أخبارمقالات

الصومال في القرن العشرين ( الحلقة العاشرة)

المقاومة والثورات ضد الإستعمار:

قاوم الشعب الصومالي عموما الإستعمار وكان كل صومالي يرى أهمية هذا العمل وأنه واجبه الأول، فقامت ثورات ضد الإستعمار.  إلا أن أخلدها وأشدها وقعا على الإستعمار هي:

  • ثورة السيد محمد عبدالله حسن:-

ولد السيد محمد عبدالله حسن (رحمه الله)  فى منطقة نغال، فى عام 1856م* ومنذ طفولته كانت تبدو عليه دلائل النباهة والذكاء، فحفظ القرآن ودوس العلوم الدينية كما كان يمارس بعض فنون الفروسية والحربية. [1]

وفى عام 1890م عزم على أداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – فسافر إلى الأراضي الحجازية وهناك تلقى المزيد من العلوم الإسلامية وتعرف على العديد من العلماء والفقهاء والمشايخ من بينهم “الشيخ محمد صالح السوداني” مؤسس الطريقة الصالحية والذي أعجب به السيد محمد عبدالله حسن وبطريقته، كما أنه وقف على أحوال العالم الإسلامي من ضعف الخلافة العثمانية وانتشار الحركات الإسلامية ضد التبشير، ثم عاد إلى البلاد ليقوم بدورة فى نشر العلم والتعاليم الدينية فى البلاد. [2]

وتجدر الإشارة إلى قصته المشهورة والتى يعرفها معظم الصوماليين، والتى حدثت عند عودته إلى الوطن، فقد نزل السيد فى ميناء بربرة، ولما أنزل متاعه من السفينة وأراد أن يحمله إلى البلد قال له مدير الجمرك الإنجليزي : “لا تأخذ متاعك حتى تؤدى الرسوم الجمركية!” فدهش السيد وقال فى ثورة وغضب: هل دفعت أنت رسوما جمركية عن متاعك عند مزولك هنا؟ ومن أعطاك تأشيرة الدخول لبلادنا؟ فسأل الإنجليزي ترجمانه عما قاله السيد فرد الترجمان: أنه يقول لك من أخذ عن متاعك الرسوم الجمركية حين نزولك هنا، وأضاف الترجمان إلى ذلك: أنه شيخ مجنون فلا اعتبار لكلامه، فخل سبيله. [3]

وهذه القصة تدل على روح السيد اليقظة والتى اتصفت بالشجاعة والجرأة وعدم قبول الضيم، والمتتبع على سيرة السيد يتدكر قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه يتحدث عن الرجولة: “يعجبنى الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول (لا) بمل ء فيه” وهذه الصفة هي التى جعلته يقود نضاله وكفاحه ضد الغزاة المستعمرين.

استوطن السيد محمد عبدالله حسن “بربرة” فى بداية الأمر، واشتغل بتدريس العلوم الدينية التى اكتسبها فى الحجاز، وبدأ حملاته ضد المظاهر التى رآها ضارة بالمجتمع الصومالي، ورأى ضرورة العودة بالإسلام فى بلاده إلى الإسلام الصحيح. [4]

وفى أحد الأيام خرج السيد محمد من المسجد فمر به عشرون ولدا من الأولاد الصوماليين ممن جمعتهم الكنيسة وهم ينشدون الأناشيد المسيحية، فأخذته الحمية وفكر فى ذلك ورأى الذل والإهانة للصوماليين المسلمين. [5]

كل هذا حرك شعور السيد وجعله ينوى كفاحا مسلحا ضد الإستعمار وطردهم من البلاد، ولكن هناك حادثة مهمة تعتبر أنها العامل الأقوى الذى قاده إلى الجهاد والخورج من المدينة، فقد أمر فسيس كان يسكن بجوار مسجد ألا يؤذن أحد فى المسجد حتى لا يزعجوه، ولكن وقف رجل يؤذن بصوت عال غير مبال بأوامر القسيس، وما كان من القسيس إلا أن أطلق الرصاص على المؤذن فأراده قتيلا، فكان لهذا الحادث أكبر التأثير فى نفس الشيخ السيد محمد، فخرج ومعه جماعة من أنصاره فهدمو مركزا للتنصير، وقاموا بمطاردة الفسيس الذى لجأ إلى الجنود البريطانيين. وبهذا أدرك  البريطانيون خطورة الموقف، كما عرفوا أن السيد هو المحرك الأول للشعب، فوجهوا إليه إنذارا، وطلبو منه سرعة الرحيل عن بربرة، وبذلك ترك المدينة وانتقل إلى نغال،* حيث بدأ جهاده المسلح. [6]

منذ ذلك الحين بدأ الشيخ كفاحه ونضاله ضد الإستعمار، وقد كان بارعا فى تحريك الشعب وإلقاء الخطب الدينية والحماسية، فالتف حوله كثير من المجاهدين، وشرع فى تكوين الفرق الخاصة المعروفة باسم “الدراويش” والتى اتخذت لها الحرية شعارا والإسلام دينا والكفاح والجهاد سبيلا. [7]

ثم خاض معارك عنيفة ضد المستعمرين وقد أحرز انتصارات عظيمة عليهم، ومن أشهر معاركه:

  • غزوة بهر طيغ أو حوض الدم، وكانت فى أبريل عام 1901م ، وقد أحرز جيش الشيخ نصرا مؤزرا على البريطانيين بقيادة الكابتن سواين، وسميت بهذه المعركة حوض الدم لكثرة الدماء.
  • غزوة بير طغة شمال جالكعيو 19 أكتوبر 1902م وقد انتصر الشيخ فى هذه الغزوة أيضا، وغنم أسلحة حديثة.
  • معركة عفاروينة فى 17 أبريل 1903م هذه المعركة كانت مختلفة عما سواها وذلك لأنها شاركت فيها قوات إيطالية إلى حانب قوات بريطانية، وقد تجمع هؤلاء الجنود فى مدق، لتدمير الدراويش، إلا أن السيد انسحب بقواته إلى أرض عفاروينة، وفى هذه المنطقة التقى الجيشان، فأيدالله  نصره للمسلمين، ولحقت بالعدو هزيمة ساحقة، وفى اليوم التالى تعرض السيد ورجاله إلى قوات انجليزية، قادمة من ناحية “هود” والحقوا بهم هزيمة ساحقة أيضا. [8]

إضافة إلى ذلك فقد كانت هناك قبائل أخرى اجتمعت تحت قيادات محلية، تابعة اسميا للسيدمحمد عبدالله حسن، فمثلا عندما احتلت إيطاليا، مدينة “بولوبردى” فى الجنوب فى محافظة هيران، بدأت القبائل تتجمع تحت قيادة “أيندل أيل” زعيم قبيلة “أوادلى” وبدأوا يشنون على المدينة، وقتلوا فى 17مارس، عام 1916م النقيب  “باتيستا، Bttisa” القائد الإيطالي فى المنطقة. [9]

أيقن البريطانيون والإيطاليون قوة السيد وخطورته، فقاموا بعقد اتفاقيات بينهما للحد من نفوذه، كما قاموا بمحاولات لعقد السلح مع السيد مثل معاهدة “إليج”* فى 5 مارس 1905م إلا أن كل هذا لم يفلح. [10]

لقد دبر الإنجليز مؤمراة لتحريض بعض العماء وقادة الطرق الصوفية المعادين للسيد محمد عبدالله حسن على الثورة عليه، حيث عرض عليهم أن يتوجهوا إلى الشيخ محمد صالح فى مكة، وأن يخبروه بتصرفات غير لائقة افترائية يقوم بها السيد ضد الإسلام والمسلمين، وفعلا نفذوا بذلك، ورغم أن الشيخ صالح، لم يأخذ كل ما قالوه، إلا أنه كتب رسالة إلى السيد ينهيه عن بعض تصرفاته، فقام هؤلاء المعادون بتزوير الرسالة وإضافة بعض الأشياء الأخرى، مما أدى إلى انتشار الرسالة فى صفوف الدراويش وحدوث بلبلة، وقد اجتمع حوالى 6000 الدراويش وعقدوا العزم على ترك السيد وعودة كل قبيلة إلى مكانها، إلا أن السيد علم بذلك وأخمد هذه المؤامرات ولكنها تركت تأثيرا قويا فى نفوس الدراويش. [11]

بعد فشل المؤامرة بدأ البريطانيون يستخدمون كل الوسائل الممكنة للتخلص من الرجل المجنون على حد تعبيرهم، بما فى ذلك الطائرات وبث الأمراض المعدية فى صفوف الجنود، مما أضعف موقف الدراوويش، وقد ظهر مرض خطير تفشى بين الجنود، وأخيرا أصيب السد بجرح بليغ جعله يستشهد بعد فترة قصيرة، وبحث المستعمرون عن جثته لكن أتباعه نجحوا فى إخفائها وكان ذلك فى نهاية عام 1921م.[12]

ويقال ان من أسباب هزيمة الدراويش:

  1. اصطدامهم المبكر مع بعض الزعماء القبليين وعدم اعترافهم بسلطتهم مما جعل هذه الزعامات تنظر إلى هذه الحركة بأنها تغتصب منهم سلطتهم.
  2. العنف الشديد الذى اتصفت به الحركة وخاصة مع القبائل التى لا تتعامل معها أولاتساندها.
  3. الظروف الدولية لم تساعدهم من حيث تكاتف القوى الإستعمارية ضدهم.
  4. دخول استخدام سلاح الطائرات ضدهم. [13]

 

المراجع

*  تشير بعدض الكتب إلى أن السيد محمد عبدالل حسن ولد فى عام 1864 أنظر: تمام همام، ص: 27.

[1] . جامع عمر عيسى، المرجع السابق، ص: 54.

[2] . تمام همام تمام، المرجع السابق، ص:28-29

[3] . أحمد عبدالله ريراش، كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة. د، ن، 1970م، ص: 185.

[4] .د. تمام همام تمام، المرجع السابق، ص: 29.

[5] . جامع عمر عيسى، المرجع السابق، ص: 61.

*  نعال، منطقة تقع فى شمال شرق الصومال، وكانت تابعة فى ذلك الوقت لمحمية الصومال البريطاني.

[6] . حمدى السيد سالم، المرجع السابق. ص: 236.

[7] . د. تمام همام تمام، المرجع السابق، ص: 24.

[8] . حمدى السيد سالم، المرجع السابق، ص:  242-244.

[9] . ماريو غرسو، التسلسل الزمني لأحداث المستعمرات الإيطلية ، ترجمة شمس الدين عرابى بن عمران، مركز دارسة جهاد الليبيين ضدد العزو  الإيطالي ، ليبيا طرابلس، 1989 ص:64.

*  كان السيد ودراويشه طرفا في هذه الاتفاقية بينما كانت بريطانيا وإيطاليا والحبشة في الطرف الآخر من المعاهدة، ممايدل على أن كل  من هؤلاء يحاربه، وكان من أهم بنودها: الصلح والسلام بين هذه الأطراف، وأن يقيم السيد في منطقة نغال مع منحه منفذ بحري وله الحرية التامة في التجارة ماعدا السلاح، وتنازل الدراويش عن سلطنة هوبيا وعن أراضي مدق.

[10] . تمام همام تمام، المرجع السابق، ص: 65.

[11] . مصطفى محمد إبراهيم، حركة السيد محمد عبدالله حسن وجهادها فى الصومال (1895 – 1921م)، بحث دبلوم عالى، جامعة إفريقيا العالمية، 1995م ،ص: 39-40.

[12] . . حمدى السيد سالم، المرجع السابق، ص: 260.

[13] . مصطفى محمد إبراهيم، المرجع السابق، ص: 56 -57.

الدكتور حسن البصري

رئيس جامعة إمام، حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة بحر الغزال - الخرطوم ، عام 2011م، ودرحة الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة النيلين - الخرطوم، السودان عام 2006م، وحصل البكالوريوس من جامعة مقديشو كلية الآداب، قسم التاريخ. عام 2001م

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات