أويس على يد الدراويش، ولما بلغ مقتله السيد محمد أنشد قائلاً :

قتلنا أويساً بما اقترفتــــه يـداه                 فأمطرت السماء إيذاناً بمقتله

ونصرالله الدراويش الصالحيه             فأكرمهم الله  بذكرهم وبفضله

3- في الوقت الحالي يوجد صراع سياسي حول من يسيطر على السلطة والثروة في البلاد حيث بات الجميع يستخدم الخطاب الديني كحصان طروادة  لتبرير أفعاله وتحقيق مأربه، فتوصيف الحكومات المتعاقبة أعداءها بالخوارج ليس سوى ذر الرماد على العيون وإخفاء فشلها على الأرض، وكذلك الحال بالنسبة للجماعات المتشددة التي إعتادت بوصف الحكومات بالردة والعمالة، مستدلة بمسوغات لا تمت بأي صلة للإسلام.  فلاحول ولا قوة إلا بالله

عبد القادر عبد الله عبار

الدكتور عبد القادر عبد الله عبار

باحث ومؤرخ. حاصل على دراجة الدكتوراة من معهد البحوث والدراسات العربية -جامعة الدول العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات