أخبارمقالات

السيناريوهات المحتملة للإنتقال الي ما بعد أغسطس ٢٠١٦

حسب رأيي، لن تجري في الصومال انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة يدلي بها الناخبون أصواتهم بعد انتهاء فترة الرئيس حسن محمود بسبب الظروف الأمنية والسياسية التي يمر بها البلاد. سنة تقريبا تفصلنا عن الموعد المقرر لإجراء هذه الإنتخابات ومازالت حركة الشباب تسيطر علي مدن رئيسية في جنوب ووسط الصومال، وتشكل خطرا أمنيا علي كل من له علاقة مع الحكومة الصومالية.

نعم عام يفصلنا عن موعد الإنتخابات ولم تكتمل بعد تشكيل الحكومات الإقليمية التي هي جزء مهم من عملية الإنتخابات، ومازال الدستور قيد الكتابة، ولم تبدأ بعد لجنتي الإنتخابات وترسيم حدود الولايات الفدرالية أعمالها. اضافة الي الخلافات القائمة بين مقدشو والإدارات الإقليمية حول شرعية بعض مؤسسات الأخيرة، مثل برلمان ولاية جوبا الذي صوته اعضاء البرلمان الصومالي ببطلانه، وخلاف أخرى بين مقدشو وحكومة بنت لاند كان قائما منذ سنوات ولكن أخذ منحي آخر بعد بداية مؤتمر عذاذو الذي توّج بولادة إدارة ولاية جلمذج رئاسة وزير الداخلية الأسبق عبد الكريم جوليد.

وسط هذه الحالة الكئيبة المفعمة بالخلافات، يصر الرئيس حسن محمود علي أن الإنتخابات ستجري في موعدها، ولن تمدد فترة المؤسسات التشريعية والتنفيذية الحالية التي انبثقت عن خارطة الطريق التي اتفق عليها فرقاء الصومال في مدينة جروبه في بنت لاند، سنة ٢٠١٢م. تصريحات الرئيس المتكررة بأن الإنتخابات ستجري في اغسطس ٢٠١٦ تبدو وكأنها تمني الهدف منه إخفاء فشله في تحقيق انجازات تذكر في فترة رئاسته والتي كان اهمها قيادة البلاد نحو أجواء تسمح باجراء انتخابات حرة ونزيهة. وهو تمني تكذبه الحقائق علي أرض الواقع .

السؤال المطروح الآن هو: إذا كان الإنتخاب المباشر مستحيلا بشهادة وزير الداخلية عبدالرحمن محمد حسين في حوار مع محطة إذاعة مقدشو الرسمية،ماهي الخيارات المفتوحة في فترة ما بعد ٢٠١٦ للحفاظ علي التقدم القليل الذي احرز في خمسة عشر سنة الأخيرة إبتداء من مؤتمر عرتة في جيبوتي، والتي اضحت جهات صومالية وخارجية الكثير من الوقت والمال فضلا عن الحيلولة دون انهيار المؤسسات الهشة القائمة٠

وفقا لقرأتي للوضع الصومالي، هناك أربعة سيناريوهات محتملة للإنتقال من الفترة الحالية الي ما بعد اغسطس ٢٠١٦، وكل من هذه الخيارات له سلبياته و ايجابياته.

تمديد المؤسسات الحالية لسنتين إضافيتين

بعد اتنخابه رئيسا للصومال من قبل اعضاء البرلمان في ٢٠١٢، كان من اهم التحديات التي تواجه الرئيس حسن محمود بناء مؤسسات حكومية قادرة علي انجاز المهام المنوطة بها كحكومة مثل إعادة الأمن والإستقرار، تنظيم اموال الحكومة بصورة شفافة وتقديم الخدمات للمواطنين، ولكن ما حدث هو أن تلك المؤسسات اصبحت هيكل عظمي بلا جسد ليس عندها الا عدد من الملفات البائسة والفارغة التي تستخدم لحفلات التسليم والتسلم التي يعقدها الوزراء بعد كل تشكيل حكومي.

كانت الخلافات بين الرئيس ورئساء الحكومات السمة البارزة في فترة السابقة مما كلّف الحكومة وقتا وأموالا كان من الأولي أن توظف للعمل علي بناء المؤسسات الحكومية لكي تكون في خدمة المواطن.اضافة الي ما تقدم، لم تكن شحة للأموال والخبرات الأسباب وراء فشل الحكومة كما يحلو للبعض لتبيريره، ولكن انعدام الإرادة هو السبب الرئيسي لأن هناك احصائيات موثقة تشير الي أن الأموال التي تلقتها الحكومة من المجتمع الدولي والإيرادات التي جمعتها من الداخل وصلت الي 1206889097 دولار في شهر مارس ٢٠١٥ حسب المراقب المالي العام للحكومة علي أبو بكر، ولا يعرف الي حد الآن من أين انفقت فيها، ويعتقد أنها ذهبت الي جيوب المسؤولين الكبار في الحكومة الصومالية، اعترافات المحافط الأسبق للبنك المركزي يسرا أبرار وسبب استقالتهامن منصبها خير دليل علي ذلك.

أما الشق المتعلق بالخبرات، غالبية اعضاء الحكومات الي تعاقبت في فترة حكم الرئيس حسن محمود كانوا من العقول الصومالية التي جاءت من الخارج ولكن لم تتح لهم الفرصة الملائمة لأداء عملهم بسبب التداخلات التي تاتيهم من مكتب الرئيس وشخصيات ذات نفوذ واسع مقربة منه، وهناك من هذه العقول من اتسموا بالجدية وكانوا اصحاب انجازات حقيقية ولكن تم ازاحتهم عن طريق التعديلات الحكومية المتكررة التي كان يجريها الرئيس لاجل مصلحته الشخصية كل ما ينشب الخلاف بينه وبين رئيس وزرائه أو اعضاء البرلمان الصومالي مثل وزيرة التعليم الأسبق دكتورة مريم قاسم.

لم تكن وضع المؤسسة التشريعية احسن من شقيقتها التنفيدية، فقد تحول البرلمان من منبر لرقابة المؤسسة التنفيدية نيابة عن الشعب وحفاظا علي مصالحه الي حلبة صراع لتصفية الحسابات بين الخصوم السياسيين، فقد تحول البرلمانيون ايضا من نواب علق الصوماليون آمال عريضة عليهم إلي شخصيات إنتهازية همهم الوحيد هو تقديم مشاريع غير قانونية لسحب الثقة من رؤساء الوزراء بدلا من الإخلاص لعملهم.

اذا، كل هذه الإخفاقات ساهمت بصورة أو بأخرى أن يحين موعد الإنتخابات ولم تكن المؤسسات والتشريعات الضرورية لاجرائها جاهزة، مما يجعل التمديد لسنة أو لسنتين تكريسا للفشل وتضييع المزيد من الوقت لمؤسسات ومسؤولين اخذوا من الوقت ما يكفي ولم يحققوا شيئا.

سيواجه خيار التمديد معارضة شديدة من الإدارات الإقليمية، خاصّة بنت لاند وجوبا واللذين علاقاتهما مع الحكومة المركزية متوترة حيث اعلنت بنت لاند مؤخرا انهاء تعاملها مع الحكومة الصومالية بسبب طريقة ادارتها لمؤتمر عدادو الذي تمخضت عنه ولاية جلمذج. يري كثير من المراقبين أن بونت لاند وجوبا لن تقبلا التمديد لأنهما يريان أنه يخدم لمصلحة مقدشو، ويمهد الطريق لاختطافها العملية السياسية الجارية حتي تكون مخرجاتها ما يتوافق مع مصالحها في الفترة التي بعدها. ومع أن النظام السياسي الصومالي لا يسمح في الوقت الحالي لأي فصيل التفرد بالقرارات المصيرية وتهميش الآخرين، لكن الخوف والتوجس من الإدارات الإقليمية له ما يبرره، نظرا لاحتضان مقدشو المؤسسات المهمة للصومال واخذها النصيب الأكبر من اهتمام المجتمع الدولي ومؤسساته.

رأي المجتمع الدولي ليس مختلفا عن تلك الولايات الإقليمية، وليس متحمسا للتمديد إن لم يكن ضدها تماما كما جاء علي لسان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة نيكلاس كي الذي قال أنه لم يعد هناك خيار آخر غير الإنتخابات، وأن التمديد ليس مطروحا علي الأقل في الوقت الحالي.

انتجابات عن طريقة ٤،ه معدّلة

من الخيارات المطروحة للتعامل مع مرحلة ما بعد انتهاء فترة المؤسسات الحالية استنساخ تجربة ٢٠١٢م وتشكيل برلمان فدرالي ياتي عن طريق شبيه بالطريقة التي تم تشكيلها البرلمان الحالي، وهي تشكيل مجلس مكون من ممثلين من العشائر الصومالية الأربعة والنصف، حيث ستختار كل عشيرة ممثليها في البرلمان بناء علي العدد الكلي لاعضاء البرلمان القادم ولكن لتقليل الاخطاء والعيوب التي رافقت الفترة السابقة من شراء للذمم واختيار كل زعيم لاعضاء البرلمان من عشيرته عن طريق المال بدلا من الكفاءة، سيكون هناك التعديلين التاليتين.

١- توسيع اعضاء لجنة اختيار اعضاء البرلمان من كل عشيرة، حيت سيتم اضافة زعماء العشائر الي قطاعات أخرى من العشيرة مثل ممثلين من الشباب والمرأة والمثقفين، مثلا أن تخصص لعشيرة در١٠٠ شخص لا يقتصرون علي الزعماء العشائر بل يضم ممثلين من الشباب والمرأة والمثقفين من نفس العشيرة، وهكذا الدارود، وهاوية، والديغل وميرفلي والعشيرة الخامسة.
٢- التعديل الثاني هو اتاحة الفرصة لاكبر عدد ممكن من الراغبين لتمثيل العشيرة في البرلمان الفدرالي حتي لا يكون حكرا لاشخاص معينين وأن يصوت اعضاء لجنة العشيرة المرشحين الراغبين لدخول البرلمان، ومن يحصل علي اكبر عدد من اصوات اللجنة سيذهب الي البرلمان نباءا علي نصيب العشيرة من البرلمان القادم.

العقبة الكبري التي ستواجه هذا الإقتراح هو صعوبة تحديد شروط اعضاء لجنة العشيرة، وعدم توفر ضمانات لعدم اختيارهم هم بدورهم ممثلي العشيرة في البرلمان الفدرالي عن طريق الرشوة. مثلا إذا قلنا إن لجنة العشيرة ستتكون من ١٠٠ شخص يتوزعون علي:٣٠ من زعماء العشيرة، ٢٠ من الشباب، ٢٠ من المراة والثلاثين الباقية للمثقفين سيكون من الصعب يحديد الصفات والشروط المطلوبة من أي عضو من هذه الفئات مادامت العشيرة كبيرة ولها آلاف الأشخاص التي تنطبق عليهم صفة الشاب والأنوثة والمثقف.

انتجاب عن طريق مزيج من التمثيل النسبي للأقاليم والمحاصصة القبلية

هذا الخيار يستند الي التعداد السكاني التقديري الذي اعلنته الحكومة قبل أسابيع، ومفاده أن البرلمان القادم سيتم تشكيله عن طريق عدد سكان كل ناحية من نواحي الأقاليم الثمانية عشر، حيث تحصل الناحية الاكثر عددا من حيث السكان العدد الاكبر من أعضاء البرلمان. أولا، يتم تحديد العدد الكلي لأعضاء البرلمان الصومالي، وكذلك يتم تحديد اقل نسبة من عدد السكان المطلوبة من كل ناحية للظفر لعضو واحد في البرلمان، وبعد ذلك تتقاسم العشائر القاطنة في كل ناحية الأعضاء التي حصلتها.

تجذر الاشارة هنا أن كاتب المقال حصل من مصادر عليمة في لجنة التعداد السكاني التقديري أن الإحصائية التي نشرتها الحكومة كانت تحتوي علي عدد سكان كل ناحية من نواحي أقاليم الصومال ولكن اتفقتا الحكومة الصومالية والأمم المتّحدة بعدم نشر هذا الجرء من الإحصاء في الوقت الحالي خوفا من أن يفجر غضبا عارما من قبل بعض القبائل والكيانات الصومالية.

لنوضح هذا الخيار اكثر، نأخذ المثال التالي:

وفقا للتعداد السكان الذي نشرته الحكومة مؤخرا، فإن العدد الكلي لسكان إقليم شبيلي السفلي هو: ١٢٢٠٢١٩
نفترض أن العدد الكلي للبرلمان القادم سيكون ٣٠٠
نفترض كذلك أن ٤٥٠٠٠ فرد من سكّان الإقليم يساوي عضو واحد في البرلمان، مما يعني، أي ناحية يقل عدد سكانها من ٤٥٠٠٠ لن تحصل أي عضو في البرلمان.
اذا، يحصل إقليم شبيلي السفلي:
١٢٢٠٢١٩/٤٥…=٢٦،٧
يعني حصول أقليم شبيلي السفلي ٢٦ عضوا من اصل ٣٠٠ عضوا في البرلمان القادم.

ويمكن تعميم هذه المعادلة علي كل النواحي لمعرفة نصيب كل ناحية من نواحي الأقاليم ١٨ الصومالية.

من المؤكد أن حكومة بنت لاند وقبائل صومالية أخرى لن تقبل بهذا الخيار، لأن قبوله يعني أن البرلمان القادم سيكون مهيمنا من قبل فبائل بعينها وسيقلب الطالة علي قبائل تحظي في الوقت الحالي نفوذا كبيرا مثل تلك القاطنة في شمال شرق الصومال أي بنت لاند. لنوضح ذلك خذ المثال التالي:

العدد الكلي لسكان اقليمي شمال شرق ونوجال يساوي وفق التعداد السكاني التقديرية ١١١٢٢١٠، وهما اللذان تقطنهما قبائل بنت لاند وحدها -رغم وجود أقاليم أخرى تتقاسمها مع قبائل أخرى مثل مودج، اذا طبقنا المعادلة السابقة فان كعكة هذين الإقليمين من البرلمان القادم ستكون حوالي ٢٤ عضوا(١١١٢٢١٠/٤٥٠٠٠)، حتي اذا حصلت بونتلاند اعضاء اضافية من الأقاليم الأخرى سيكون اعضائها اقلية في البرلمان القادم، وستفقد قوتها الحالية في فرض اجندها علي الحكومة الفدرالية، والطريق الوحيد أمامها سيكون الرضوج لقواعد اللعبة السياسية التي لا ضمان فيه،وهو ما لن تقبله بنت لاند وعشائر صومالية أخرى.
من سلبيات هذا الخيار أيضا أنه قد يشعل حروبا أهلية بين القبائل الساكنة في الإقليم أو الناحية الواحدة لأنه من الصعب أن تتفق تلك القبائل حول تقاسم نصيب الإقليم أوالناحية في البرلمان الفدرالي،خاصة اذا أخذنا في الحسبان أنه من المعقول جدا أن لا تحصل بعض النواحي أي عضو في البرلمان الفدرالي بسبب أن عدد سكانها اقل من النسبة المؤهلة لعضو في البرلمان، مثل أن تكون اقل من ٤٥٠٠٠، وفقا لمعيار الميثال التبسيطي الذي ذكرته انفا.

تشكيل البرلمان عن طريق الإدارات الإقليمية

فقد اكتمل الي حد الآن تشكيل أربعة إدارات إقليمية من اصل خمسة، وكانت إدارة غلمذج آخر ولاية لحقت بركب الولايات الإقليمية في المؤتمر الذي عقد بمدينة عذاذو في وسط الصومال، يتوقع أن تري ولاية تتكون من اقليمي هيران وشبيلي الوسطي النور قريبا. من ضمن الخيارات المفضلة لدي الكثير من الصوماليين هو أن تتولي الإدارات الإقليمية مهمة اختيار اعضاء البرلمان القادم الذي سينتجب بدوره الرئيس القادم.

تبدو في الوهلة الأولي أن العملية سهلة ولكنها تصطدم بعقبة كانت جاثمة أمام الصوماليين منذ سنوات وهي عدم توفر طريقة تمكن للإدارات الإقليمية من توزيع حصتها في البرلمان لقبائل الولاية، مع علمنا بان الشعب الصومال شعب قبلي وكل عشيرة تريد أن تاخذ النصيب الأسد من الكعكة.يصطدم هذا الخيار باسئلة مثل: ما هي الأساليب التي ستتبعها كل إدارة إقليمية لاختيار ممثليها، وماهي المعايير والشروط المطلوبة من كل عضو حتي يكون البرلمان القادم برلمانا كفؤا قادرا علي تحمل مسؤوليته؟.

يمكن اتباع نفس الطريقة أوالنهج الذي اتبعتها القبائل لتقاسم البرلمانات المحلية لتحديد عدد البرلمانيين لكل قبيلة ولكن هذه الطريقة ايضا لا تخلو من عيوب وشوائب قد تضع شرعية البرلمان القادم علي المحك لأن هناك بعض البرلمانات المحلية التي لم تتفق عليها القبائل بشرعيتها الي الآن مثل برلمان ولاية جوبا بسبب استحواذ عشيرة رئيس ولاية جوبا اغلبية كراسي البرلمان.

اضعاف وحدة الصومال وانعكاس الخلافات بين الولايات والحكومة الفذرالية علي أداء البرلمان من السلبيات البارزة لهذا الخيار بسبب ولاء كل عضو في البرلمان الفدرالي لولايته أو لرئيس ولايته، وقد تسحب الإدارة الإقليمية ممثليها في البرلمان الفدرالي عند حدوث أي خلاف مع الحكومة الفدرالي مما يعرقل أداء البرلمان مثل ما تفعلة إدارة إقليم بنت لاند في الوقت الحالي.

محمد إبراهيم عبدي

كاتب صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات