أخبارالركن الثقافيمقالات

تجديد الفكر الإسلامي ومساراته في الصومال (ركن إسبوعي 7)

التجديد الإسلامي عند السيد محمد عبد الله حسن

قبل الدخول في بيان الدور التجديدي للسيد محمد عبد الله حسن ،من الأهمية بمكان إلقاء بعض الضوء على جانب من نشأته وأطوار حياته والطريقة الدينية التي انتمى إليها وكذلك المؤثرات المحلية والعالمية التي صنعت شخصيته.

نبذة عن السيد محمد عبد الله

هو محمد عبد الله حسن نور ،ولد في موضع قريب من مدينة بوهودلي يدعى “سَعمَديقو” Sac ma deeqo على بعد 170ميلا جنوب الشرق من بربرة في أبريل عام 1864م (قلت: وقيل 1856 ويكبيديا ولعله الصحيح) وكان جده الشيخ حسن شيخ نور من الأجادين انتقل إلى أرض الطلبهنتا وتزوج منهم، وفي سن السابعة من عمره بدأ بدراسة القرآن الكريم، وأتم حفظه قبل بلوغه العاشرة وأصبح مساعدا لمعلم القرآن، وفي السنوات التالية من عمره قرر تكريس حياته للدين بهمة ومثابرة، وفاز بلقب ” شيخ” لعلمه وورعه ولما يكمل العشرين من عمره وكان يحب مجالسة العلماء، وأخذ عن كثير منهم العلم والأدب. وفي سن العشرين غادر قريته وزار مدن هرر ومقديشو وكانت مركز علمية شهيرة آنذاك ، وسافر كذلك إلى نيروبي والسودان، وفي عام 1891 ورجع إلى بلاد أخواله، وتزوج من امرأة من نفس قبيلته الأجادين، وبعد ثلاث سنوات عزم الشيخ محمد الرحلة إلى الحج بصحبة 13 شيخا من رفاقه، وقضى سنة في بلاد الحجاز وأثناء ذلك قيل إنه زار فلسطين، وأثناء وجوده في مكة التقى بشيخه محمد صالح السوداني وتأثر بطريقته، ثم رجع إلى الصومال، وهو يعتزم إحياء الروح الدينية في شعبه ، ويبشر بآرائه والطريقة التي اقتنع بها، واستقر في بربرة 1895م وتزوج بها زوجته الثانية، عارض مضغ القات والتنباك ودعا إلى التمسك بالعقائد الإسلامية والتزام شعائر الإسلام والرجوع إلى عهود السلف الصالح في فهم الدين، ونجح في ضم قليل من الأنصار إلى طريقته.

وبسبب مضايقات من حكام المحمية، ومعارضة شيوخ الطرق القادرية لمشروعه الإصلاحي أدت إلى إغلاق مسجد الصالحية في بربرة انتقل بعد ذلك إلى مضارب أخواله وأسس مركزا للطريقة الصالحية، محذرا من النشاط التنصيري الذي بدأ ينتشر داخل المحمية البريطانية، وفي 1 سبتمبر 1899 تلقى القنصل البريطاني في محمية أرض الصومال رسالة من السيد يتهمه فيها باضطهاد الصوماليين ومن هنا اعتبره القنصل متمردا وأقنع حكومته بتجريد قوات لمحاربته ومن معه من الدراويش. تطورت تلك المعارك إلى سجال دموي وسلسلة من المعارك والمنازلات، تثور ثم تهدأ ، وقد أنشأ السيد لنفسه إمارة قوية، وأسس مدنا وقلاعا ما زالت من أهم المعالم التراثية في الصومال،وكبد بريطانيا خسائر في الرجال والمال، ولم تدخر وسعا في توجيه الحملات الحربية لقمعه ولكنها لم تنجح في مسعاها إلا بالدسائس والرشوة ثم باستخدام أسطولها الجوي الرابض في عدن بعد عشرين عاما من الكفاح ، وأخيرا وافته المنية في موضع يسمى (إيمي)Iimay داخل أراضي الصومال الغربي في 21 ديسيمبر عام 1921م[1]. بعد حياة مليئة بالحيوية والنشاط ، وبعد القيام بواجب الدفاع عن حياض الأمة بما لديه من أسباب ، لقي السيد محمد عبد الله حسن  ربّه ،-رحمه الله – وكانت آخر كلماته : لا حياة لكم بدون وحدة # احذروا الخونة وحاربوا المستعمرين، فوفاته كانت مصيبة حلت بالصومال، وانطفأ المصباح المضيء، وانتقلت من عهد الحرية إلى عهد العبودية[2]. هذا، ويعد السيد محمد رمزا مثاليا، وأبا للقومية الصومالية ، ومصدرا للإلهام لحركات التحرر التي جاءت بعده.

الطريقة الصالحية

تنسب إلى محمد بن صالح، وهو ابن أخ إبرهيم الرشيد أحد تلاميذ أحمد بن إدريس مؤسس الطريقة الأحمدية، وقد توفي محمد بن صالح عام 1919م. وأتباع الطريقة الصالحية برزوا بقوة في الإقليم الشمالي من الصومال ،كما كان لهم وجود أيضا في الإقليم الجنوبي، ولهم حكمة سياسة وحكمة لا توجد في غيرهم [3]، وتشارك الصالحية الطريقة الأحمدية التي تفرعت منها ومعظم الحركات الصوفية التي مستها يد الإصلاح مطالبتها بإحياء الشريعة والرجوع إلى الكتاب والسنة ورفض بناء القباب والمزارات باعتبارها وسيلة إلى الشرك بالله العظيم في العبادة ، وتنقية التصوف مما علق به أي الدعوة إلى التصوف المنضبط بالوحيين وإجماع الأمة، كما تميزت الصالحية بالنزعة الجهادية والدعوة إلى بناء الدولة وإقامتها عبر الجهاد كما فعل السيد محمد عبد الله حسن مؤسس حركة الدراويش وأبو الكفاح الوطني ضد الاستعمار في أوائل القرن العشرين، والشدة على محاربة الاستعمار[4].

وثمة تساؤل قد ينقدح في الأذهان وهو :لماذا لم يتجاوز السيد محمد الانتماء إلى الطرق الصوفية إلى ألوان أخرى من التنظيمات الدينية أو الروابط والجواب المنطقي هو أن يقال إن التصوّف كان يمثل أسلوب التدين الشائع في ذلك العصر وكان الانتماء إلى طريقة دينية “موضة” ينجذب إليها كل طالب خير، وكان فيها الروح وروح التآخي والخروج من شرنقة العصبيات الضيقة ،وتؤهل لصاحبه أن يصير عالميا .

المؤثرات الفكرية لدى السيد محمد عبد الله حسن

من النظر إلى سجل حياته وآرائه نجد أن من أهم المؤثرات على شخصية السيد محمد عبد الله حسن تنشئته الدينية القوية، وانتماؤه إلى تلك الطريقة الصالحية- الأحمدية التي تحمل بعض الميول السلفية الحنبلية مثلها مثل السنوسية لمعارضتها بشدة فكرة زيارة القبور على أمل الحصول على الوساطة أو البركات[5]. بالإضافة إلى رحلاته المتعددة التي شملت شرق إفريقيا والسودان، وبلاد الحجاز وفسلطين على ماذكر، حيث فتح عينه على حركات المقاومة التي تشكلت في أطراف العالم الإسلامي وتعرف على بعض قادتها، ومنها حركة المهدي في السودان توفي المهدي 1885م، ومن أشد هذه المؤثرات تغلغل الاستعمار البريطاني لشمال الصومال منذ يوليو1884 حيث استطاع الميجور هنتر البريطاني عقد معاهد مع قبيلة هبر أول، وما يفرضه على الشعب من إتاوات التي يمكن أن تتطور إلى جحيم لا يطاق، ومن تلك المحفزات الممارسات الاستفزازية التي تمثلت بنشر المسيحية داخل الأراضي الصومالية.

ملامح التجديد عند السيد محمد عبد الله حسن

  • الإصلاح العقدي بنبذ البدع المنافية لصحيح الدين

اعتبر بعض من كتب عن الطرق الصوفية في المجتمع الصومالي الطريقته الصالحية، طريقة متشددة تجاه الطرق الصوفية الأخرى، نظرا لأن السيد محمد عبد الله حسن وجه انتقادا للطرق الصوفية الأخرى بشدة، وحسب المؤرخ أ.م. لويس فإن ساحة الطرق الصوفية في الصومال منذ القرن التاسع عشر الميلادي شهدت تأثيرات كثيرة من أهمها التأثير الوهابي القادم من الجزيرة العربية، وأشار إلى أن السيد محمد عبد الله حسن انتقد بشدة الطرق التقليدية المحلية ونمطها الديني الذي يعتمد على البركة، مع ملاحظة أن السيد نفسه من الناحية العملية ظل يتعامل مع شيخه محمد صالح باعتباره وليا، وقد ألف السيد قصيدة شهيرة يثني فيها شيخه محمد صالح ويعدد مناقبه باعتباره من أولياء الله الكرام [6]  وأشار مؤرخ غربي آخر أن أتباع الطريقة القادرية تعرضوا لنقد مرير من خصومهم- يقصد الطريقة الصالحية- بسبب عادة الوساطة من خلال الشيوخ، وأعلنت الطريقة الصالحية أن زيارة القبور غير صحيحة من وجهة النظر الإسلامية[7] ومن جانب آخر فإن النزاع وصل إلى أشده بين الطريقتين حيث اتهمت القادرية بممالأة المستعمر ، بينما رفضت القادرية نهج السيد محمد عبد الله حسن الذي يعتمد على المقاومة واللجوء إلى السلاح في وجه المستعمر، وتطور الصراع بين الفريقين إلى صراع دموي حيث اغتالت فرقة من الدراويش الشيخ أويس القادري في بيولي 1919م وانتقلت تلك النزاعات إلى ساحة النشاط العلمي والتأليف حيث ألف الشيخ عبد الله بن يوسف القطبي مجموعة خمس رسائل منها رسالة ( السكين الذابحة على الكلاب النابحة) و( نصر المؤمنين على أهل الردة والملحدين )وكلتاهما تتناولان الرد على الصالحية[8]. ويشهد لحضور هذا التوجه الإصلاحي العقدي في فكر السيد محمد عبد الله منهجه التربوي الخالي من أهم عناصر التربية الصوفية حيث إنه لم يؤثر عنه أنه أسس زوايا للسماع أو بنى مشهدا أو عمر ضريحا ، أو شد الرحال إليه مع سيادة هذه التوجهات في عصره ، وهذا ما هيج عليه زعماء الطريقة القادرية في شمال الصومال لوجود اختلاف فكري بين الجانبين.

  • تشجيع الحركة العلمية

المتبادر إلى الذهن هو أن حركة السيد كانت تعتمد على الاستنفار والحماس ، ولم يكن في برامجها للعلم والتربية نصيب أي أن مركزها لم يك منهلا للعلم إلى جانب مقاومة المستعمر،[9] صحيح أن التحميس والاستنفار من الجوانب الغالبة عليها ولكن البعد العلمي لم يكن غائبا كليا لوجود دلائل تشير إلى وجود حركة علمية لدى حركة الدراويش، من بين من أدلوا بهذه الشهادة الشيخ المعمر طاهر أفقرشي[10] قارئ أشعار السيد بصوته الندي فقد ذكر أن سفينة مشحونة بالكتب من مصر رست في مرسى عيلايو بالقرب من بوصاصو، ونقلت تلك الكتب إلى مقر الدراويش في تليح. ومن الأمثلة التي تؤكد توفر المصادر الإسلامية لديهم الرسالة التي بعثها السيد إلى قبيلة بيمال حيث نقل فيها بعض أقوال ابن تيمية بل رجع إلى مجموعات كبيرة من المؤلفات الحديثية والفقهية، والشيخ طاهر افقرشي كان ابن ثماني سنوات عندما قصفت الطائرات مقر الدراويش، وقتل أبوه في القصف[11]، وعدم إبراز هذا الجانب من النشاط العلمي في مركز الدراويش يعود حسب الشيخ حسن إبراهيم إلى اسباب منها: أن الاحتلال البريطاني تعمد لطمس تاريخ الدراويش والقضاء على آثارها، وقال: يترجح عندي أن الآثار العلمية قد نقلها الاحتلال إلى مناطق أخرى أو أتلفها ضمن ما أتلفها من تراث. وأيضا فإن المجتمع الصومالي البدوي لم يكن يعير تلك الجوانب الثقافية والعلمية ولذلك انصرف الاهتمام إلى المعارك والأشعار. وحركة الدراويش حسب الشيخ طاهر كانت تحكمها نخبة من العلماء في مجلس اسمه المجلس الخصوصي، وهو الذي أدى تصدعه إلى انهيار الدراويش بعدما اختلف بسبب الرسالة المزورة التي قيل إنها أرسلت من مكة، ومما يدل على أن السيد لم يكن وحده هو الذي يتصرف في كل الأمور، ويدل على أن الأمر كان شورى بينهم حادثة الرسالة بحيث لم يكن من دأبه إجراء الرقابة على الرسائل بل كانت تقرأ مباشرة في المجلس قبل أن ينظر فيها إذ كان بإمكانه إتلاف الرسالة إذا قرأها قبل عرضها على المجلس، وكان هذا المجلس يجمع جلة من قبائل شتى منهم عبد الله قريو من قبيلة أبغال، والشيخ أحمد فقي من عشيرة رير أو حسن، وغيرهما الكثير”أهـ كلام الشيخ حسن إبراهيم. ومن جهة أخرى فإن الجدل والتنافس بين الطريقة الصالحية وخصومها قد أتاح الفرصة لنمو التعريب وظهور بشكل واضح ،  وقيام حركة علمية، وتطوير أساليب الحجاج الديني فألف بعض العلماء كتبا ورسائل ونظموا قصائد أكثرها في المسائل الصوفية بالعربية، ومن أهم ما دونوه في رسائل التصوف تلك المجموعة التي جمعها الشيخ عبد الله بن يوسف وهي خمس رسائل منها رسالة ( السكين الذابحة على الكلاب النابحة) و ( نصر المؤمنين على أهل الردة والملحدين ) وكلتاهما تتناولان الرد على الصالحية[12]. وألف السيد نفسه كتاب “قمع المعاندين” ومنظومة في التوحيد، وله خطب في الحث على الجهاد ضد الكفرة والأجانب، وخطب في الحث على التضحية بالنفس والنفيس والصبر والمثابرة[13]

  • إحياء فريضة الجهاد ضد المستعمر

إن إحياء فريضة الجهاد وربطها بالإيمان وعقيدة الولاء والبراء هي من أشد ما يخيف المستعمر، وهي كذلك ما يمنح الصومالي قوة ذاتية تمكنه من مجابهة قوة عاتية بوسائل بدائية ولكن بقلوب عامرة بالإيمان تواقة إلى الشهادة والاستشهاد، وبهذا فإن رفع لواء الجهاد الديني كان من أشد ما يزعج المستعمر الذي، لأنه كان يتخيل أن الشعب الصومالي المنقسم إلى عشائر، لن يستطيع بوسائله البسيطة تحد المستعمر ، وبهذا تكون حركته جزءا من حركات النضال التي قامت في جنبات العالم الإسلامي ، يقول المؤرخ المصري عبد المجيد عابدين :” …وشهد الصومال حركة مماثلة قام بها محمد عبد الله حسان( كذا) وهي تشبه من وجوه كثيرة مهدية السودان، فقد كان محمد أحمد الدنقلاوي سمانيا وكان الصومالي صالحيا… وانتهى به الأمر إلى المناداة بنفسه مهديا [14]وأعلن الجهاد على المشركين من الأجانب والصوماليين الذين رفضوا الإذعان له..وظل في جهاده يناضل البريطانيين حتى توفي سنة 1920م فكانت دعوة وطنية دينية مخلصة ترمي إلى توحيد القبائل تحت لواء الإسلام ونشر الثقافة الإسلامية، وطرد العدو الأجنبي” [15] ، وقد دافع السيد بحرارة وجرأة عن موقفه الثابت بوجوب النفير للجهاد، وذبج الرسائل العديدة دفاعا عن رأيه منها رسالة رائعة سماها “مباحث المنافقين” بين فيها رأيه في الضرب بعنف على أيدي الذين يثبطون العزائم، ويفرقون بين أبناء الأمة الواحدة،وينأون بأنفسهم عن الجهاد، وتحمل تبعاته،وقد بدأ رسالته بقوله:” نحن قوم آمنوا بالعزم والإيمان وعقدوا نيتتهم أن يدافعوا عن دينهم ووطنهم،وشرفهم بآخر قطرة من دمهم يجاهدون في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الإسلام إلى أن يحققوا غرضهم،أو يستأصلوا من فوق الأرض،ونحن قوم نكافح لنطهر جميع أنحاء بلاد الصومال من الأعداء الكافرين المستعمرين لأننا نعلم تماما أنه لا يمكن أن نعبد الله في أرضنا آمنين مطمئنين، ولا نقيم أحكام كتابه ولا أن نستمرئ خيراتها، ولا أن نستنشق نسيم الحرية فيها إلا بعد تحقيق الغرض المذكور ..”[16] وقد علق عليه الشيخ عبد الرحمن النجار في كتابه ” الإسلام في الصومال”هذا النص بقوله :” وبهذا يتضح ما للطرق الصوفية ورجالها من أثر رائع في مقاومة الاستعمار،وفي الحفاظ على العقيدة الدينية، وفي نشر الإسلام ومبادئه وفي الحفاظ على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد …إلخ ” .

  • تطبيق الشريعة الإسلامية

المتتبع لنشاط السيد يجد أن الإسلام كان يمثل الفكرة المحورية الجامعة لحركته التي غلب عليها فيما بعد جانب الجهاد والتحرير لخطورة العدو الداهم، ولكن نشاطه الإصلاحي استهل بالدعوة إلى التمسك بالعقائد الإسلامية وتطبيق الشعائر الدينية بحزم فكانت حركته نداء عاليا لتطبيق الشريعة لإحيائها بعض الجوانب المهمة من الشريعة الإسلامية فكان من إنجازات ثورته إحياء الدين على منهج الشيخ أحمد بن إدريس الذي تنتمي إليه الطريقة الصالحية وتطبيق الشريعة الإسلامية وإضعاف التراث اللاديني في الثقافة الصومالية وحسب رأي الكاتب فإن درجة التطبيق اقتصرت في عهده وفي الإمارة التي أسسها على رفع الوعي والحث على الالتزام ومطالبة الأفراد بالعمل وفقا لما تمليه العقيدة الإسلامية ومنع الاختلاط ،وفرض الحجاب[17] ولم يتطور إلى مستوى متكامل للتطبيق يشمل إقامة قضاء متكامل يقضي في أنحاء المعاملات الشرعية والحدود، ولم يشتهر قيامه بتنفيذ الحدود الشرعية .

  • رفع الوعي والشعور بالهوية الثقافية

إن مشروع السيد رحمه الله ما هو إلا استجابة لتحد الهيمنة الاستعمارية التي حاولت بسط سلطانها بالقوة، وإخضاع الشعب الصومالي المسلم فكان بأمس الحاجة إلى جهة تنفخ فيهم الشعور بالعزة، وتفتح عينهم على المخاطر المحدقة والمتوقعة إذا لم يتحركوا، فكان رفع الوعي بمثابة قطع الطريق أمام الاستعمار البغيض ، وتعطيل كثير من مشروعاته الثقافية ، تأمل قوله ردا على القصيدة التي أرسلها إليه الشيخ القطبي

هذا زمان والبلاء            في البلاد عما

والعرف فيه منكر         والنكر فيه قد نما

والحق مر يجتنب            والظلم أمر يهتما

والعذر للجهال وال       فسوف أعني المجرما[18].

وواضح من هذه الأبيات لهجة ساخطة على واقع المسلمين تتوق إلى الإصلاح والتغيير , وهو ماقام به السيد محمد، وهكذا ، فقد تصدى بوعي محاولات تغيير هوية الصومال بمجاهدة المستعمر بمختلف السبل السياسية والعسكرية مما أعطى الأمة الصومالية مناعة قوية ضد التغريب والثقافة الأجنبية كما ساهم في توحيد المزاج النفسي للمسلمين في الصومال الكبير..

  • البحث عن دولة قوية تتمتع باستقلال سياسي

إن أشعار السيد محمد عبد الله حسن تتضمن بقوة عنصر بناء الدولة للشعب الصومالي الكبير، فقد عاب السيد علماء عصره الذين اعتبروا الإسلام مجرد شعائر واوراد وصلوات ، ويعيبهم على انتظار الهبات والعطايا والقرابين ، ويحثهم على التربع على منصة قيادة الأمة. هذا على مستوى التنظير أما التطبيق على الأرض فمن الواضح أن السيد وضع كل ثقله في توفير سبل الدعم للحروب التي خاضها مع المستعمر، ولم ينفق جهدا كبيرا في بناء دولة ذات أركان ثابتة، تسمح بتداول الحكم أو تهيئة خليفة من بعده. وقد اصطدمت طموحات بمغالبة المشكلات المتجذرة في النسيج الاجتماعي للصوماليين الذين لم يشهدوا وحدة سياسية منذ حروب الإمام أحمد جورى في القرن السادس عشر، والذين عاشوا حياة الحرية والتنقل على شكل وحدات قبلية ذات مصالح متناقضة، وحسب المستشرق أ.م .لويس فليس المستغرب هو تلاشي حكم السيد عقب وفاته، ولكن الاستغراب الحقيقي يكمن في أنه لم يؤسس هذا الحكم قط[19].

  • تطوير الفكر الديني، ورفع مستوى الأداء العلمي

وهذا يتجلى من النظر إلى رسائله وردوده على خصومه، فعلى سبيل المثال رسالته إلى زعماء قبائل بيمال أثناء ثورتهم المجيدة على الطليان أبانت – بكل وضوح – أن السيد كان يحمل في ذهنه مشروعا تغييريا ، وأنه كان متسلّحا بالقدر اللاّزم من العلم الشرعي ، وأن قراءته للأحداث كانت متينة ، وقدرته على إقناع الخصوم ودحض شبهاتهم بالأدلة العقلية والنقلية كانت في عاية التمكن والقوّة بحيث تخصع لها الرقاب ، وإلمامه بأقوال العلماء والاستشهاد بها تدلّ على طلبه المتين للعلوم الشرعية ، فتراه يستشهد ضمن رده على الشبهات المثارة حول جهاده ضد بعض القبائل التي كانت توالي الكفرة بأقوال لابن تيمية فقال في معرض رده على بعض تلك الشبهات حيث قال : قال الإمام ابن تيمية : حديث ” من تشبّه بقوم فهو منهم ” أقل أحواله  أن يقتضي تحريم التشبّه بهم ، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه..أهـ فانظر كيف وصفه بالإمام .

وتظهر تلك الرسائل والردود المتبادلة بينه وبين أقطاب الصوفية في عصره إلمامه بالجدال الفكري بين رجال الحركة  الإصلاحية في نجد ( حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) وبين مناوئيهم ،فإن التهم التي وجهت إلى السيّد محمد عبد الله هي ذاتها التهم الموجهة إليهم  والتي يحاول تفنيذها فانظر مثلا إلى قوله : “وأما قولهم لا يجوز التعرض على أهل لا إله إلا الله فليس بإطلاقه كما علم من الكتاب والسنة ، لأن معاشر المسلمين قد قدروا على أن لا يتعرض أحد لأحد من أهل التوحيد إلا بسبب شرعي ، منها الإخلال في الأعمال ، فإن أخل بشئ منها ولو بترك جماعة أو جمعة فيتعرض لأجل هذا ، ولكن نعتقد أنه مؤمن ناقص الإيمان  … انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله  –[20].

توفّي السيّد بعد أن خلّف للصوماليين فيضا من الحكم والأشعار، والمواقف التي أصبحت على لسان الصوماليين عبر السنوات والتي لا ينساها المجاهدون في العصور المتعاقبة  “[21] .

والمشكلة أنّ عامة الشعب الصومالي يجهل المضامين الفكرية لحركة السيد محمد عبد الله حسن ، وحكومة الثورة قد اكتفت بإبراز طرف يسير من سيرته باعتباره بطلا قوميا . والحقيقة أن السيد محمد عبد الله حسن كان قد رفع راية القومية الإسلامية بينما كانت الراية التي رفعتها الدولة هي الراية الوطنية العلمانية ، ولهذا خافت السلطات من أن تصبح سيرة المجاهد زادا فكريا وسياسيا للحركات الإسلامية الناشئة ،كما أن تمجيد السيد محمد عبد الله حسن يعني ضمنيا إدانة لرموز الطريقة القادرية ، وللفكر الصوفي السائد في الصومال [22] .

المراجع والهوامش

[1] – معظم ما جاء في هذه الترجمة المختصرة من كتاب أ.أم لويس في كتابه التاريخ الصومالي المعاصر Modern Somali History  ص: 65-70.

[2] – أحمد عبد الله ريراش، كشف السدول ص: 192.

[3] – حمدي السيد سالم، الصومال قديما وحديثا، جـ1 ص 416 ط 1965م.

[4] – حمدي السيد ، مصدر سابق.

[5] – د. عبد الله عبد الرزاق إبرايهم، الطرق الصوفية في القارة الإفريقية، ص 45 نقلا عن Trimingham,The Sufi Orders p: 116

[6] I.M.Lewis, Somalis and Saints, p: 39.

[7] –  الخولي، سلطنة كلوة الإسلامية في عهد أسرة المهدلي العربية.( 676-824ه) 1277-1421م) جامعة القاهرة، رسالة ماجستير 2006، قسم التاريخ ، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، ص:5 رسالة غير مطبوعة، نقلا عن:  Trimingham:J.S: the Sufi Orders p.116

[8] – حمدي السيد سالم جـ1، ص 423

[9] – في حوار أجريته مع الشيخ جامع عمر عيسى أكد –رحمه الله- أن الغالب على حركة السيد هو الجهاد والتحميس والاستنفار، فلم يجد فرصة لبناء حركة علمية. تاريخ الشيخ جامع عمر عيسى، مخطوط، لكاتب المقال.

[10] – توفي الشيخ طاهر في نهاية التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم أو بداية الألفية الثالثة في لاسعانود.

[11] –  نقلا عن الشيخ  البحاثة حسن إبراهيم ( أبا حسان) الذي سمع القصة من الشيخ طاهر أفقرشي، وسجل ذلك بأشرطة بحضور جمع من الدعاة.

[12] – حمدي السيد السالم ، ج1، ص:  423

[13] -إبراهيم عبد لمجيد، الاستعمار البريطاني في الصومال(1884-1921م)،ص:128 نقلا عن: سعيد عثمان جوليد، يوميات صومالية، ص 49.

[14] – يمكن القول أنه ليس ثمة دليل على أن الشيخ محمد ادعى لنفسه يوما هذا اللقب ” المهدي” ولكنه كان يسمي نفسه (السيد) وهو اللقب الذي يذكر به بصفة عامة في كل أنحاء الصومال.(د.إبراهيم عبد المجيد، الاستعمار البريطاني في الصومال،ص138) بتصرف.

[15] – عبد المجيد عابدين، بين الحبشة والعرب ، ص: 22-23.

[16] – الشيخ عبد الرحمن النجار، الإسلام في الصومال ص 80

[17] – حسن مكي ، السياسات الثقافية ، بتصرف ص : 36/37

[18] – أحمد عبد الله ريراش، كشف السدول عن تاريخ الصومال، ص: 193. نظرات في الثقافة الصومالية تأليف : محمد طاهر أفرح ص 45

[19] I.M.Luwes- Modern Somali History 81.

[20] – أحمد عبد الله ريراش ، شف السدول لأحمد عبد الله ريراش ، ونص الرسالة في كتاب تاريخ الصومال للمؤرخ جامع عمر عيسى.

[21]– د.على الشيخ أحمد أبوبكر ،الدعوة الإسلامية المعاصرة في القرن الإفريقي بتصرف ص : 144-145 ،الرياض المملكة العربية السعودية، دار أمية للطباعة،1985م)

[22] – حسن مكي ، السياسات الثقافية في الصومال الكبير ص : 60 بتصرف

محمد عمر أحمد

باحث وكاتب صومالي، يؤمن بوحدة الشعب الصومالي والأمة الإسلامية، درس في الصومال وجمهورية مصر العربية، عضو إتحاد الصحفيين العرب سابقا، ومحرر سابق لموقع الصومال اليوم، يعمل حاليا محاضرا بجامعة ولاية بونتلاندا بمدينة جاروي.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. الأعتماد في تاريخ الصومال علي الكتب الغربيين وتحليلات فيه خطورة من جهة النقل والصحة ‘ وكذالك من حيث النقد التحليل ‘ لأن جل همهم هو ضرب الشعب بعضه ببعض ‘ وتضخيم الخلافات القبيلية والدنية حتي يسهل السيطرة عليهم جمعاَ ‘ أضف أن معظم الصوماليين كانوا رعاة ‘ ولم يكن وسائل الإتصال إلا في يد الإستعمار ‘ فينشر الأخبار المزورة بين القبائل قائلا أن عددا من بني فلان قتلوا في مكان كذا علي أيدى بني فلان ‘ فتنشأ حروب دامية بسبب هذه الإشاعات ‘ كما لعب دورا ً فعالاً في تأجيج خلاف الطرق الصوفية ‘ ونشر أساطير مكذوبة وتشويه سمعتهم لأبعاد الناس عن الدين وقبول توجيهات العلماء ‘ ليحصل علي فريسة رخيصة دون مساومة ‘ كما يحدث بين الولايات والحكومة الفيدرالية من خلافات دائمة وجعل الوساطة والمصالحة في إيثوبيا ‘ ودعم بعض القبائل في إحتكار السلطة ‘ وحرمانها من القبائل الأخرى وإلصاقها بالتطرف وعدم الإنفتام للتبعية والإملائات الخارجية ‘ كما كان الأمر قبا 60 سنة .
    فالحذر الحذر من الكتاب في العصر الإستعمار في تاريخ الشعب ‘ والعلماء

  2. هل كان الإمام احمد جرى متأثراً بالوهابية !!! الذى ولد في عام 1507 ومات في سنة 1543م. – المتوفي قبل ولادة ابن عبد الوهاب قرنين ؟ !!! لم يزل العالم الإسلامي بظهور شخصيات ذات تأثير ‘ ولم تظهر هذه الفرق المدعية بالصحوة واليقضة إلا بأيادى الإستعمار الأوربي ‘ حيث احتلوا الحرمين الشريفين بمعاونة بريطانية لتمزيق الوحدة الإسلامية ‘ وجعل الإقليات الجديدة مسيطرة علي الأغلبية .
    هل يقبل ذو لب وعقل سليم أن ينسب الحنفية إلي الإمام أبي حنفية – تابعي رأى بعض الصحابة – ‘ والمالكية إلي الإما مالك ‘ والشافعية إلي الإمام الشافعي ‘ والحنبلية إلي الإمام احمد بن محمد بن حنبل ‘ علما أن أئمة المذاهب الأربعة كانوا في عهد السلف الصالح ‘ وينسب أتباع محمد بن عبد الوهاب إلي السلف أو نسمي بالسلفية ؟ أو المحمدية !!! ،أنصار السنة ، الموحدين !!! إن قبلنا هذا ستصبح النتيجة أن الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية لم يكونوا في القرون المفضلة ‘ ولم يهتموا بالكتاب والسنة كما اهتمت الوهابية .
    والطرق الصوفية نشروا الإسلام ودافعوا عنه ‘ ولا يوجد اليوم علي سطح الأرض مسلم إلا وشيوخه ومعلموه من الطرق الصوفية ‘ ولا سيما الصومالين ‘!! إذن من يمكن أن نقارنهم أويساويهم ؟
    وبناء القباب علي القبور ليس وسيلة الشرك ‘ بل كان في عهد الصحابة كما في صحيح البخارى حيث بنيت قبة علي قبر الحسن بن علي ‘ ولم يجعلها وسائل الشرك إلا ابن تيمية والوهابية ‘ وغاية ما فيه أنه أمر مختلف فيه كما يقع الخلاف في جزئيات أركان الإسلام مثل الصلاة والزكاة والصوم ‘ والجح ‘ وزيارة القبور سنة عند الجمهور فالخلاف فيها أوسع .
    ومن أين جاءت تفجيرات المساجد وقتل الأبرياء عشوائياً ؟ وتسمية جديدة بعد عقد : الوحدة ثم الإنحاد ثم الإعتصام ثم ….

  3. يبدو أن الكاتب يجانب الصواب في كثير من مقالاته ‘ حيث يحاول أن يجعل الفكر الوهابي مصدر اليقضة والكفاح في العالم الإسلامي كجعل السيد أحمد بن ادريس متأثراً بمبادئ الوهابية ‘ ومن بعده مثل السيد محمد عبد الله بن حسن ‘ وهذا غير صحيح وقلب الحقائق الثابتة ‘ فقد جرت المناظرات ونقاش بين وهابية عسير والسيد احمد بن ادريس ‘ ولم يحصل بينهما إلا التباعد والتنافر ‘ ورأى انهم تكفيريون ليس عندهم علم .
    كذالك ينسب الكاتب تسمية أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالوهابية إلي أوربيين ‘ ويجعلها تسمية غربية لتشويه الحركة !!!! ‘ وهذا إفتراء وتلبيس ‘ لأن العلماء المسلمين سموا الحركة بإسم زعيمها ‘ كما ذكره علامة الشام محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز- المشهوربابن عابدين – الدمشقي الحنفي (1198- 1252معاصر ابن عبد الوهاب) في كتابه الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 262) حيث قال ” مَطْلَبٌ فِي أَتْبَاعِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخَوَارِجِ فِي زَمَانِنَا ” والصاوى في تفسيره – حاشية الصاوى علي الجلالين – .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى