أخبارتقارير ودراسات

الصراع الصيني الأمريكي على جيبوتي 

يتعاظم النفوذ الصيني في جيبوتي في الأونة الأخيرة، بشكل لافت للنظر، وتتطور العلاقات بين البلدين ولاسيما في المجال الإقتصادي والعسكري وسط مخاوف أمريكية من الآثار السلبية لتلك العلاقة على تواجده العسكري في جيبوتي والقارة الأفريقية عموما، حيث اعتبر  مسؤولون امريكيون التقارب الصيني الجيبوتي، بانه  تهديد لمصالحهم في المنطقة، وخطر يمكن من شأنه ان يوتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بسبب ما يثيره من احتمال احتكاك مع المصالح الأمريكية.

تمول الصين حاليا مشاريع ضخمة تستهدف الي تطوير البنى التحتية في جيبوتي بكلفة مالية تقدر بأكثر من 14 مليار دولار  وذلك ضمن خطة انمائية لتطوير شبكات الطرق، ولتحسين المواني البحرية والمطارات الجيبوتية التي تشهد ازدحاما كبيرا بسبب النزاع في البلدان الساحلية بالمنطقة مثل اليمن والصومال، وينهمك العمال الصينيون حاليا لبناء رصيف جديد مخصص كليا لحاملات الحاويات الآتية من آسيا. وهذا الرصيف هو الأول من سلسلة 6 موانئ جديدة متخصصة للمعادن، والمواشي، والنفط والغاز وسترى النور قريبا في جيبوتي لتضاف إلى المرفأين الموجودين أصلا.

وكذلك تعهدت الصين في ختام “منتدى التعاون الصيني الأفريقي» الذي عقد في أديس أبابا، مطلع شهر يوليو الجاري، لبحث تعزيز مشروعات التنمية والاستثمارات الصينية في أفريقيا، وآفاق التعاون الأفريقي الصيني،  بزيادة استثماراتها في جيبوتي بالأضعاف، وإقامة شراكة حقيقية معها في اطار خطتها لزيادة استثماراتها الحالية في أفريقيا والذي يقدر بـ 5% من إجمالي الاستثمارات الصينية في القارة لتصل إلى 10% خلال السنوات الخمس المقبلة.

لا يقتصر دور الصين في جيبوتي على المجال الاقتصادي وانما بدأ يتطور بشكل تدريجي نحو اقامة شراكة حقيقية في مجالات اخرى اكثر حساسية بينها المجال العسكري، فقد كشفت تقارير اعلامية عن وجود اتفاقية سرية بين الصين وجيبوتي لإنشاء قاعدة عسكرية صينية بالقرب من قاعدة «ليمونيير» الامريكية أهم القواعد العسكرية الأمريكية في القارة الأفريقية والتي تضم اكثر من 4.500 جندي امريكي، وتنطلق منها الطائرات بدون طيار والعمليات العسكرية الامريكية ضد عناصر القاعدة في اليمن  والصومال، وهو الأمر الذي اثار قلق الولايات المتحدة الامريكية  اكبر الدول الداعمة لجيبوتي .

وتخشى الولايات المتحدة من ان يؤثر وجود القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي سلبا على مصالحها في هذا البلد وخصوصا على قاعدة «ليمونيير»  العسكرية التي تنطلق منها العمليات السرية ضد القاعدة في الصومال واليمن، واشار مسؤولون امريكيون الي وجود مخاوف امريكية جدية من ان تفرض الحكومة الجيبوتية قيودا على وصول الجنود الأمريكيين الي القاعدة وعلى حركة الأفراد العسكرين داخلها بالاضافة الي تقييد العمليات العسكرية الي تقوم بها القاعدة.

تقع قاعدة «  ليمونيير» بالقرب من مطار جيبوتي وتنطلق منها الطائرات الأمريكية بدون طيار، ويتمركز فيها عدد من الطائرات المروحية وغيرها من الطائرات الأمريكية في هذه القاعدة، التي تقوم بعمليات، بعضها سريٌ وأخرى تقليدية بالاضافة الي  تدريب جيوش الدول الإقليمية لمحاربة حركة الشباب في الصومال.

هناك عدة عوامل أدت الي التقارب الصيني الجييوتي بعضها عوامل تتعلق بالرئيس الجيبوتي اسماعيل عمر جيلي ورغبته في التحرر من الاعتماد على دعم الولايات المتحدة الامريكية والغرب أو على الأقل في التمكن من تخفيف الضغوط  الامريكية علي نظامه وخصوصا فيما يتعلق بشأن سجل جيبوتي في مجال حقوق الانسان بالاضافة الي رغبته في الترشخ لرئاسة الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، وبعضها الأخر تعود للصين التي ترغب في ان تعزز وجودها  في القارة الأفريقية مستفيدة من الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة بسبب انشغالها في قضايا دولية أخرى.

خلال السنوات القلية الماضية استطاعت الصين ان تثبت أقدامها في افريقيا من خلال انشاء نفوذ اقتصادي لا يستهان به ولا سيما في مجال الطاقة والاتصالات، وكان لا بد لها من أن تؤمن منافذ بحرية استراتيجية لهذا النفوذ المتنامي، وبالتالي لم تجد في شرق افريقيا سوى الصومال وجيبوتي نظرا لاهمية موقعهما الاستراتيجي المطل على المحيط الهندي والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب الذي يعتبر ممرا مهما للتجارة العالمية ولأي تحركات عسكرية قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة باتجاه منطقة الخليج العربي وشرق افريقيا.وعلى هذا الأساس أولت الصين في السنوات الأخير إهتماما كبيرا لجيبوتي وفتحت آفاقا جديدة للتعاون معها.

لكن هذا التقارب الصيني الجيبوتي مخفوف بمخاطر وينذر بتدعيات على المستقبل السياسي للرئيس اسماعيل عمر جيلي التي يتربع على كرسي الرئاسة منذ ١٩٩٩ والذي ينوي الترشح لفترة رئاسية رابعة في الانتخابات الرئاسية المقررة اجراؤها عام ٢٠١٦.وكشفت صحيفة تلغرف البريطانية ان الدبلوماسين الأمريكين يحاولون منع الرئيس عمر جيلي من الترشح للانتخابات الرئاسة المقبلبة على أمل ان يتم انتخاب زعيم اكثر معقولية منه واكثر توافقا مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

وقالت الصحيفة ان العقود الماضيية كانت جيبوتي تعتمد بشكل كبير على دعم الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا التي لها أيضا قواعد عسكرية في جيبوتي، لكن بدأ الرئيس اسماعيل عمر جيلي في الآونة الأخيرة بالبحث عن بدائل أخرى وابرام صفقة مع الصين لشراء حصة من ميناء جيبوتي الاستراتيجي بمبلغ مالي يقدربـ 1800 مليون دولار، وخصوصا بعد الانتقادات التي وجهها الكونعرس الامريكي الي جيبوتي بشان سجلها في مجال حقوق الانسان.

واضافت الصحيفة ان النفوذ العسكري الصيني في جيبوتي قد ظهر جليا أهمية هذا التحالف الجديد بين  البلدين الشهر الماضي عندما تم تصوير مدمرة دبابات صينية الصنع تشارك في الاستعراض السنوي بمناسبة يوم استقلال البلاد شهر يونيو الماضي.

يبلغ الصراع الصيني الامريكي على جيبوتي اشده  عشية زيارة الرئيس الأمريكي باراك للمنطقة القرن الأفريقي، حيث يزور دول محورية  ليست من بينها جيبوتي ربما تعبيرا عن امتعاض الولايات المتحدة من تنامي النفوذ الصيني في جيبوتي الذي قال عنه بعض المسؤؤلين الامريكين إنه يضعف عملياتها العسكرية ضد الجماعات الاسلامية المسلحة في شرق افريقيا وخصوصا بعد ابرام الرئيس اسماعيل عمر جيلي صفقات متعددة  بملايين الدولارات مع الصين. ويبدي هؤلاء المسؤلون مخاوفهم من ان يضر النفوذ الصيني المتصاعد في جيبوتي على نحو خطير علميات جمع المعلومات الاستخبارية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات