أخبارمقالات

عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي(36) جمال الدين الزيلعي (3)

آثاره العلمية :

إنّ من أهمّ الآثار العلمية التي تركها جمال الدين الزيلعي في النواحي الثقافية والعلمية هو أنّه أخرج جيلاً رائعاً فريداً في أسلوبه وعلمه ، حيث علّم الحديث وعلومه التي كان الزيلعي بارعاً فيها،  بل واعتنى بها حتى أصبح عَلَماً من أعلام الحديث في عصره .

واستفاد منه عدد كبير من المجتمع الإسلامي، غير أنّ هناك طرقاً وأساليب اتبع بها طلابه للاستفادة من علم هذا الشيخ الجليل الذي أخذوا منه العلم . وبعض الناس استفادوا من علم شيخهم بقراءة كتبه ومصنفاته بالمطالعة والاعتكاف عليها لاستفادة الكنوز العلمية التي حوت بها ولاسيما فيما يتعلق بالحديث وعلومه وفنونه المتنوعة، من حيث إخراج الأحاديث من مظانه الأصلية ، وطريقة الوصول إليها سنداً ومتناً.

وهذه الطريقة – أي طريقة مطالعة كتب الزيلعي وقرآءتها –  فعلها كثير من أهل العلم سواء كان هؤلاء في داخل القطر الصومالي حينما وصلت إليهم مؤلفات الزيلعي وآثاره العلمية حيث قاموا بدرايتها وقراءتها وعلى لسان حالهم قائلين ( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) [1] .

وقد قلدوا قول المشارقة حين رأوا كتاب العقد المشهور “بالعقد الفريد” لابن عبد ربه الأندلسي المتوفي 328هـ، وقاموا بقراءته، فعرفوا أن العلم المكنون في الكتاب مصدره من المشرق الإسلامي وما كتبه ابن عبد ربه الأندلسي إنما استقصى ينبوع مشرقي عربي إلى المغرب الإسلامى ثم رجع إلى موطنه الأصليّ.

وحينما بلغ الكتاب إلى الصاحب بن عباد ، قال بعد تأمله : ” وهذه بضاعتنا ردّت إلينا ، ظننت أن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم ، وإنما مشتمل على أخبار بلادنا …) وذلك لما أحس الصاحب بن عباد النزعة المشرقية في كتاب العقد [2].

إذاً فلا غرابة أن يكون لسان حال أهل الصومال وخاصة سكان مدينة زيلع وملحقاتها التي كانت متأخمة للسواحل اليمنية، ولها علاقة وطيدة  باليمن والحجاز ومصر،  والأخيرة التي أصبحت المسكن قبل الأخير للإمام الزيلعي اشتهر فيها أعداد كبيرة من أهل منطقة القرن الإفريقي، بل وارتفع فيها أروقة علمية خصصت للزيالعة والجبرتية، وهم أهل العلم وطلابه الذين وصلوا إلى مصر [3].

ولعل عند رجوع هؤلاء الزيالعة وغيرهم من أبناء المنطقة إلى بلادهم كانوا قد حملوا علوماً ومعارف استفادوا من خلال قراءتهم ومطالعتهم لكتب الزيلعي خلال تواجدهم في مصر وغيرها من العالم الإسلامي عبر العصور التي تلت الزيلعيّ ، أو ربما هؤلاء يحملون عند رجوعهم بعض مصنفات الحافظ الزيلعي ويأتون بها إلى موطنهم في المنطقة ، ثم يستفيد منه أهل العلم في المنطقة قراءة ومطالعة.

ولم يكن أهل الصومال وحدهم الذين استفادوا من كتب الحافظ الزيلعي وآثاره العلمية، بل هناك أعداد كبير من أهل العلم ، غير أنّ أهل الصومال استفادوا من مؤلفات الزيلعي عن طريقة المطالعة ، ومن هؤ لاء العلماء الذين استفادوا من الآثار العلميه التي خلفها الزيلعي، الفقيه المحدث محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الز ركشي الشافعي بدر الدين أبو عبد الله ، حيث كان يستمد كثيرا مما كتبه الحافظ الزيلعي من تخريج الاحاديث للرافعي[4] ، وسمى كتابه هذا : “خادم الرافعي” ، وهو حاشية عل  كتاب  الرافعي، [5] .كما استفاد الحافظ ابن حجر العسقلاني من كتب الزيلعي عند قيامه بتخريج الأحاديث ، ويدل على ذلك بعض أقوال العلماء .  ” وقال الفاضل الشيخ عبد الحي اللكنوني في كتاب سماه (الفوائد البهية) ، أنه استمد من جاء بعده من شراح الهداية ، بل منه استمد كثيراً الحافظ ابن حجر في تخارجه كتخريج أحاديث (شرح الوجيز للرافعي) وغيره [6].

وأسلوب القراءة والمطالعة كان من دأب العلماء ، كما فعل الزيلعي نفسه ، حيث كان كثير الاطلاع والقراءة  ، بل لازم مطالعة كتب الحديث إلى أن خرج أحاديث الهداية، وأحاديث الكشاف .  وربما لم يستطع الزيلعي إلا من هذ الطريق والأسلوب في أن ينجز ما أنجز به  في فترة عكوفه على التأليف والكتابة . ثم لاشك أن الدروس التي كان يلقي الشيخ خلال حلقاته العلميه العامه، أوتلك الحلقات التي كان أهل العلم – مثله – يخصصون طلابهم في الزوايا والأورقة أو في بيوتهم ودورهم ، ربما كان أيضاً لها أثرها الطيب في النواحى العلمية والثقافية . وعلى هذه الطريقة لاشك أنه أخذ عن الزيلعي كثير من أهل العلم ولاسيما بعد ما وفد إلى الديار المصرية التى التقى بها كوكبة من أهل العلم وعلى رأسهم شيخه من موطنه الأصلي، فخرالدين أبو عمر عثمان الزيلعي صاحب كتاب (تبيين الحقائق) ، لأنه ليس لدينا ما يثبت أن جمال الدين الزيلعي قام بنشاط علمي ينشر العلم والمعرفة في منطقته قبل أن توجهه إلى مصر، وبالذات مدينة القاهرة التى كان مأواه قبل الأخير – حيث هناك توفي- .

ومن أجلّ أثاره العلمية ما خلفه من أثار علمية ودونها قبل موته وأكملها في حياته.

ومن هذه الاثار كتبه ومصنفاته، مثل:

  • تخريج أحاديث الكشاف
  • نصب الرايه في تخريج أحاديث الهدايه

وهذان كتابان مشهوران في أوساط اهل العلم[7] ، في الصومال، غير أن هناك كتاباً آخر تركه الز يلعي وهو كتاب : ” مختصر معاني الآثار )” للإ مام الطحاوي، وهو من مخطوطات مكتبة رواق  الأتراك بالازهر والكوبرلي بالاستانة[8] .

ومهما كان فقد أثنى أهل العلم في الصومال  على كتب الزيلعي ثناءً حسناً عطراً ،  وذلك مما كان يستحقه [9] .

وللزيلعي فضل عظيم على أهل منطقتة الأولى –  منطقته القرن الافريقي – وليس ذلك فقط في النواحي العلمية والثقافيه، فإنما أيضاً كان له علا قة حميدة بأهل بلاده الأصليين، حيث كان يتابع أحوالهم وهمومهم، حتي إذا أحسّ خطر الأحباش  المتعصبين المسيحيين على أبناء بلدته ، دافع عنهم قدر استطاعته ، حيث دافع عن المسلمين في المنطقة عند سلطان مصر الملك الناصر محمدبن قلاوون، وطلب منه أن يكلف بطريق الإسكندريه، ليأمر ملك الحبشة الردع في ذلك والكف عن ظلم المسلمين  وإحراق مساجدهم ومقدساتهم.

وفعلا نفعت شفاعة الزيلعي لدى السلطان، وأحضر السلطان الناصر محمدبن قلاوون، وكلف رئيس كنيسة الاسكندرية بالكتابة  إلى الحبشة بمنع الظلم عن المسلمين ،  فكتب رئيس الكنيسة إلى النجاشي كتاباً يمنعه فيه من ظلم المسلمين [10].

وهذا يدل على مدى ما وصلت إليه من اهتمام الزيلعي وعلاقته بأبناء بلدته الأولى وعدم انقطاعه عنهم حتى ولو اختار مسكناً آخر . كما  أن المراسلات والاتصال فيما بين الجانبين شملت أيضاً النواحى العلمية والثقافية، وإن لم نجد ما يبرهن في ذلك .

وفـاتـه :

اتفق أهل العلم ممن ترجم لجمال الدين الزيلعي أنه توفي في شهر المحرم سنة 762  [11].

وتفرد بعضهم بتعيين  في الحادي عشر من المحرم[12] . وكانت وفاته بالقاهرة حيث دفن فيها . أما تعيين مكان قبره فقد حاول على باشا مبارك  معرفته وتحديده في كتابه (الخطط التوفيقية)، حيث ذكر في عطفة الزيلعي عند باب الوزير، وقال عرفت ضريح الشيخ المدفون بها. غير أنه لم يعين من هو .  وفي مقدمة كتاب نصب الراية ، أن بعض أهل العلم حاول معرفة ذلك المكان مثل الشيخ عبد الحميد الدسوقي عطية، والإستاذ الفاضل إبراهيم المختار الزيلعي، بالإضافة إلى الشيخ محمد زاهد الكوثر، وقال الأخير فألفينا في آخر العطفة المشارِ إليها سابقاً بيتاً مغلقاً وأطلعنا إلى شباكة ،  فإذا هو مكتوب على غلاق المرقد الشريف هذا مقام الإمام عبد الله الزيلعى، وكان خارج البيت فوق الباب، كتابة في حجر منحوتة فقرأنا فيه كلمة عبد الله وكلمة الزيلعي، ولكن بعد محاولة وبحث واستعانة بعلماء  الآثار اتضح  أنه هو (أبو عبد الله) فاتضح أنه غيره  . وأكد بعض أهل التخصص بالآثار بأن قبر الزيعلي وضريحه بقرافة القاهر بباب النصر،بيد أنه اندثرت المقبرة هناك،  فلا يعرف اليوم قبره أحد [13] .

الهوامش والمراجع

[1] –  وذلك أنّ كتب الزيلعي كانت مشهورة في نواحي منطقة الزيلع وضواحيها ، وكانت الرحلات العلمية بين الزيلع والأقطار الأخرى لم تتوقف عبر العصور الإسلامية المختلفة.

[2]–  ياقوت الحموي: : شهاب الدين أبوعبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي : معجم البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت – لبنان 4/214- 215 ، وانظر محمد حسين معلم  : الروايات التاريخية في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ( 328هـ ) المتعلقة بالخلفاء الأمويين ، ( 41 ـــ 132هـ ) . بحث غير منشور قدم إلى قسم الدراسات العليا التارخية والحضارية لجامعة أم القرى لنيل درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي 1418هـ / 1997م . 1/ 22.

[3]– انظر كتاب الثقافة العربية وورادها ، الفصل الثالث تحت عنوان : الرحلة العلمية إلى مصر والعلاقات الثقافية بين القطريين .

[4]– أنظر ابن حجر العصقلاني  : الدرر الكامنة  ، مصدر سابق 2/310.

[5]–  عمر رضا كحالة :  معجم المؤلفين العرب  3/174 – 175

[6] – أنظر مقدمة نصب الراية ص 7 وكلها نقولات من الشيخ محمد الزاهد  الكوثر في حاشية على  ذيل ابن فهد

[7] – ابن حجر: المصدر السابق والجزء والصفحة.

[8] – كما أفاد ذلك الكوثري ، انظر مقدمة نصب الراية للإمام الزيلعي

[9]– محمد الطيب بن محمد يوسف اليوسف :  ايثوبيا والعروبة والإسلام عبر التاريخ ، المكتبة المكية ، الطبعة الأولى ، 1416هـ – 1996م ، 2/297

[10] – محمد الطيب: المرجع نفسه  2/297.

[11] – – ابن حجر ك المصدر السابق 2/310

[12] – – مقدمة نصب الراية ص 8.

[13] – –  انظر مقدمة نصب الراية ص 8.

 

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى