أخبارمقالات

مقديشو.. وهمسات الليالي

في ليل خريفي تضوع بالجمال والخيال الفانتازي كنت أصعد على أجنحة الآمال ذرى النجوم المتلألئة، وأتمعن إطلالة القمر الذي يبعث ضوءا قميئا على أحياء مقديشو  وحاراتها وأزقاتها الترابية ومقاهيها القديمة، وأحاديث المقاهي على وقع أوتار  تراثنا الغنائي المتفرد مكتوبة على أرصفة الزمان وذاكرة الإنسان الصومالي. ليل يتهادى على كتف الظلام وصمت رهيب وسكون مشوب بالخلجات الإنسانية الطبيعية في غسق الدجى أثار مزاجي الحبري، ومسرى الظلام الذي نثر  أوشحة الليل على أرجاء مقديشو التي بدأت تتزين بالبهاء وتستعيد هيبتها وأيامها الماضي ومكانتها المرموقة بين العواصم العالمية حرك مشاعري تجاه عبير الكلمات والشجن المخيم في الألفاظ وصدى الحروف.

ومضات الأحلام المتدفقة من جدآئل الروح  وشجى الليالي الذي لا يرحم على أحد، والنسيم الذي يهب صوب المحيط محملا عطرا مميزا واللوحة التشكيلية الرآئعة في أهداب السماء أثارت في روحي كوامن العشق والهوى لشخصية فريدة ذات سحر عميق في نفسي منذ أن أصبح حبها سر بلائي ونقطة ضعفي، وكنت أتذكر وأنا أصغى إلى همس الدجى وحفيف الأوراق أبيات الشاعر التونسي الكبير  أبوالقاسم الشابي: (أيها الحب أنت سرُ بلائي)!، ماذا عساه أن يقول لو داهمته لواعج الحب والدمعات المسكوبة عن مآقي العشاق تحت قبة ليل كئيب في مدينة خاملة الذكر تقع على أرنبة أنف قارة إفريقيا ولها إشراق مهيب وأصيل يذيب الضياء ويرسم بطريقة مدهشة في الأفق شفق المغيب ليهدي صفحة السماء صورة بانورامية حالمة على ضفاف الجمال والبهاء .

كنت سارحا مع الخيال ونفض الغبار عن الأحلام التي هرمت وشاخت، وأتأمل على جبين المدينة التي تعاني من القهر والإذلال وتشويه ما تبقى من معالمها بالهدم والبيع لجهات أجنبية وبثمن بخس!، وفي عز  التفكير والتأمل أتبحر  على مهل في دروب الليل الموحش، وتنتابني موجات من الإيماءت الخفية تخترق جيوب الليل وهي متدفقة من روابي مدينة تكاتفت السباع البشرية والأمراض السياسية بين مناطقها وأزقات أحيائها، وتضوع هوائها بأريج الدماء القانية التي تفور من أوردة الضحايا وشرايين الشعب وعروق الوطن وأجساد البسطاء وأعضاء الكادحين، والنفوس التي تزهق من أجسام من لا يعرف مهنة أخرى غير مهنة البارود والتعرض للأخطار بسبب هزيمة الأقدار ونسف بيوت المجاعة وهدم ممتلكات الفاقة ومصادرة أغراضها وأعراضها.

أتجول على الأحياء القديمة للعاصمة مقديشو، البيوت مهدمة وتشبه مصيدة للعابرين، والطرق مكسرة وكانها خنادق لمنافي الألم، والوجوه شاحبة، و رغم هول الدمار والأكوام المتراكمة في أحضان المرامرة والعنف مازالت الحياة نابضة بشدو الطفولة وشذرات من ألحان موسيقى بهيجة تتعالى من الأكشاش والراديو العتيق المتدلي عند فوانيس بائعات القات في شوارع مقديشو التي حفرتها الحروب وأثرتها السيول وغمرتها الصراعات العبثية الدآئرة فيها منذ عقدين من الزمن.

هنا خيوط وحكاية تشابكت وتتابعت فصول معاناتها ونضارتها!، وفي مقديشو الجمال لا ينتهي أبدأ!… تتكسر زرقة البحر فوق جناح الليل في جو خريفي مشوب برذاذ المطر ووقع ترانيم صوفية تصدح من المساجد العتيقة والزوايا القديمة والمزارات الموغلة في القدم لعاصمة تحتضن مئآت الأماكن الأثرية والمساجد التأريخية التي تؤرخ قدم الحضارة الإسلامية في شرق أفريقيا وأعتناق الشعوب الشرق الإفريقية إلى الدين الإسلامي منذ فجر التـأريخ وقبل أن يصل الإسلام مدنا كثيرة من الجزيرة العربية مهبط الوحي ومأوى الرسول الكريم صلى الله علية وسلم.

في مدينة مترعة الشحوب تحضر أوتار مَغُول وشذراتها العذبة في حنجرة التـأريخ، وأغاني الصومال وطبولها وسحرها تأتي من شرخ الليل فتصفى الوجدان وتمنحنا لحظات من النشوة والبهاء. وإذا أطلقت عنان روحك فوق مقديشو سترى طيورا صادحة فوق تمثال حواء تاكو الشامخ على كتف مقديشو، ووزيرا فاسدا بثياب الشرفاء، وعجوزة مسنة بريق عيونها تنسيك الألم، وجماعات من الطلاب يغدون للمدارس والمعاهد والجماعات، وطفلا شريدا يتوسد سهوب الغسق ويستيقظ بتخمة الصباح وضوء الفجر الساطع، وحكومة غير فعالة لايخاف من سطوتها أحد، وفوضى المدن المشحونة برآئحة الإنفجارات والإغتيالات السياسية، ونقاط التفتيش، ومتاريس الإسمنت، وصخب المدافع، وكثرة التشكيلات العسكرية، والضفعفاء الذين يتقلبون فوق حصير الألم وهم يستظلون السماء ويفترشون الغبراء.

وأشواق تعبث بالروح وتلامس النفوس التواقة إلى دولة صومالية قوية وحياة متعددة الألوان والأذواق، ومتحدث ذلق اللسان يطلق عنان لسانه فينسي الجميع كل المآسي والملاحم والمناصب، وموانئ ترسوا عليها السفن المحملة بالبضائع وجميع متطلبات الحياة، ومدينة متخمة بشتى أنواع الخيرات ورغم ذالك تذبل فيها أزهار البرآءة ورحيق البهجة، ويموت فيها يوميا ملائكة بلا أجنحة بسبب الهزال وسوء التغذية والإهمال الطبي وكثرة الحوادث وإستمرارية القتال، و تجفيف ينابيع الطفولة الطرية بالأعمال الشاقة والتجنيد الإجباري.

الشعب يصارع مع أعباء الحياة ولا يبالي، والأغنياء يمارسون مباهج الحياة ويتذمرون كثرة الموز في الموائد ويعيشون حياة باذخة البريق، والفقراء يتكاثرون هندسيا و يمارسون مواجع الحياة، الفساد عاري بلا طلاء، والرشوة بادية بلا خفاء، والخوف ظاهر بلا عناء، والوزارات خاوية بلا حياة، والأقنعة شفافة تفضح أكثر مما تستر، ومخاوف أمنية وخروقات سياسية ومؤتمرات مصيرية ومباني شاهقة، ومدارس متنوعة ومظلات أهلية مختلفة وجامعات تنافس البيوت كثرة رغم ردآءت خدماتها، وإقتصاد بدأ ينعش حسب التقريرات الأممية ومغتربين يتحدثون عن سحر الأمكنة في بلاد الغرب وزيارات تأريخية صوب الأمكنة الخلابة والمتاحف العالمية والمناطق الأثرية رغم أنه في المهجر كان لاجئا يتقاضى أموالا من خزينة الدولة لأنه فقير  معدم، وكان يختار الدول بسبب ميزاتها تجاه اللاجئين والمشردين الذين يبحثون عن الحياة في أوكار الموت ومخالب الردى .

تعبت وتحملت عوادي الزمن والخيال الجامح الذي يأخذني إلى مرافئ الحياة بعيدا عن الحرمان والألم وهمسات الدجى الحزينة، وبعد رشف شاي العتمة أصغى إلى الأخبار المتناقلة والنشرات الأخبارية التي تتحدث عن الجفاف وأخبار السيول ومدنا سوف تغمر، وقرى كاملة ستكون في عداد المفقودين، والمدن ستتحول إلى بحيرات، والشوارع إلى ترع وجداول يستخدم فيها الإنسان الزوارق السريعة لعبورها!، وفي عز الذهول والشفقة لهذا الشعب المغلوب أتساءل ما مصير أمة يقودها الأشباح ويسيسها من لم تصادفه الوطنية والعدل والشفقة في دروب عمره المديد.

يتعالي الأنين وتصدح الآهات في ليل مظلم وصامت، وتتلاطم على شواطئ مقديشو موجات الأيام القادمة الحاملة بالمفاجآءت مع صخور السنوات الصلدة التي تركت على جبينها بصمات واضحة من العنف والجنوح نحو الدمار والدموع، قادة بلا عقائد، وساسة تعاني من المراهقة السياسية وتغرق في الشبر الأول من المشكلة الصومالية، وشعب بلا طموح فقد تقته بالنفس فأصبح حملا وديعا لا يتكلم ولا يتألم ولا ينفض، ووطن حباه الله خيرات طافحة وطبيعة خلابة يختفى من الخارطة السياسية رويدا رويدا ودون أن يشعر به الأغبياء، وساسة تجيد الرقص على الرماد وتخدير العقول وفن التحكم بالبشر عبر تغذية صراعات الميول وشبق الشهوة وجنوح الغرائز الفاسدة في طبيعة الشخصية الصومالية التي فقدت القيم والأخلاق أثناء مسيرتهم الطويلة ليلا  خانقا يقف على وجه الحياة.

في ظلمة الحروب وفي الممر الرئيس بين الحياة والموت يتبادر إلى الذاكرة الجماعية للشعب هل نحن نمارس الحياة الحقيقية بكل تجلياتها ومعانيها؟ يستغرب مجموعة من الخلان يتقاسمون أطراف الحديث من الأسئلة المحيرة، تتململ فئة ويتجهم أخري، تختنق العبرات وتترقرق  الدموع على مآقي بعض القوم فيصرخ أحدهم على وجه الزمن ويهتف هاتف من بعيد” الحياة التي لا يتحقق فيها شئ ولا يتم فيها إبداع أي شئ هو عمر يتبدد وزمن ضائع”!، يتصدر على المجلس وجه كئيب يحمل جبينه ملامح حقبة البوس والشقاء أو بالأحرى يتربع على قمة كومة من الدمار فيتكلم بعنجهية مقصودة: هذا كلام فلسفة وهرطقة الغوغائئين ومن يحملون قلبا مرهفا وأحاسيسا رومانسية مكثفة بالحنين.

لقد أبدعنا ألف طريقة وطريقة للهدم والقتل والتشريد والهجرات الخارجية والتزييف والربح السريع دون أن يدري أحد، لقد سرقنا الماضي وشوهنا الحاضر واستعدنا لإلحاق الضرر بالمستقبل الذي بدا يقرع الأبواب بطريقة غير تقليدية تزرع الخوف في قلوبنا، بعنا كل ممتلكات الدولة وأعطينا بعضها كهدايا لأشقائنا الأوروبيين وأصدقائنا الأمريكيين ودول الجوار الذين تعلو ضحكة صافية على تقاسيم وجوهنا برؤيتهم والتلذذ برونق حكايتهم وجميل أوامرهم وصرامة قرارهم وهيمنتهم على كل شئ في دولة كنا يوما من الأيام سادتها الحقيقيين.

لقد أسسنا حياة مؤلمة كوجع الأسنان في منافئ الألم والمدن الظامئة وسديم الغربة، وفتحنا الأبواب الإقتصادية لشركات السلاح ومقاولي الصراعات ومثيري الشغب والحروب وتجار المخدرات، لم نعد نتذكر الصبا والأطلال القديمة والأيام الخوالي، ولم نعد نستجمم على الأجواء الخلابة والسواحل الحريرية وملامح الضامرات سمرة وجمالا، ولم يعد الأصيل بقرمزيته يثير شوقي وشجني، وروعة الشروق باتت شهابا ذاب في قلوب الفضاء، لقد سرقنا الحجر والشجر قبل البشر، بصقنا على وجه التأريخ ومزقنا الجغرافيا ومنحنا التربة والمحيطات لدول كانت غريبة فأصبحت عزيزة تعاني من كبوة إقتصادية وهذا كرمنا الفياض وحسن جوارنا ونظرتنا الثاقبة للأشياء وإيماننا العميق على تقاسم السلطة والثروة للأجانب وتهميش وإقصاء المواطنين من الحياة والعملية السياسية برمتها.

بأفعالنا الشنيعة تحولت مقديشو من عروس المحيط إلى عجوز المحيط، جعلنا المحيط مزبلة عالمية للنفايات السامة ومكانا يضم مخلفات العالم ومخزنا إستراتيجيا للقمامة الشركات الكبيرة العابرة للقارات، لقد زرعنا في قلوب الشعب خلايا تلتهم الأشياء وتقتل الأفكار وتغتال النخوة وتدمر الوطنية وتنمي الحقد والحسد وتزرع الإنفصال والتشظي والتحزب والجهوية والمحسوبية البغيضة.

و” الحياة توتر مستمر بين ما هو كائن وما ينبغى أن يكون” وهذه مشكلة الحياة التي لم يستطع احد حلها منذ الأزل لذا اخذت المبدأ الفلسفي المشهور” لقد أبحرت بنا السفينة وليس في وسعن سوى أن نمضي ” أن نمضى مع واقعنا وأن نستمتع مع الإبتسامات العريضة للقادة والعنجهية البغيضة للحركات التآئهة، وإستبداد السياسيين، وأن نتذكر ونحن نعدد مساوي الضعف وعدم التحكم وهشاشة النظام والترهل الذي أصاب مفاصل الدولة وأجهزتها، السلطات الإستعمارية وتسلط الأنظمة البائدة وتكميمها أفواه الشعب قبل أن تصل الدولة مرحلة الإنهيار التي هي المرحلة الأخيرة من الفشل والإستسلام، يجب أن نثمن المجهودات الجبارة والنقلة النوعية من دولة منهارة إلى دولة هشة ولم يتحقق هذه النقلة النوعية إلا بعد التبذير  وإختلاس الأموال العامة وغسل الأموال، وبسبب السفريات الكثيرة والمبيت في الأبراج العاجية، والفنادق البعيدة عن صخب مقديشو وضجيجها، والفاشلين الذين يجلسون في كل بقعة وزاوية يحللون الأوضاع ويسبرون غور الحكومة والهئيات الأجنبية دون أن يحاولو تقويمها بطرق أكثر فاعلية.

وأعلم يا صاح أن تجارة البشر عمل رآئج مضمون العواقب، ونهب الخيرات أقصر طريقة لملء البطون والوصول إلى أعلى الهرم السياسي الصومالي، وليكن المال الفاسد والرشوة والجهوية وكل عامل يبعدك عن العدل والإنصاف والوطنية سلاحك الفتاك، والخطاب الرومانسي يجب أن يسود، وأن نترك الإعتماد على جدران الوهم والتشبث بالمبادئ العتيقة التي عفى عليها الزمن.

إهتز جسدي مذهولا ومستغربا، فحاولت نسيان القصة وكلمات الشبح القادم من عمق الأحلام الكريهة ولكن الحكايات المؤلمة تجعل ليلي صامتا ومبلولا بالقهر والضنى والحكاوي الموجعة، وتطرد النعاس من الأجفان المثقلة بالنوم،  فيقضي الجسد ليله ساهرا يناجي أطياف الأحداث الحاملة بألوان الماضي وحكايات مليئة بأخبار الأيام وهموم الحزانى ودموع القلوب الكسيرة.

حسن محمود قرني

حسن محمود قُرنَي كاتب ومدون صومالي خريج جامعة أفريقيا العالمية كلية العلوم قسم جيولوجيا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات