اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / سُطور عرفان وتقدير للشيخ محمد أحمد روبلى رحمه الله

سُطور عرفان وتقدير للشيخ محمد أحمد روبلى رحمه الله

توطئة :

الحمد لله مُقدر الأحوال والأعمار والأشهر؛ الناظر إلى أحواله عباده في السر والعلن ثم الصلاة والسلام على عبده محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته الطيبين الأطهار.

وبعد؛

رغم مرور على وفاته ربع قرن من الزمان، فإنه لايزال قلبى يذكره بالخير والحنان والتقدير ، ففي ليلة العيد مساء السبت 17/7/2015 اتصلت بالزملاء أهنئهم بعيد الفطر منهم من ذكرنى بتقوى الله ومنهم من دعا لي بالخير والتوفيق ومنهم من ذكرنى بأيام الطفولة والدراسة والجيران وخلاوي القرآن الكريم، وحلقات المساجد التي روتنا بالعلم والمعرفة والإخلاص في القول  والعمل والزهد والقناعة، ثم آويت إلى الفراش في الساعة 11 تقريباً فبدأتُ أقرأ كتاباً عن الأدب المعاصر وطرق تدريسه فتذكرت بالحبيب وزُهده وبشاشة وجهه فلم أستطع النوم بدأتُ اتقلب على الفراش ثم أخذت قلمي فسودت هذه السطور عن بعض ذكرياتى معه. وأرجو من الأخوة الأفاضل إضافة ما نقص منه خاصة الذين التصقوا به مثل الأخ محمد أدم إبراهيم  الدجودي السرنسوري المنديري المعروف بنيفاشا هو رفيق دربه وكان يده اليمنى وكذلك الأخ الشيخ جمعالى محمد السرنسوري أما الأول فهو في أمريكا والثاني صار رجل أعمال.

المعرفة والصداقة:

كان أول لقاء بيني وبينه عام 1987م مدينة منديرا بيت شيخى عبد الرحمن مرسل أحد أبرز الدعاة  في المنطقة  قادما من نيروبي ولم يحصل بعد الجنسية الكينية .

وكنا نستمع أشرطته  وكانت تشبه إلى حد بعيد أشرطة عبد الحميد كشك مع اختلاف  المضمون والمنهج والظرف ثم تفرقنا هو رجع إلى نيروبي وأنا سافرتُ إلى ممباسا لمواصلة المرحلة الثانوية ثم يسر الله لنا بأن حصلنا له البطاقة الشخصية من وجيرا باسم قبيلة داجودي سرنسور([1]) كبرى قبائل هوية في المنطقة وهي أخ شقيق لغلجعل) ومسرى وعيسى (Galjecel ,masare,ciisa.

وفي عام 1990م سكنت معه في غرفة واحدة في حي إسلى بعد تخرجي من المرحلة الثانوية وانتظاري المرحلة الجامعة وتوطّت علاقتى معه وعرفته عن قرب وسافرنا معا وتقاسمنا في الخبز وسهرنا معا.

عبادته: كان رجل آخرة وليس رجل دنيا وبهجتها الزائلة والله شاهد على ما أقول ،فإنه لاينام إلا قليلاً – وبالأسحار هم يستغفرون- لا ينام إلا نوما متقطا بين  العبادة والمطالعة والأذكار ولا يأكل إلا ربع خبز  أو أقل، كثير الصوم والإنفاق زاهداً عن الدنيا وبهجتها الجاذبة، يتعهد بطلاب العلم خاصة الطالبات يتعهد بشؤونهن كأنه أب رحيم أو أخ عطُوف.

علمه: حسبما أخبرنى فإن أكثر علمه حصله بجهده  الفردي وإن كان له بعض شيوخ تلقى منهم بعض الابجديات في الفقه الشافعي ،وكان يملك مكتبة ضخمة مقارنة في وقتها حوت أمهات أكتب الحديث وشُروحها وكتب الجرح والتعديل خاصة كتب الألباني رحمه الله وإذا صح الحديث عند الألباني اعتمده ولو خالفه نقاد الحديث وجهابذته تقل في مكتبته كتب الفقه وأصوله وعلوم العربية .

ليس بفصيح في اللغة العربية ويفهما فهما جيدة والسبب لم يتدرب كبقية طلاب حلقات المساجد وهي مشكلة تحتاج إلى علاج جذري، ترى من يحفظ متون اللغة وشروحها بما فيه حاشية الأشموني ولكنه لا يستطيع التحدث بها.

همومه:

أولا أكثر إهتماماته الدعوة إلى الله تعالى يلقى المحاضرات والدروس في المساجد وخطب نارية قوية اللهجة والنقدم خاصة في مسجد أبى بكر الشارع 6 حي اسلى كان مأوى لكثير من الدعاة الصوماليين .وكنا نسافر إلى الأقاليم خاصة منطقة انفدي وغيرها لإلقاء المحاضرات في اصلاح الشباب والنساء.

ثانيا:المذاكرة الدائمة في الليل والنهار ولا يضيع دقيقة واحدة من وقته بدون فائدة خاصة كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم يحفظ أكثرها ويستطيع  جمعها عند تعارضها بطريقة جيدة .

ثالثا:الجهاد كان أكبر همه احياء شعيرة الجهاد ويسأل الله تعالى أن يكتب له الشهادة سافر إلى أفغانستان عام 1991م ومكث عدة أشهر ثم  رجع لضعف صحته التي تتكرر عليه من وقت لآخر.

رابعا:احياء منهج سلف الصالح حيث كان يميل المنهج الظاهري يأخذ النصوص بظاهرها ويتشدد فيها ولا يقرأ غالبا كتب الفقه إلا يسيرا خاصة الحنابلة ،ومع هذا يسمع النصائح العلمية والمناقشات المستفيضة حول المسائل المسيرية ولا يلتفت إلى كتب أصول الفقه والقواعد الفقهية وفقه المقارن وأخيرا اشترى كتاب الفقه الإسلامي وأدلته، وكان لا يؤيد الجماعات التي تنادي بالجهاد في الصومال وينقدها نقدا لاذعا.

خامسا:محاربة البدع بجميع أنواعها وأشكالها وحارب بلسانه القبلية التي ابتليت بالشعب الصومالي وينقد بعض العلماء نقدا لاذعا حولها وكان يرى أكثر مشكلة لحل الأزمة الصومالية القبلية.

الحركات الاسلامية:

كان لا ينتمى أي حركة من الحركات الإسلامية في المنطقة كان حراً في منهجه قريبا إلى السلفية من حيث المضمون، ومع هذا كان يقرأ كتب الشيخ محمد الغزالي مثل:فقه السيرة الذي خرج أحاديث الشيخ محمد الألباني ،المحاور الخمسة في القرآن ،وكان يُثنى كثيرا على الشيخ محمد معلم وشريف عبد النور ،ومن محاسنه أنه كان لا ينقد العلماء ولا يجرحهم إلا نقدا علميا مسحوبا بالأدلة العلمية خلافا على الشباب الذين يرتادون على مسجد أبى بكر لم يسلم منهم عالما إلا نقدوا بأبشع صوره، ولا يعطون حرمة للسن أو مكانة للعلم مثل العلامة الشيخ محمد الهادى الحسنى رحمه الله وكان مُوسعة علمية في كل فن من فنون العلم كثير التواضع بشاش الوجه كثير العبادة وقراءة القرآن الكريم وربما كمله خلال الأربع والعشرين ساعة أحد أقطاب السلفية وأحد مؤسسين هذا المسجد ([2]).

وكان لا ينتمى أي روبلى إلى جماعة من الجماعات وسبق أن انتمى إلى إحداها ولكن سرعان ما انفصل عنها حيث لم تعجب بها هكذا أخبرني أحد رفقائه والمقربين إليه وفي الجملة كان لا يختلف منهجه عن منهج السلفية المنتشرة في ربوع الصومال.

آخر لقاء بينى وبينه:

يوم السبت 4/11/1991م عندما قررت السفر إلى السودان وودّعنى بحرارة وودّ ودعا لى بالخير والتوفيق كأنها الأخيرة ، حيث اشتركت الملتقي العالمي الأول للشباب اشترك فيه أكثر من خمسين دولة إفريقية وعربية وأسيوية استمر لمدة 15 يوما .

في 24 /11/1991م قبلتُ بجامعة إفريقيا العالمية (كانت تطلق عليها كليتى) التابعة لجامعة أم درمان الإسلامية ) وبعد شهرين حوّل المركز الإسلامي الإفريقي إلى جامعة أفريقيا العالمية الحالية وتخرجتْ أوّل دفعة منها عام 1992م .

وفي النصف الأخير من عام 1992م قابلتُ الأخ الفاضل حسين بشر شيخ الشيقالي ([3]) وكان طالبا بكلية العلوم قسم جيولوجيا جامعة الخرطوم – وقبلنا أنا وهو بجهد من الأخ الكريم عمر علي إدريس سفير الصومال في دولة قطر ،الله يذكر بالخير وهو شخصية عبقرية تربطنى به علاقة زمالية منذ عام 1984م في مدينة مندير([4])- فأفادنى بوفاة الشيخ محمد أحمد روبلى فاتصلت بجيراه في نيروبي فطلبتُ تحويل المكالمة إلى الشيخ فأفادني بوفاته، فدمعت عناي ولم استطع مواصلة المكالمة وتأكدتُ أننى لنْ ولنْ أقابلهُ  قبل يوم الجزاء والمحشر، متعلق قلبى به وكان أخا ناصحا وداعية ربانية مخلصة في القول والعمل اللهم أجمعنا في عوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

تم تسويده في النصف الأخير من ليلة السبت 1 شوال 1436هـ الموافق 18 شهر يولية 2015م

 

 

 

[1]  تقطن منطقة أنفدي خاصة وجير ومنديرا تاناريفا وجزء من غاريسا وإثيوبيا بدأ من دولاو(dolaw) إلى حدود أورمه(negele Borana) وشمال الصومال قبيلة مادغان (Madigan Besha) وأحد بطون مسري وتتكون قبيلة دجودي 11 فخذا.

[2] خريج من الجامعة الإسلامية أول دفعة مبتعث من دار الافتاء السعودية إلى كينيا عام 1970م تقريبا فمكث بها قرابة أربعون عاما ومن الغريب أنه لم يغير جنسيته إلى مماته ، وكان أية في العلم في جميع فنونه تلقلى في غرب الصومال مع الشيخ محمد معلم والعلامة الشيخ محمود طقنى المنديري والشيخ يوسف الهذمي رحمه الله والشيخ أحمد أبو بكر الشيقالي رحمه الله و هو أحد شيوخي وشيخي حسين الكرنلي وشيخي حسين عبده يوسف المسري السرنسوري رحمه الله وكان أية في فقه الشافعي يحفظ كتاب المنهاج وشرحه مغني المحتاج وحاشية مغني المحتاج.

الشيخ محمد الهادي كان لغويا بمعني الكلمة وفقيها شافعيا ثم حنبليا ،وأعجبت بتواضعه وغزارة علمه وكثرة سكوته إلا عند الحاجة كثير الاطلاع والمذاكرة كان يُكمل أسبوعيا كتابا أو كتابين  خاصة كتب الحديث والفقه، توفي في إحدى الدول الاسكنيديفية عام 2007م تقريبا

[3]  خريج في الجامعة الوطنية كلية العلوم بمرتبة شرف ثم عُين معيدا فيها، فكان من ضمن الشباب الذين تعرفت عليهم في نيروبي ثم  التحق جامعة الخرطوم كلية العلوم قسم جيولوجيا درجة الماجستير ثم دكتوراه نفس الجامعة ثم عين أستاذا مساعدا في جامعة افريقيا العالمية كلية العلوم قسم جيولوجيا شعبة الآبار والمعادن البترولية وهو أحد المثقفين الصوماليين وثاني طالب صومالي يحصل على درجة دكتوراه في السودان كان قبله الشريف سيدو عبده قسم المناهج وطرق التدريس عام 1994م وحاليا في أمريكا.

[4]  من مواليد غرب الصومال من أب جيجيلي وأم  دجودية  تخرج من المركز الإسلامي الإفريقي عام 1985م ثم قبل بكليتى قسم جغرافيا وهو أول دفعة تخرجت بجامعة افريقيا عام 1992م ثم حصل على درجة ماجستير في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا قسم علم النفس الارشادي ثم ماجستير في العلاقات الدولية في المملكة المتحدة ، وهي شخصية عبقرية يجيد كثير من الفنون هادى الطبع كثير التواضع والإطلاع فصيح اللسان كثير الهموم في أمراض الآمة  خاصة الآمة الصومالية ، ودائما يسعى لمساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم . ويستحق أن أكتب عنه مقالا مستقلاً ربما مقالات إذا تيسر- إن شاء الله-  قبل الممات.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن د. يونس عبدلى موسى

د. يونس عبدلى موسى
الدكتور. يونس عبدلى موسى يحيى: باحث في شؤون شرق إفريقيا وأستاذ الفقه وأصوله بجامعة عبد الرحمن السميط التذكارية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية،وهو من مواليد مدينة منديرا Mandera(NFD) شمال شرق كينيا عام 1/8/1968م دكتوراه فقه المقارن جامعة أم درمان الإسلامية عام 2003م ممتاز مع مرتبة الشرف، ماجستير الجامعة الإسلامية في أوغندا الفقه المقار عام 2000م ممتاز مع مرتبة الشرف ،البكالوريوس الشريعة والقانون شعبة القانون جامعة إفريقا العالمية عام 1994م(الدفعة الثالثة) والباحث في شؤون شرق إفريقيا. وعضو بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعضو اللجنة التأسيسية باتحاد علماء إفريقيا

3 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله …. وبعد .. لي كتيب سميته (تحفة الخلاء بسيرة بقل صوم) ذكرت فيه شيئا من سيرته ،وهو مطبوع.

  2. بارك الله فيك، يا دكتور يونس، لفد أفدت وأوجز،وتدوين المشاهدات الشخصية أمر جميل، بدوري في مجلة الحكمة التي كانت تصدر من بوصاصو 2005 كتبت ترجمة عن ( المصلح الثائر بقلصوم رحمه الله) وكانت أخبارا جمعتها من بعض معارفه، وتلاميذه والمتأثرين به، وكانت ترجمة عاطفية جدا ؛ لما أكن للرجل من تقدير لدوره الكبير، وإخلاصه – كما نحسب والله حسيبه. وربما أعيد نشرها في مركز الدراسات، لتتكامل الترجمات، أما الأخ يوسف الذي علق على الموضوع وأخبر أن له كتابا ، فأرجو أن يدلو بدلوه، وأن يحول الكتاب إلى مقال يجمع أهم كتب عن الشيخ بغية الفائدة، وتوصيل المعلومة لمن لا يتوافر لديهم الكتاب ، وشكرا لكم جميعا

  3. السيد أبو حامد الحسني

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

    بداية أود أن اشكر صاحب المقال وبعد ذالك أريد أن أنبه على أن الشيخ العلامة محمد هادي الحسني توفي في نيو زيلندا ولم تكون بلدة وفاته رحمه الله في إحدى الدول الاسكنيديفية كما جاء في هوامش المقال .

    شكر الله سعيكم

اترك رد