مقالات

في ذكري يوم العَلَم: دعوة لردّ الجميل!

بقلم /علي حلني **
يحتفل الصومال حكومة وشعبا اليوم (12 أكتوبر2015) بالذكرى الـ 60 لرفع العلم الصومالي لأول مرة في تاريخ البلاد. ويرجع الفضل في ذلك الي رجلين عظيمين أحدهما صومالي وطني، والثاني مصري مناضل تغمدهما الله برحمته.
الأول هو الحاج محمد عوالي ليبان (-2001) الذي كان عضوا في برلمان الإدارة المحلية أثناء الاستعمار الإيطالي. والثاني هو محمد كمال الدين صلاح (1910 – 1957) ممثل مصر في المجلس الاستشاري للأمم المتحدة الذي كان يشرف على مسيرة نيل الصومال استقلالها وكان هذا المجلس يتكون من الأمم المتحدة ومصر والفلبين وكولومبيا.
وكما تذكر مصادر تاريخية متطابقة، المندوب المصري كمال الدين صلاح قيادات الأحزاب الصومالية آنذاك وأعضاء في البرلمان المحلي تحت الاحتلال الي مأدبة غذاء في منزله في مقديشو، وكان ذلك في بداية أكتوبر 1954، وقال لهم ” “إن الصومال سينال الاستقلال بعد عدة سنوات كما هو المخطط، غير أن الصوماليين ليسوا على علم بما يجري، ولذلك أري أن يتم زرع بذور الأمل في نفوس هذا الشعب وتصميم علم خاص بالبلاد ليرفع إلى جانب العلم الإيطالي في كل مكان في الصومال ليعرف الشعب بذلك لتعزيز تطلعهم الي حلم الاستقلال القادم”.
وأوصى كمال الدين القادة الصوماليين في ذلك العهد بعقد “اجتماعات تشاورية لاختراع العلم الذي يكون شعارا للصومال بعد الاستقلال”. وقال لهم: “أمامنا أسبوع واحد لنتلقى مرة أخرى على مأدبة غذاء ثانية في هذا المنزل للبت في هذا الأمر المهم”.
وبدأ الناشطون الصوماليون وقيادات الأحزاب في ذلك الوقت مشاورات حثيثة حول شكل العلم المقترح. وبعد انقضاء مدة الأسبوع، اجتمع الساسة الصوماليون في منزل المندوب المصري كمال الدين صلاح، وعرض كل حزب علما يحمل شعاره الخاص ليتم اعتماده علما للصومال، إلا أن السفير المصري لم يقتنع بواحد من هذه التصاميم المعروضة لأنها كان تعبر عن أحزاب وليس عن الصوماليين وعن بلدهم جميعا.
وخلال الأيام التي أعقبت مأدبة الغذاء الأولي التي أقامها السفير المصري للسياسيين الصوماليين، انعقد لقاء آخر بين السفير المصري كمال الدين صلاح والحاج محمد عوالي ليبان والذي كانت تربطه علاقة صداقة خاصة بالسفير المصري، وكانت عنده فكرة أبدعها حول العلم الصومالي المستقبلي.
وبالحقيقة رحب السفير المصري بفكرة الحاج عوالي، حيث اقترح أن يكون العلم ذا لون أزرق كالسماء تتوسطه نجمة بيضاء ذات خمسة أضلاع ” في إشارة إلى الأقاليم الصومالية الخمسة التي مزقها الاستعمار عند احتلاله للأراضي الصومالية، وقال كمال الدين للحاج عوالي “إن هذا تصميم رائع ويمكن أن يعبر عن جميع الصوماليين، واقترح عليك أن تعرضه في الاجتماع حين تقدم الأفكار حول المسألة ليرى الآخرون فكرتك”.
حضر السياسيون الصوماليون منزل السفير في الموعد، وكان بحوزة كل حزب علم خاص كان يفضل أن يقع عليه الاختيار كعلم للصومال، وجرت مناقشات ومداولات حول جميع التصاميم التي قدمها الأحزاب، إلا أنه لم يكن هناك علم نال ثقة الحاضرين، وبعد ذلك قام قال كمال الدين صلاح وقال للقيادات الذين حضروا الاجتماع “إن عند الحاج محمد عوالي فكرة عن العلم وأري أن نناقشها ” فقال الجميع مرحبا بالحاج محمد.
وقف الحاج محمد عوالي ليبان وسط القاعة وأخرج من جيب سترته العلم الذي أبدعه وعرضه على الحاضرين واحدا تلو الآخر، وشرح دلالات الألوان وما تستند إليه من معاني وطنية. وعند انتهاء الحاج عولي من العرض، وقف له جميع الحاضرين وصفقوا له بحرارة، واقترح المندوب المصري نقل الأمر الي البرلمان المحلي للتصويت عليه تمهيدا لاعتماده رسميا.
وفي مثل هذا اليوم 12 أكتوبر من عام 1954 تم تقديم فكرة العلم الجديد إلى البرلمان المحلي، ووقف محمد عوالي ونشر العلم أمام أعضاء البرلمان المحلي صفا بعد صف وتم التصويت عليه بالموافقة بالإجماع. وتذكر بعض المصادر التاريخية بأن أعضاء البرلمان المحلي صفقوا لمدة خمسة دقائق دون انقطاع، وقد غلب عليهم الحماس وانهمرت الدموع من بعض الأعضاء تأثرا بهذا الحدث. وبعد ذلك اليوم رفع العلم الصومالي في كل مكان إلى جانب العلم الإيطالي، ولاح للصوماليين في الافق آمال الاستقلال، وأصبح للصومال شعار يعرف به ويميزه من الآخرين.
وقد استقيت معظم هذه المعلومات التاريخية من كتاب غير مطبوع بعد وضعه الكاتب الصومالي الشاب الصديق العزيز “أحمد علي أغاس” والذي جمع فيه مذكرات الحاج مختار محمد حسين (1912 – 1912) رئيس البرلمان الصومالي في الفترة من 1965 – 1969، وقد كنت جالسا الي جنب الكاتب عندما كان يروي عن الحاج مختار قصة العلم. كما تشرفت بمرافقة الكاتب في جلسات أخري عندما كان يسجل المذكرات عن الحاج مختار، في منزله الكائن بحي هودن بمقديشو.
وأعتقد أن مرور الذكري الستين علي رفع العلم الوطني في سماء هذه البلاد، وفي شتي أنحاء العالم هي مناسبة مهمة لمراجعة ما آلت اليه بلادنا وما يمثله هذا العلم الرائع. انها مناسبة للتأمل والترحم على كل من ساهموا في حماية هذا الوطن وشعبه ليكونا بالمكانة اللائقة بين الأمم والشعوب، إنها مناسبة لرد الجميل والاعتراف بالرجلين العظيمين الصومالي محمد عوالي ليبان، والمصري محمد كمال الدين صلاح، وكل من ساندوهما في تحقيق هذا الإنجاز، رحمة الله على الجميع، وكل عام وأنتم بألف خير.
وأختم مقالتي بالأغنية الخالدة التي ألفها الأديب الصومالي حسين أو فارح وغناها الفنان العظيم عبد الله قّرشي (1924 – 1994) رحمة الله عليهما. وتقول الأغنية:
لكل شعب علم بألوان خاصة.
وعلم شعبنا بلون السماء بدون غيوم
أحبوه!
أيتها النجمة البيضاء أنت نصر لنا
أنت رمز بلادي وشعبي
كوني كشمس الضحى
لا يمكن حجبها أبدا!

** هذه المقالة تنشر بالتزامن في كل من موقع مركز مقديشو للبحوث والدراسات، وموقع الصومال الجديد، باللغة العربية وموقع دَدْكا أون لاين، باللغة الصومالية

على حلنى

صحفي صومالي يعمل ويقيم في مقديشو، ورئيس نقابة الصحفيين الصوماليين، عضو المكتب الدائم لاتحاد الصحفيين العرب، يعمل حاليا مراسلا لتلفزيون وراديو ال بي بي سي عربي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى