أخبارتقارير ودراساتمقالات

النفوذ الإيراني في جيبوتي… الأهـداف والدوافـع (1)

ملخص
جيبوتي .. قوة الجغرافيا:
تقع جمهورية جيبوتي عند إنحدار البحر الأحمر إلى خليج عدن مع تعانق البحر الأحمر لبحر العرب وتقف على مفترق طرق الملاحة البحرية .
وقد لا يختلف الإثنان حول ما تتمتع به جيبوتي من موقع جيواستراتيجي في غاية الأهمية لتحكمها على مضيق باب المندب الذي هو من أهم الممرات البحرية الدولية في عموم المنطقة.
ومنذ إفتتاح قناة السويس التي تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، تعززت أهمية موقعها الجغرافي بشكل كبير، ما جعلها مركزاً دولياً يلعب دوراً هاماً في تقديم الخدمات وتزويد السفن بالوقود والشحن.
وتعود أهمية جيبوتي السياسية والإقتصادية والعسكرية بجملة من الأسباب والعوامل المتداخلة، يكون من أبرزها:
• الموقع الجيوإستراتيجي وعلاقته لكثير من الأحداث والصراعات الإقليمية والدولية وعلى رأسها الصراع العربي الصهيوني.
• كونها تظل على مضيق باب المندب الممر الملاحي الذي تعبر فيه بما يزيد عن 45% من التجارة الدولية، بجانب قربها من مصادر الطاقة في دول الخليج العربية.
• إعتبارها البوابة الشرقية لإفريقيا ونقطة إنطلاق مركزية إلى قلب القارة .
• الإستقرار الأمني والسياسي الذي تتمتع به ـ مقارنة مع بقية دول منطقة القرن الإفريقي.
• صلاحية المناخ لمختلف العمليات البحرية طوال العام مما يساعد على تنشيط حركة الملاحة في إتجاهي الشمالي والجنوبي.
• وجود إمكانية كبيرة لإقامة قواعد بحرية أمام سواحلها وفي الجزر التابعة لها.
• وجود فيها مواني حديثة ومتطورة قادرة بإستيعاب لكافة السفن بمختلف حمولتها وأنواعها.
الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة:
ومنذ قدم التاريخ إرتبط موقع جيبوتي ـ كجزء مهم من منطقة القرن الإفريقي ـ في كثير من الأحداث والصراعات الدولية والإقليمية ولعب دوراً مؤثراً على مختلف الأحداث التي شهدتها المنطقة.
وفي وقت مبكر إستشعرت عديد من الدول الغربية على الأهمية الإستراتيجية الذي يشكل لها موقع جيبوتي سواء في حماية مصالحها أو بسط نفوذها في المنطقة.
وهو ما جعل تلك القوى تسعى ـ في شتى الطرق والوسائل ـ على سيطرته أو إيجاد موضع قدم لها فيه كحد أدنى.
وتعد الحكومة الفرنسية من أوائل الدول الغربية التي بادرت في تعزيز نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة بإنشاء قاعدة ليمونيير العسكرية في جيبوتي.
وحتى بعد إستقلال جيبوتي ونيل من سيادتها فإن تلك الأطماع لم تتراجع بل إنها إستمرت على نفس الوتيرة ولكن بآليات وأدوات جديدة ومختلفة.
وفي عام 1977م، أبرمت الحكومة الفرنسية مع جيبوتي على ما يعرف بـ(إتفاقية الدفاع المشترك) والتي منحت لفرنسا بإبقاء عدد من قواعدها العسكرية في جيبوتي مقابل تقديمها لبعض المعونات للحكومة الجيبوتية الوليدة في مجالات التعليم والصحة والأمن.
وبموجب تلك الإتفاقية ظلت الحكومة الفرنسية تحتفظ لنوفوذها العسكري والسياسي الثقافي في جيبوتي بشكل كامل.
خلفية الإهتمام الأمريكي الجديد في المنطقة:
ورغم أن الإهتمام الأمريكي في منطقة القرن الإفريقي لم يكن جديداً بيد أن الإدارة الأمريكية لم تعلن رسمياً عن إهتمامها في جيبوتي إلا بعد حادثة 11 سبتمر/ أيلول عام 2001م.
وبرزت جيبوتي كموقع إستراتيجي مهم منذ بدء ولايات المتحدة الأمريكية الحرب على ما تصفه بـ(الإرهاب).
كما أن جيبوتي إكتسبت أيضاً أهمية إضافية بعد بروز ظاهرة القرصنة والجماعات الإسلامية المتشددة في الصومال.
وفي أكتوبر عام 2002م، دخلت الولايات المتحدة على خط التنافس الدولي لتثبيت أقدامها في المنطقة وذلك عبر إنشاء قاعدة عسكرية لها في جيبوتي.
إضافة إلى نشر وحدات من قواتها العسكرية وأسطولها البحري في المنطقة لإغراض ومبررات أمنية متعددة مثل محاربة الإرهاب ومكافحة القرصنة الصومالية وغيرها.
التوغل الإيراني في المنطقة :
ورغم أن منطقة القرن الإفريقي ظلت تشكل منذ قيام الثورة الخميني محورا مهماً من أولويات السياسة التوسعية الإيرانية لمد نفوذها إلى خارج أراضيها.
بحيث إعتبرتها إيران لهذه المنطقة ساحة رحبة ومثمرة لأنشطتها السياسي والإقتصادية ومركز إستراتيجي مهم في صراعها مع الدول الغربية
وإلا أن الإهتمام السياسي الإيراني في دول المنطقة ـ خاصة تلك المظلة على البحر الأحمر ـ قد تطور بشكل كبير وغير مسبوق في خلال العقد الماضي.
ومن الواضح أن الحكومة الإيرانية لم تنجح فقط بتوسيع نفوذها السياسي والثقافي في المنطقة وذلك عبر خلق علاقات متميزة ومؤثر مع عديد من دول المنطقة
بل إنها تمكنت أيضاً بخلق حالة من التوازن العسكري يحفظ لها مصالحها في المنطقة عبر أقامة قواعد عسكرية لها في مينا عصب وجزيرة دهلك الإرتيرية.
ورغم كل الغموض الذي يكتنف على أهداف السياسة الإيرانية تجاه دول المنطقة إلا أن بعض المراقبين يرون أن إهتمامها المتزايد ليس بمعزل عن الصراع الدولي والإقليمي الراهن لسيطرة على منطقة القرن الإفريقي ذات البعد الإستراتيجي.
خاصة أنها تعتبر الوجود العسكري الغربي في المنطقة بأنه يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً على مصالحها الإستراتيجية.
آفاق العلاقات الجيبوتية الإيرانية وأهدافها :
إن جذور العلاقات الثنائية بين جيبوتي وإيران تعود إلى أوآخر السبعينات من القرن الماضي، تحديداً في السنوات الأولى التي أعقب إستقلال جيبوتي وقيام الثورة الإيرانية.
وشهدت منذ بدايتها بمحطات تاريخية مختلفة وفي فترة حكم الرئيس الجيبوتي الراحل/ حسن جوليد أبتدون تميزت هذه العلاقات في مجملها بحالة التراجع وعدم الإستقرار.
مع أن الحكومة الإيرانية تعتبر من بين أوائل الدول الإسلامية التي بادرة بإعتراف دولة جيبوتي، إلا أن هذا وحده لم يكن كافية ـ كما يبدو ـ في تعزيز العلاقات وتطوريها إلى مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.
وأن ذلك يرجع ـ بحسب المراقبين ـ إلى جملة من العوامل السياسية والأمنية منها تداعيات الصراع الدولية والإقليمية الذي كانت تشهدها المنطقة في تلك الحقبة وعلى رأسها الحرب العراقية الإيرانية.
بحيث أعلنت الحكومة الجيبوتية ـ كمعظم الدول العربية ـ بوقوفها إلى جانب العراق في حربها ضد إيران.
ملامح مرحلة جديدة:
منذ تولي الرئيس/ إسماعيل عمر جيله على السلطة في عام 1999م، دخلت العلاقات بين البلدين بمرحلة جديدة شهدت فيها تطوراً متسارعاً يشمل على كافة مجالات التعاون.
وجاء ذلك نتيجة للإهتمام البالغ الذي أعطى رئيس الجمهورية في ترسيخ هذه العلاقات وإرساء دعائمها.
كما أن العلاقات إزدادت تمسكاً ورسوخاً بعد التفاهم السياسي الذي حدث بين الجانبين في أوآخر عام 2008م.
وذلك بعد حصول جيبوتي ضمانات رسمية من الجانب الإيراني بعدم وجود تعاون عسكري إيراني مع أسمرة يهدد مصالحها وأمنها.
وعلى رغم الغموض والسرية التي مازالت تخيم على الأهداف والدعائم التي تقوم عليها هذه العلاقة إلا أنها ظلت في تطور مستمر ومتسارع طيلة السنوات الـ(6) الماضية.
وهو ما تعكسه حجم الزيارات الرسمية المتبادلة بين البلدين والتي كانت أبرزها، زيارة الرئيس الإيراني السابق السيد/ أحمد نجاد لجيبوتي في فبراير عام 2009م، وزيارة رئيس الوزراء السابق السيد/ دليتا محمد دليتا إلى طهران.
إضافة إلى حجم ونوعية الإتفاقات الموقعة بين البلدين ومن بينها، مذكرة (التعاون المشترك) التي وقعها الرئيس أحمد نجاد مع الرئيس إسماعيل عمر جيله، خلال زيارته لجيبوتي.
وشملت بنوذ الإتفاقية لعديد من المجالات من بينها:
1. تقديم قروض مالية للبنك المركزي الجيبوتي.
2. إلقاء تأشيرة الدخول بين البلدين.
3. تقديم منح دراسية لطلبة الجيبوتيين.
4. تقديم خبرات ومعدات طبية وتقنية للمستشفيات الجيبوتية.
5. فتح مركز لتدريب الكوادر العاملة في مؤسسات الدولة بجيبوتي .
التعاون العسكري بين البلدين:
وخلال الفترة الماضية، برزت تقارير صحفية وإستخباراتية عديدة تتحدث بوجود تعاون عسكري بين البلدين وهو ما تنفيه الحكومة الجيبوتية وبشكل متكرر.
ومع أنه لم يرد في بنوذ (مذاكرة التعاون المشترك) إلى ما يشير وجود أي تعاون عسكري بين الجانبين.
إلا أن كثير من المراقبين يؤكدون أن ذلك لا يمنع على الإطلاق بإمكانية وجود تعاون عسكري غير معلن.
علماً أنه في عام 2011م، قام فد عسكري إيراني رفيع برئاسة الأميرال/ حبيب الله سياري، بزيارة عمل غير معلنة إلى جيبوتي.
وفي خلال الزيارة عقد الوفد الإيراني إجتماع مغلق مع قيادة هيئة الأركان العامة للقوات الجيبوتية، وقع فيه الجانبان على إتفاقية تعاون عسكري، تقدم بموجبها طهران مساعدات لقوات البحرية الجيبوتية في عديد من المجالات من بينها التدريب وتطوير المعدات العسكرية .
عاصفة الحزم وتداعياتها على العلاقات:
فمنذ تشكيل التحالف العربي وإطلاق عملية عاصفة الحزم ضد الحوثيين في اليمن، تباينت القراءات والتحليلات حول مستقبل علاقات جيبوتي مع إيران.
وفي الوقت الذي أعلنت الحكومة الجيبوتية عن دعمها الكامل لعاصفة الحزم وعن فتح أجوائها أمام عمليات التحالف العربي في اليمن.
أكد الرئيس إسماعيل عمر جيله في يونيو الماضي، بأن علاقة جيبوتي مع إيران تمر بمرحلة سيئة وصعبة مضيفاً أن بلاده تحاول أن تتجنب من شرها.
ويستبعد المراقبون أن يكون لهذه التصريحات المرتبكة أثر كبير على العلاقات الثنائية بين البلدين كما يستبعد البعض بأن تقدم الحكومة الجيبوتية بقطع علاقاتها مع إيران.
وبحسب المراقبين لم تنجح إيران بترسيخ علاقاتها السياسية والإقتصادية مع جيبوتي فقد وإنما إستطاعت إيضاً بخلق علاقات شعبية أكثر متانة ورسوخاً.
وتستخدم القيادة الإيرانية لتعزيز نفوذها وعلاقاتها في جيبوتي من خلال آليات متعددة ووسائل مؤثرة من بينها:
تأسيس جمعية الصداقة البرلمانية الإيرانية الجيبوتية في 2011م، بهدف إيجاد آليات فاعلة لتعزيز التعاون المشترك بين البرلمان الجيبوتي والإيراني.
منذ عام 2012م، كثفت المنظمات الخيرية والثقافية الإيرانية ـ بشكل غير مسبوق ـ على كافة أنشطتها الدعوية والثقافية في أوساط الشعب الجيبوتي.
الهوامش
1. الأستاذ ياسين جبار الدليمي، جيبوتي مفتاح باب المندب، موقع الفكر القومي العربي، مايو 2007م.
2. عبد الله الفاتح، الأهداف اوالمهام لأمريكية في جيبوتي .. المخفي والمكشوف، مركز سيرد للدراسات السياسية في جيبوتي، 2011م.
3. الأستاذ محمد عثمان، سطور من تاريخ جيبوتي، دراسة منشورة، عام 2013م.
4. وزارة الخارجية والتعاون الدولي، أهداف وقيم الدبلوماسية الجيبوتية، نشرة داخلية، عام 2005م.
5. عبد الله الفاتح، تقارير صحفية سابقة.
6. الوكالة الجيبوتية لتنمية الإستثمار، فرص الإستثمار في جيبوتي، نشرة داخلية، عام 2014م.

عبد الله الفاتح

باحث وكاتب صحفي. ماجستير في الإعلام بجامعة السودان للعلوم في الخرطوم (قيد الدراسة). حاصل على دبلوم عالي في الترجمة الصحفية في أكاديمية موزايك سنتر ـ أديس وبكالورياس في الإعلام بكلية الآداب في جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم. يعمل محرر ومترجم في الوكالة الجيبوتية للأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات