أخبارالركن الثقافيمقالات

تجديد الفكر الإسلامي ومساراته في الصومال (ركن إسبوعي 2)

التجديد الإسلامي عند الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي ( أحمد جوري)
انطلاقا من التأصيل السالف في موضوع تجديد الفكر الإسلامي أي طريقة تعامل المسلمين بدينهم، وعلاقتهم به ، يشير حديث ((إن الله يبعث لهذه الأمة)) إلى أن هذا المبعوث لم يعد همه نفسه فقط، بل يتجاوز ذلك ليعيش لهذه الأمة، فهو صاحب عزيمة وهمة يعيش هموم أمته ويبذل قصارى جهده مواصلاً عمل النهار بالليل، لينقذ هذه الأمة من وهدتها، ويعيد لها ثقتها بدينها، ويردها إلى المنهج الصحيح، مصابراً على ما يعترض سبيله من عقبات ومغالباً كل المشقات والتحديات، ليصل إلى رفعة هذه الأمة وعودة مجدها .
وفي هذا ضوء اللون من التجديد في جانب الحكم والجهاد نجد أن الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي المعروف بالأشول، هو أول من نعت بأنه مجدد عظيم أثرت إصلاحاته حياة مجتمعه في عصره ، وامتد تأثيرها إلى من بعده ، وهذا الإمام هو القائد الأسطورة الذي كاد أن يطيح بالمملكة المسيحية الأرثوذكسية في الحبشة، ويحوِّل إثيوبيا إلى مملكة إسلامية، رجل اشتهر بالشجاعة والقتال والفتوحات والعدل والسخاء، نشر الإسلام في القرن الإفريقي، وأوسع رقعة المسلمين في عمق إثيوبيا، ومكَّن للصوماليين أن ينتشروا غربا داخل الهضبة الإثيوبية، وجنوبا داخل القوميات الوثينية وقد ولد هذا الإمام في أرض بين زيلع وهرر، في فبراير 1507م من أسرة كانت عاملة في جيش أمير هرر واستشهد في 17 من ذي العقدة 949هـ، الموافق 22 من فبراير 1543م .
وأول من نعته بأنه مجدد لكثرة نفعه، وخلود آثاره، وانتشار خبره ، وأول من تنبه إلى قوة تأثيره هو راقم سيرته ، وكاتب يومياته وهو الجيزاني المشهور بعرب فقيه صاحب كتاب ( فتوح الحبشة) بأن الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي ( أحمد غري)كان أحد المجددين فقال” منهم من يجدده بنشر العلوم في الآفاق، ومنهم من يجدده بضرب السيف لذوي الشقاق والنفاق، ومنهم من يجدده بحسن السياسة والدراية ” .
وإذا بحثنا في صفاته القيادية والعلمية حسبما وصل إلينا من سيرته وقارناها بمواصفات المجددين كما استنبطها كثيرون من حياة من نُعتوا بكونهم مجددين في تاريخ المسلمين ومن تلكم الصفات أن يكون معروفا بصفاء العقيدة وسلامة المنهج، وأن يكون عالما مجتهدا، وأن يعم نفعه أهل زمانه، ، وأن ينتشر أمره إلى أوسع نطاق ، وأن يشمل تجديده ميداني الفكر والسلوك في المجتمع ، وأن يحسن من علاقة الأمة بدينها أي يردها إلى التمسك بدينها ومصدر عزتها ، فإننا نجد أن الإمام أحمد بن إبراهيم –رحمه الله- اتصف بصفات جليلة من بينها:
1. تطبيق شرائع الإسلام ورد الأمة إليه
ما توافر من سيرة هذا الإمام يشهد أنه كان يرى أن الإسلام هو مصدر عز الأمة وبالتالي يجب تطبيق الإسلام تطبيقا صحيحا، وهذا التطبيق يتمثل في تطبيق أركان الإسلام الظاهرة من تحقيق التوحيد الظاهر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والصوم ، وتطبيق شرائع الإسلام في مجال الأسرة والمعاملات ، وفي علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم ، يشير إلى هذا نصوص كثيرة وردت في كتاب فتوح الحبشة الذي يصف عهده وصفا جيدا حيث يقول عرب فقيه: “ثم إن الإمام قال للأمراء والسلطان الذي سلطنه مكان أخيه أبي بكر كما ذكرناه واسمه عمر دين في أمر الزكاة ؛ لأن السلطان والأمراء وأربابهم ومن تولى بر سعد الدين يأخذون الزكاة من المسلمين يأكلونها ويصرفونها في مصالحهم، ولا يعطون للفقراء والمساكين ومن يستحقها منها شيئا، فقال لهم الإمام أحمد –رحمه الله- : الحمد لله إن الله أكرمنا بالإسلام، وأعزنا، وأحل لنا الغنائم من أموال المشركين، وغنمنا غنائم ما غنموها أباؤنا ولا أجدادنا ولا من كان قبلنا، فهي تكفينا نأكلها ونشتري منها آلة الحرب للقتال، وأما الزكاة ففرِّقوها على الثمانية الأصناف، فقال الأمراء والسلطان في حال الموقف – من خيفة الإمام أحمد رحمه الله تعالى: مرحبا بالذي تأمرنا فيه، ولا نخالفك فيه ، فحينئذ أرسل الإمام أحمد عمَّاله على أهل البلاد وأهل المواشي والزارعين وأخذ منهم الزكاة ” . وحرصه على التطبيق الصحيح لشرائع الإسلام من أشد ما يصدق عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- (من يجدد لها دينها) أنه أضاف الدين إلى الأمة ولم يقل يجدد لها الدين، وذلك لأن الدين بمعنى المنهج الإلهي الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما إشتمل عليه من عقائد وعبادات وأخلاق وشرائع تنظم علاقة العبد بربه وعلاقته بغيره من بني جنسه، ثابت كما أنزله الله لا يقبل التغيير ولا التجديد، وأما دين الأمة بمعنى علاقة الأمة بالدين ومدى تمسكها وتخلقها به وترجمتها له واقعاً ملموساً على الأرض، فهو المعنى القابل للتجديد ليعيد الناس إلى المستوى الذي ينبغي أن يكونوا عليه بعلاقتهم مع الدين .
إن قيادة الإمام أحمد للجهاد تعتبر أقصى درجات تطبيق النظام والدولة إذ أن الجهاد عملية تحتاج شاقة ، بل هي أعلى درجات تطبيق النظام والدولة فهو يتطلب وجود قيادة تنظم الشئون ، وتوجه الطاقات نحو البناء والجهاد ، وهذا يستتبع وجود إسلامي يطبق الشريعة أيا كان شكله ودرجة تطبيقه للشريعة الإسلامية.
2. تحسين أخلاقيات الدولة
في عهود الانحطاط الفكري تموت المشاعر الإنسانية الحية في الحكام والمحكومين على السواء، ويصبح الحكم مطية للشهوات وسلما إلى المتع والرغبات، وتنشأ في الرعية قابلية للاستعباد والقهر فتسوء أحوالها، وينتشر الظلم إلى الحد الذي ييئس منه المحرومون منه، إن قيام هذا الإمام بالإصلاح في مجال الحكم والسياسة ليس أمرا مشهورا كما اشتهرت معاركه مع أعدائه، فهو اتجه إلى الإصلاح الداخلي قبل أن يتجه إلى إحراز انتصارات في الجهاد الميداني، وجعل الخطوة الأولى هي أيفاء الحقوق لأهلها ونصرة الضعفاء، وتحسين الأوضاع الحياتية للأمة وقد شهد بذلك المؤرخون لحياته يقول المؤرخ العمري عنه ” كان يجلس ويلطف بالمساكين، ويرحم الصغير ، ويوقر الكبير، ويعطف على الأرملة واليتيم، وينصف المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى مكانه، ولا تأخذه في الله لومة لائم ” بهذه الأخلاقيات الرفيعة اكتسب الإمام أحمد جوري رحمه الله حب أمته ، وبهذه الأخلاق قادها إلى المعاركة متماسكة في الداخل كالبنيان المرصوص.
وإذا تأملت في الحال التي عليها المجتمع الصومالي أدركت أن المشاحنات التي تضعف هذا المجتمع يمكن القضاء عليها أو تقليلها بقيادة حكيمة تحمل هما أكبر من هم العشائر والقبائل إنه هم الأمة وهم الإسلام، وهم المثل العليا وتضع نصب عينها تحقيق أهداف عليا يعم نفعها عموم المسملين، في منطقة القرن الإفريقي.
3. توحيد القبائل الصومالية في القرن الإفريقي.
من إلقاء النظرعلى مجموع الأخبار المنقولة عن عهد الإمام نجد أن الإمام –رحمه الله- نشأ وفي دولة عدل صراع على السلطة, ويبدو أن هذا الصراع كان بين بعض أصحاب المصالح من فئة التجار ومن يساندها من العلماء، وكانت هذه تدعو إلى دعم السلام مع الحبشة (إثيوبيا) ولو بتأدية الجزية, وذلك لضمان مصالحها الاقتصادية، وبين فئة من المسلمين الذين كانوا يسعون للتخلص من التبعية الحبشية عن طريق الجهاد، والتوسع في أرض الحبشة، فبذلك يكسب المسلمون أراضي جديدة ينتشرون فيها, ويحصلون على الكثير من الخيرات والغنائم، وفي الوقت ذاته ينشرون الإسلام. ورافق هذا الصراع الداخلي، صراع خارجي مع الحبشة، ذلك الصراع الذي لم يتوقف منذ القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. لأن الحبشة كانت حريصة على الحد من النشاط التجاري للمسلمين، وضم بلادهم إليها، ولاسيما أن الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها المسلمون كانت تفوق في مساحتها أرض مملكة الحبشة النصرانية نفسها. وكانت تلك الأراضي تحيط بها من الجنوب والشرق مما جعلها مطوقة بالمسلمين، إذا ما أضيف إليها من الغرب السودان المسلم أيضاً.
وبما أن ذلك العصر كان موغلا ولا تتوافر تدوينات تاريخية إلا ما نتف مثل ما ورد في كتاب عرب فقيه ، فالأمر يبدو أن الصوماليين الذين كانوا يعيشون حياة البدو ظلوا يعيشون على الغارات وحياة البادية وثقافتها القائمة على التنافس على الشرف والموارد الشحيحة في بيئة القرن الإفريقية الشبه الصحراوية، فلا يعدم من مثل تلك البيئة الغارات والتصادمات العشائرية، لكن عندما ظهرت الشخصية القيادية الذي ارتفعت همته عن المشاحنات والتفكير السطحي القائم على العشيرة والمصالح الشخصية، بل يتحلق في سماء المبادئ العليا والدفاع عن حوزة المسلمين في وجه الطغيان الحبشي، فإن القبائل الصومالية والعفرية دانت للإمام وألقت إليه مقاليدها، وهذا تؤيده الوقائع الواردة في كتاب فتوح الحبشة حيث احتشدت القبائل الصومالية والقبائل التي أوردها عرب فقيه بأسمائها وأسماء مقدميها، وعدد فرسانها قادمة للمشاركة في الجهاد هي القبائل الصومالية والعفرية المشهورة الآن في القطر الصومالي والعفري.
إن الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، من سلاطين سلطنة عدل ( أوفات) التي تزعمت حركة الجهاد الإسلامي ،وهو أرفعهم ذكرا وأشهرهم أمرا ، ومعروف أن سلاطين عدل تميزوا بالالتزام إلى حد التشدد بأخلاقيات الإسلام في السلوك الاجتماعي وفي الإدارة الحكومية ، واتخذ سلاطينها ألقابا متصلة بالدين مثل سعد الدين ، وجمال الدين ، ونصر الدين ، وشهاب الدين كما أصبح العلماء طبقة ذات وجود مؤثر في البلاط السلطاني وفي الحياة الثقافية والاجتماعية فقادوا حركات الجهاد حيث استشهد في موقعة واربلى في سنة 1414م والتي كانت بين السلطان سعد الدين وبين النجاشي إسحاق – استشهد فيها 400 شيخ من الشيوخ الكبار تحت كل منهم عدد كبير من العلماء والطلبة والشبان كما استشهد فيها سلطان ( كذا ) سعد الدين نفسه ” )
ونختتم هذه الحلقة بالقول بأن التراجم التي حوتها دواوين التاريخ عن هذه الحقبة الزمنية من تاريخ شعوب القرن الإفريقي ومنها الشعب الصومالي المسلم تشهد وجود حالات انتفعت الأمة بآثار هؤلاء المجددين من الحكام الذين عاشوا للأمة ، ونختم حديثنا بإحدى هذه التراجم أوردها العلاّمة الشوكاني حين ترجم لبعض ملوك تلك الممالك فقد ورد في البدر الطالع ترجمة رقم 421 محمد بن أبي البركات بن أحمد بن علي بن محمد بن عمر الجبرتي الحنفي المعروف بابن سعد الدين سلطان المسلمين بأرض الحبشة .. أصلهم فيما قيل من قريش فرحل بعض سلفهم من الحجاز حتى نزل بأرض جبرت ، فسكنها إلى أن ملك ملك الحبشة بعضهم مدينة أفات ( كذا ) وأعمالها فعظم وقويت شوكته ، وحمدت سيرته وتداولها ذريته حتى انتهت إلى صاحب الترجمة في سنة 828 هجرية فملك كثيرا من تلك البلاد ، وامتلأت الأقطار من الرقيق الذين سباهم ، ودام على ذلك حتى مات شهيدا في بعض غزواته في جمادى الآخرة سنة 835 خمسا وثلاثين وثمان مئة قال السخاوي : وكان ديّنا عاقلا عادلا خيّرا وقورا مهابا ذا سطوة على الحبشة أعزّ الله الإسلام في أيامه . وملك بعده أخوه فاقتفى أثره في غزواته وشدّته ” وقال ابن حجر في أنبائه : وكان صاحب الترجمة شجاعا بطلا مديما للجهاد وعنده أمير يقال له حرب لا يطاق في القتال كان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه فهزم الكفار من الحبشة مرارا وغزاهم السلطان مرّة وهو معه فغنم غنائم عظيمة حيث بيع الرأس من الرقيق بربطة ( ورق – أي – قات ) وكان من خير الملوك دينا ومعرفة ، يصحب الفقهاء والصلحاء ، وينشر العدل في أعماله حتى في ولده وأهله ، وأسلم على يديه خلائق من الحبشة حتى ثار عليه بنو عمّه فقتلوه في التاريخ المتقدم (4) . وللحديث بقية إن شاء الله.

المراجع

[1] – علي محمد محمد الصَّلاَّبي، عمر بن عبد العزيز معالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة، المؤلف: ،الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، الطبعة: الأولى، 1427 هـ – 2006 م، نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ57.))

[2] – أنور أحمد ميو، الإمام أحمد إبراهيم جري مجاهد وقائد صومالي، نشر بموقع الشاهد الإلكتروني في 23 سبتمبر 2013. نقلا عن مصادر أخرى.

[3] – فتوح الحبشة، المقدمة ص3-4

[4] – علي محمد محمد الصَّلاَّبي، عمر بن عبد العزيز معالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة، المؤلف: ،الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، الطبعة: الأولى، 1427 هـ – 2006 م ص 97 وما قبلها.

[5] – فتوح الحبشة، ص: 89

[6] – من أجل صحوة إسلامية للقرضاوي صـ26 ـ 27.

[7] – المقريزي الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام القاهرة1895م ص : 6 بواسطة اللغة العربية في الصومال ص : ( 58

(8)  البدر الطالع ص: 657- 658 طبعة بيروت

 

 

محمد عمر أحمد

باحث وكاتب صومالي، يؤمن بوحدة الشعب الصومالي والأمة الإسلامية، درس في الصومال وجمهورية مصر العربية، عضو إتحاد الصحفيين العرب سابقا، ومحرر سابق لموقع الصومال اليوم، يعمل حاليا محاضرا بجامعة ولاية بونتلاندا بمدينة جاروي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات