أخبارمقالات

المدن الصومالية (1)

مدخل عام حول تعريف المدن وعوامل نشأتها

مقدمة:
أصبحت ظاهرة إنشاء المدن ذات أهمية كبيرة بالنسبة للإنسان حيث اهتم بالتمدُّن والاستقرار منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا، لكون المدينة موضعًا ومكانا للتَّفاعل مع الآخر وتبادل المنافع والمصالح، وموطنا لصقل الأفكار والإنتاج الثقافي واكتساب المعرفة، ومنبعا للنهضة التعليمية والإنتاج الصناعي، فقد أدرك الإنسان أنه لا يستغني عن الشخص الآخر في إشباع حاجاته الأساسية فظهرت في فجر التاريخ مدنا قديمة كانت مهدا للحضارات القديمة للإنسان قبل آلاف السنين في وادي دجلة والفرات ووادي النيل، فلولا مدن مثل بابل وآشور وحضرموت وصعيد مصر والدلتا ومكة ويثرب لم يكتب التاريخ، ولولا القرى والبلدات القديمة ما قصَّنا القرآن قصص الأوائل وتأريخهم.
ولا شك أن الصومال بلد له تاريخه وجغرافيته وكينونته الخاصة التي منها المدن والبلدات، فالمدن الصومالية هي شماعة حضارة شعبه، وتعتبر الجحر الأساس لكتابة تاريخ البلاد وتوثيقها، فالأحداث لها مسرح وهي المدن، والهجرات والغزوات والمعارك لها مكان وهي المدن، والحركة الثقافية والدين والاقتصاد والتجارة لها موضع وهي المدن، ومن هنا دوَّن الرحالون والمكتشفون والجغرافيون وصفهم لمدن الصومال، ومنها دخلوا إلى العمق التاريخي الوصفي للمجتمع الصومالي وحضارته .
والغرض من بدء هذه السلسلة دراسة تاريخ أهم المدن الصومالية من جوانب عدة تاريخيا واقتصاديا وسياسيا وثقافية، ومع أن المدن الساحلية والداخلية في الصومال عديدة ومتنوعة ومصنَّفة ما بين كبيرة وصغيرة وما لها تاريخ عريق أو ما هي حديثة النشأة نسيبا؛ فإن التركيز سيكون – إن شاء الله – على المدن الكبيرة أو المتوسطة التي كانت لها أثر سياسي وثقافي واقتصادي في البلاد.
تعريف المدن وخصائصها:
هناك تعريفات متعددة لمفهوم المدينة ودلالتها غير أن التعريف الذي أقرب إلى الشمول هو أن “المدن تجمُّعات سكانية كبيرة وغير متجانسة، تعيش على قطعة أرض محدودة نسبيا، وتنتشر منها تأثيرات الحياة الحضرية المدنية، ويعمل أهلها في الصناعة والتجارة والوظائف السياسية والاجتماعية المتعددة.
وهي وحدة جغرافية مساحية يعيش فيها عدد كبير من السكان، تتباين مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية، ويترافق مصطلح المدينة مع مفهوم الحضر والتحضُّر، حيث أنهم أوجدُوا المفهوم بابتعادهم عن الريف، والأعمال الزراعية، وأصبحت المجالات الصناعية رفيق التطور والمدنيَّة”.
ومن خصائص المدن عند تطبيق شروط الظاهرة الاجتماعية عليها:
• تمتاز بأنها ذات طبيعة إنسانية بثلاث طبائع (حيوية، نفسية، واجتماعية).
• المدينة تلقائية النشأة ، حيث تكون في البداية مجموعة متناثرة من المنازل التي بنيت لمجرد الإيواء، ثم تتجمع لتعطي القرية، وتتسع القرية نتيجة للتزايد السكاني وتتنوع حرفهم ويزداد الدخل القومي في القرية لتتحول لمدينة صغيرة (Town)، وعندما تتوافر فيها المصانع ووسائل المواصلات والخدمات تنمو لتصبح مدينة رئيسية (City)، وهذا يعني أن المدينة كظاهرة اجتماعية ليست من صنع أفراد ،ولكنها من صنعٍ لمجتمع، وبوحي من العقل الجماعي.
• المدينة ظاهرة عامة منتشرة في كل المجتمعات، وتفرض نفسها على سائر أنحاء المجتمع.
• تمتاز المدينة بموضوعيَّتها وشيئيَّتها، أي أن معرفتنا بها تستمد من الواقع؛ فلكل مدينة تراث اجتماعي.
• تمتاز المدينة بالترابط، بمعنى أنها تتصل بأجزائها عن طريق المواصلات المختلفة، على اعتبار أن النظام السياسي في المدينة مثلا يرتبط بالأنظمة التعليمية والاقتصادية والدينية وحتى النظام الأسري.
• تتزود المدينة بصفة الجبر والإلزام، فالأفراد ملزمون بالحياة فيها عندما تكون لديهم الرغبة بالاستمتاع بمظاهر الحياة الحضرية الراقية والتعليم والترفيه.
• تمتاز المدينة بصفة الجاذبية(1).
نشأة المدن:
بدأت المدن نتيجة الرغبة في التعايش كمجموعات بالنسبة للأفراد ولتحقيق الاستقرار الذي كان يحاول الإنسان القديم جاهدا الحصول عليه، فمن الريف والصحراء والغابات بدأ ينتقل تدريجيا للوصول إلى مفهوم جديد للتعايش، يضمن استقراره، ويحقق له في نفس الوقت الحماية من كل المؤثرات الخارجية”(2).
فظاهرة نشأة المدن عبر مراحل التاريخ ليست إلا نتيجة سياسية واقتصادية واجتماعية تفاعلت وتداخلت وتبادلت التأثير إلى الحد الذي يجعلها تتبلور في هيكل مدينة ، تتمثل فيها تلك العوامل ، و تكون انعكاسا لها ، ترد إليها عند التحليل و التعليل ، و بعد أن تستوي ظاهرة المدينة كصدى لتلك العوامل وتجسيم لها تصبح هي بدورها ذات آثار محسوسة في كل من السياسة والاقتصاد والاجتماع ، بحيث تكون علة في نفس الأمور التي كانت باعثة على نشأتها”(3).
وينبغي الإشارة إلى أن دراسة المدن ليست حكرا على الجغرافيين فقط بل هناك أطراف أخرى يهتمون بالمدن وما يتعلق بها من العلوم والدراسات التي تختلف حسب مراد أصحابها من دراسة إلى أخرى، فالاقتصادي يهتم بالمدينة مثلا فيدرسها من ناحية سعر الأراضي أو تكلفة تعمير أو إعادة تعمير بعض أجزائها أو تكلفة إنشاء بعض الجسور أو الأنفاق في المدينة، وكذلك عالم الاجتماع يهتم بدراسة المدينة من النواحي الاجتماعية مثل مظاهر الفقر والثروة في المدينة ومناطق الإجرام وتوزيع الطبقات الاجتماعية ومناطق التمييز العنصري أو الديني .. كما أن المؤرخ يهتم أيضا بدراسة المدينة من تأثير البعض منها على سير تاريخ تلك المنطقة وتأثير الهجرات العرقية أو علاقته بالثورات الفكرية أو الحضارية أو السياسية(4).
فلسفة نشأة المدن عند ابن خلدون:
يرى عالم الاجتماع والتاريخ عبد الرحمن بن خلدون أن بناء المدن من مظاهر الحضارة والترف الذي تصل به الدولة إلى غاية تطوُّرها بعد مرحلة البداوة، وحيث يحتاج بناء المدن إلى التعاون بين كثرة الأيدي العاملة والإشراف عليها ويكون ذلك بالسخرة أو بالأجر ، ولا يُقدر على ذلك إلا بسلطة الدولة.
ويتوقَّف عُمر المدن على عُمر الدولة التي بنتها، فإذا كان عمر الدولة قصيرا انتهى عمران تلك المدينة عند انتهاء الدولة وتراجع عمرانها، أما إذا طال عمر الدولة اتسعت المدينة المنشأة بأحيائها وأسواقها ، وحدث ذلك في بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة.
وإذا انقرضت الدولة التي بَنت المدينة : فإذا كانت المدينة تقترب من الجبال والبوادي فإن عمرانها لاينقطع، حيث يتوافد إليها أهل البوادي ويستقرون فيها، أما إذا لم يكن حولها مورد بشري يزودها بالعمران فلا يلبث أن يلحقها الخراب إذا انقرضت دولتها، ويضرب ابن خلدون مثلا لذلك بمصر وبغداد والكوفة والقيروان والمهدية.
وربما يستقر بتلك المدينة مؤسس دولة أخرى لايريد أن يبني عاصمة جديدة، مكتفيا بتلك المدينة التي زال عنها مجدها، وبذلك تتسع المدينة مع الدولة الجديدة(5).
عوامل نشأة المدن ونموِّها:
إن من أهم أسباب وعوامل نشأة المدن ونموها هي ثقافية دينية وسياسية واقتصادية ونوضح ذلك على النحو التالي:
1- العامل الثقافي الديني:
يعود العامل الديني والثقافي لنشأة المدينة إلى مجيء رمز ديني إلى المكان وتأسيسه معبدا أو مسجدا في ذلك، ومن تلك المدن مدينة مكة المكرمة التي أسسها نبي الله إبراهيم عليه السلام بإرشاد من الله سبحانه وتعالى، وبعدما أحضر زوجته وابنه إسماعيل وادي مكة يقول إبراهيم: { رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ }، [سورة إبراهيم الآية 37 ].
ومن ذلك تلك المدن والقرة التي أسسها المشائخ والدعاة والفقهاء لطلبة العلم، وتأهيل الناس فسكنها الناس بعد ذلك.
2- العامل السياسي:
يعود هذا العامل السياسي إلى اختيار القادة والسياسيون مكانا استراتيجيا لدولهم وحكوماتهم اختيارا دقيقا لكي يجدوا حماية طبيعية أو اقتصادية أو طرقا متعددة، ومن ذلك تأسيس مدينة بغداد التي أسسها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وتلعب العوامل السياسية دورا متميزا في تشكيل المدينة وتحديد بنائها حيث تختار السلطة السياسية المكاتب والإدارات في المدن الكبيرة وتقوم بتوفير المقرات الإدارية والخدمية.
3- العامل الاقتصادي:
وهي من أكثر تلك العوامل والأسباب، فالموارد أهم ما يجذب البشر إلى التجمع والاستقرار في المكان، مثل إنتاج السلع وتوزيعها وتوفر رأس المال والموارد الاقتصادية المتاحة والنشاط الزراعي والصناعي الذي يؤدي بدوره إلى نمو المدن وتقدمها. ويعتبر التصنيع من أهم العوامل التي تحدث تغييرا في الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتبلور في شكل مفاهيم وقيم وعادات وتقاليد ونظم تدخل جميعا في تكوين الإطار الحضري للمدينة، ومن ذلك معظم المدن الساحلية والصناعية والاستراتيجية التي تتوسط طرقا مهمة(6).
تنبيه:
وفي الحلقات القادمة سنتطرق إلى عوامل نشأة المدن الصومالية التي تشمل العامل الاجتماعي (الثقافي والاقتصادي والديمغرافي) والهجرات العربية إلى سواحل الصومال والحركة التجارية والثقافية التي أدت إلى تأسيس المدن.
وبعدها سيتم التطرق إلى تاريخ المدن الكبيرة بدءا من العاصمة الصومالية مقديشو حسب توفر المعلومات والمصادر في المدن التي تليها بإذن الله.

المصادر-

1- هبة فاروق القباني، “المدينة (التعريف والمفهوم والخصائص)”، دراسة التجمعات الحضرية في سورية، بحث جامعي من جامعة دمشق، كلية الهندسة المعمارية، ص: 2و5

2- “المدينة،  تعريفها ومفهومها وخصائصها”، نشرت في موقع الجغرافية التطبيقية الألكترونية http://www.geopratique.com/2014/12/blog-post_4.html

3-   “نشأة المدن…أسبابها وبواعثها”، مجلة دعوة الحق، العدد 153.

4-  محمد حسين معلم علي،  “الثقافة العربية وروادها في الصومال” ، ص: 183

5-  كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر” المعروف بمقدمة ابن خلدون،  للعلامة عبد الرحمن بن خلدون.

6- بتصرف من : ” تطور نمو المدينة”، منتدى التعليم التقني، موقع استار تايمز: http://www.startimes.com/f.aspx?t=35223444

أنور أحمد ميو

كاتب وباحث بمركز مقديشو للبحوث والدراسات

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هذا عمل جبار ومهمة صعبة جدا لنذرة المعلومات والمراجع وعدم توافر المكاتب العلمية فى البلاد ولذا أنصح الأخ الدكتور انور ببذل اقصى جهده لتحقيق هذا الهدف المنشود لاننا بحاجة مثل هذه البحوث والمقالات التي تفيد للجميع للتعرف اكثر حول تاريخ المدن الصومالية ، وكذلك أنصح للباحث انتقان واختيار المعلوما ت الصحيحة وأقرب للصواب لان اكثر مما كتب عن الصومال فيها نوع من التضليل والتقليل والتهميش للمجتمع الصومالي ، والله معك في انجاز هذا البحث.
    وشكراا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى