أخبارالركن الثقافيمقالات

عباقرة لهم أصول في المنطقة (30) صاحب المعالي القاضي موجه درر سمتر

الشيخ موجه  درر سمتر من مواليد منطقة علي صبيح بجيبوتي عام 1937م وقد كفله عمه الشيخ يوسف جامع إلى بلوغه سن الرشد. وبعد إتمامه القرآن الكريم تعليما وقرآءة وكتابة التحق الشيخ بالمدرسة الابتدائية في درردوه وحاز الشهادة الابتدائية من الفصل الأول إلى الفصل السادس بحيث تتلمذ على أساتذة أجلاء ذوييي المعرفة والخبرة. ثم تابع دارسته بتوسع، ولاسيما في اللغة العربية والأدب وكان ذلك في عام 1960م. بحكم الظروف التي كانت تحيط به هاجر من منطقة درره إلى مسقط رأسه جيبوتي بلده الأم وكان ذلك عام 1963م، وواصل دراسته في العلوم الشرعية كالحديث والفقه في الأعوام 1964 – 1965م ونال الشهادة الثانوية من مدرسة القلاح الإسلامية.

وبعدما تقوت حصيلته العلمية شرع في نشرع العلم والمعرفة وبدأ نشاطه العلمي الملحوظ في تأسيس مدرسة الإنقاذ الإسلامية ، كما أسس جمعية سماها أيضا جمعية الإنقاذ. وكان فضيلة الشيخ موجه يجيد اللغة الفرسية إلى جانب اللغة العربية والصومالية بعد قرر وقتاً مناسبا للفرسية في تعلم قرآءتها وكتابتها، ولا غرابة في ذلك لأنه عرف في صغره الصبر والإصرار على مبادئ الخير والعلم ، كما عرف منذ نعومة أظفاره بالخلق الكريم ، والأدب الجم وشدة التواضع، ولين الجانب في غير ما ضعف ولا مذلة، مترفع في حدود ما أمر به الإسلام للحفاظ على كرامة المسلم، يرحب بالزائرين في بيته بصدر رحب – كما أنه عون للناس في المناسبات. ومن هنا لم تكن جديداً عليه في أن يحب العلم ويقرب أهله، وبالأخص طلبة المعاهد والمدارس، ويقدم لهم يد المساعدة ويخصهم بالنصح والإشاد. وإنني شخصياً أشهد على ذلك لأنني قمتٌ الاتصال به وأنا طالب في جامعة أم القرى بواسطة أحد زملاءنا في الجامعة وهو الأخ عبد الرحمن بلي عند سفره إلى جيبوتي حاملا رسالة  مني إلى فضيلة القاضي الشيخ موجه درر سمتر في متصف التسعينات أطلب منه ترجمته وبعض مؤلفاته، وكان الرد جميلاً بحيث وصلتني من فضيلته بعض مؤلفاته بالإضافة إلى كتاب آخر معنوناً ” القاضي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر – دوره ورحلاته في دعم القضاء الشرعي ونشر الدعوة الإسلامية بجمهورية جيبوتي” بإعداد عبد الله عبد القادر الجيلاني، وفهمتُ يومها بتواضع الشيخ وعدم موافقته أن يكتب إليّ ترجمته مع تلبية طلبي فكان الحل هذا الكتاب المليئ بمعلومات مهمة حول الشيخ موجه درر سمتر وبعض الأنشطة.

ومهما كان الأمر فإن فضيلة الشيخ لمع نجمه في المجتمع الجيبوتي في أكثر من موقع وخدم لأمته في السر والعلن حتى تدرج إلى وظائف عدة منذ عام 1980م حيث رشح نفسه القيام بوظيفة القاضي الشرعي الشريف للبلاد، وكان على رأس المؤيدي له بهذا المنصب الرفيق صاحب الفضيلة الشيخ السيد العلامة الحبيب علي بن أبي بكر السقاف القاضي الأسبق لجيبوتي، وهو من خريجي الأهر الشريف، وثلة من أصحاب الفضيلة مبعوثي الأزهر الشريف للوعظ والإرشاد فضيلة الشيخ حسين حسن ، والشيخ عبد العاطي دهشان، وهيئة العلماء  والمدرسين وغيرهم من ذوي الوعي من مختلف الأجناس، كالأستاذ محمد عبد الله البكري خريج الأزهر الشريف. ومن هنا تولى منصب القاضي الشرعي في 19 فبراير سنة 1981م متمتعاً بميزات هذا المنصب الرفيع التي تتمثل في السلطة النافذة والعطاة له للحفاظ على الصالح العام وسلامة المجتمع في نطاق وحدود المنصب. كما عين فضيلته عضواً للجنة الدستورية، وعضواً في المحكمة العليا القانونية، ثم رشح لرئاسة المنظمات الإسلامية بجيبوتي في نوفنبر سننة 1981م.

ويذكر الكاتب عبد الله عبد القادر الجيلاني في كتابه المذكور بأن فضيلة القاضي موجه كان يحرص على تحقيق العدالة والمساواة بين الأمة في قضايا المنازعات وفصل الخطاب نظراً لأنها أساس التقدم والرقي للأمة، ومن هنا كان يحاول دائماً أن يزيل كل عقبة ، وأن يجعل كلمة الله هي العليا. وقد  استطاع أن الفصل في جميع القضايا المختلفة من العهد الذي سبقه، والإصرار على عدم تدخل المحاكم القانونية للشرع الشريف مدعماً بصورة رسمية من قبل رئيس الجمهورية السيد حسن جوليد أبتدون. وفضيلة القاضي موجه درر سمتر من الشخصيات المرموقة ليس في جمهورية جيبوتي فحسب ، بل في منطقة القرن الإفريقي قاطبة وهو عالم وقاضي وسياسي، تنسم أرقى المناصب في جيبوتي وأصبح الشخصية الاجتماعية الأولى في البلد بفعل منصبه كقاضي القضاة ومفتي البلاد. شارك في العديد من الملتقيات والندوات العربية والإسلامية وزار كثيرا من البلدان العربية والغربية. اهتم منذ يفاعة سنه بتحليل الأحداث ومحاولة معرفة حكمة الثراء والتنوع في تراث البشرية الخالد  استقطب إهتمامه التراث الثقافي عند العيسى الذين هم موضوع هذه الدراسة. كما اسند حقيبة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في جيبوتي لما له من وجاهة بين المجتمع.

والخلاصة أنّ صاحب المعالي فضيلية الشيخ موجه درر ستمر تربى تربية حسنة كما سبق ذكره حيث نشأ وترعرع في جيبوتي، كما تلقى دراساته الأولى في المدارس القرآنية كما هو شأن لأبناء جيله الذين عاشوا عن كثب مأساة العالم الإسلامي وهو يقع فريسة للإستعمار والغريب الحضاري، ثم خدم مجتمعه من عبر النواحي الحياة المختلفة سواء في حقل التعليم والدعوة والقضاء وأمور السياسية والقيادة والريادة مع حسن التصرف وتدبير الأمور بالتروي والحكمة.

أما في مجال الثقافة والبحث العلمي استطاع معاليه بأن يكتب مجموعة من الكتب والرسائل رغم مسؤولياته الكبيرة وأشغاله العديدة مثل كتاب : 

  التقليد المتوارث في تولية الأجاس عند العيسى. 

والمتتبع لمنهجية الكتاب يلاحظ بجلي مدى تركيز المؤلف على لغة التماسك والاجتماعي والانسجام العضوي الذي كان سمة من سمات العقلية العيسوية. ويبدو من الكتاب مدى إلتزام العيسى بالمنهج الوحدوي وهم يحفظون رمز انتمائهم ووحدة كيانهم الاجتماعي والسياسي ، وحفظهم لنظام السلطة والحكم على أساس تولي وتعاقب سلسلة الأوجاس على مدى فترات التاريخ الطويل. والشيخ موجي درر سمتر حاول أن يبين في كتابه بالتحليل لشخصية العيسى ومكانتها في البناء الثقافي العام، كما حاول أن يسلط الضوء بكل منهجية على الخلفيات التي قام عليها هذا النظام. وأن يصل إلى إعادة تشكيل الخلفية الثقافية للعيسى ومكانتها، وكيف صارت من بعد إدارة معرفية للتخبير الاجتماعي ولتنظيم المجتمع. والمؤلف قسم كتابه هذا إلى أربعة فصول وخاتمة ، حيث وضع بين يدي القارئ صورة عن البنية الاجتماعية للعيسى وكيف تطورت فكرة النتظيم السياسي عند القوم عن مسارات تاريخية مختلفة ، وتلكم عن التركيبة الاجتماعية وعلاقاتها المتنوعة. وما نتج عن انبثاق ومفهوم السلطة السياسية منخلال ارتقاء الوعي وتطور الجماعة بنسيجها العضوي الذي بدأت بالوحدات الكونية الستة الأصيلة في النسب العيسوي. وأبرز فضل الأوجاس في حياة العيسى من الجانب السياسي والاجتماعي ومراسيم تقليد الأوجاس كمظهر من المظاهر الاجتماعية ، وتناول المؤلف أيضا ذكرى الأوجاس حسن حرسي آخر الأوجاسات التي عرفها تاريخ العيسى الحديث. وفي الختام عرض الشيخ موجي بالتحليل للواقع الذي تعيش فيه الجماعة وبعض من  التحدّيات المستقبلية. وألمح للعيسى أن يحافظوا لشخصيتهم مكانتهم المعهودة، وأن يصونوا تاريخهم الثقافي وأن ينهضوا بدا واحدة في وحه الأوضاع التي ترسمها السياسات المعاصرة في نهاية القر، العشرين. وكان المفروض للمؤلف أن يقدم لنا معلومات تاريخية تتعلق بالأوجاسات الأخرى الذين سبقوا أوجاس حسن حرسي رغم أن العيسويون ما زالوا يحفظون شفويا بعض منهم ، ويتناقلون عبر الأجيال عن طريق الروايات والقصص ربما تندرس فيما بعض، وكان للمؤلف القدرة الفائقة التي تؤهله في ذلك لأنه يتمتع العلم والخبرة في هذا الباب، بحيث أبدع في إعطاء صورة جيدة عن القضية برمتها رغم بكرها وعدم سبق أحد قبله. وهذا الكتاب يقع في 65 صفحة وطبع بمطابع دار الطباعة والنشر الإسلامية، القاهرة سنة 1995.

 العيسى: شعب وتاريخ: تأملات في الفكر الفلسفي والسياسي والاجتماعي عند العيسى.

وهو كتاب آخر ألفه القاضي موجه ويحدث عن حير عيسى أي الحياة العرفية عند قبيلة عيسى وهذا العرف أو القانون مستمد من قيم وسلوكيات قبيلة العيسى الصومالية إحدى أعرق قبائل منطقة القرن الإفريقي، والمؤلف يستعرض الأصول التاريخية واللمسات الحضارية للمجتمع العيسى، وكذا العادات والتقاليد الموروثة في النظام الاجتماعي ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية لهذه الكتلة، والشيخ موجي درر سمتر يكتب تأملاته بصورة عرض مستفيض لهذا التشريع اشتمل على تاريخه وتفاصيل وضعه والتدرج الذي حصل في تثبيت فقراته وما استجد عليه من جديد وما اضيف إليه من بنود وكيفية حصول الاضافات إليه من قبل المشرعين الذين كانوا يكرسون السنين طواعية وهم في معزل عن مشاغل الحياة وفي حالة تفرغ تام واستغراق وقور ليضعو اللمسات أثر اللمسات عليه في سبيل استكماله وشمولية مواده. والمؤلف فتح آفاقا واسعة اشتملت عليها فلسفة التشريع العيساوي الذي لم يكن مختصا بقبائل محددة وقد شرح الشيخ موجي بما تفرز هذه الفلسفة أو تسعى غلى إفرازه من خفايا كنه هذا التشريع، وأوضح بكل جلاء الغموض الذي كان يكتنف الأصول النسبية التي انبثق عنها هذا التشريع وما  يعنيه تلك الأصول ، وما تحتويه من معاني عميقة. وخلال هذه التأملات استعرض الشيخ علم التشريع ووضع القوانين في التاريخ الإنساني والمراحل التي مر بها عبر العصور والاتجاهات الفكرية المتباينة ، ومختلف المناحي التي انتجها المشرعون بما احتواه التشريع العيساوي. وعلى الرغم من أنّ موضوع الكتاب بكر لم يسبق إليه أحد من قبل الشيخ موجي إلا أنّه استطاع أن يبرز بعض التقاليد المتواثرة  للتشريع العيسوي، وذلك أنه ارتكز بحثه على الدراسات الميدانية وما كانت تتناقله القبيلة جيلا بعد جيل وما يحتفظ به شيوخهم  من تراث هذا التشريع ويتوارثون كابرا عن كابر. والكتاب يعرض حضارة العيسى العريقة المتأصلة في أعماقهم قبل أن تجبرهم الظروف التي طرأت علي حياتهم واضطرتهم للاستقرار في البادية. لذلك ظهر التشريع متكاملا ينضح بعمق الحضارة التي تسلسل منها المشرعون وتتجلى فيه كل سمات العدالة والانصاف القائمة على الاختيار وما يعقبه من جزاء. ولا شك أن المؤلف بدل جهدا كبيرا وغاص في أعماق التراث حتى القاع ، وذلك ليستنبط كنوز التراث من خلال دراسته فلفسة القانون ورجالاته، والوضع الحقيقي للمجتمع والتركيب الاجتماعي المعقد، والتطور البشري الخاص بهذاالمجتمع، والكتاب قد حوى معلومات فريدة تتعلق بالحكم والفلسفة والسياسة من تراث شعب عيسى. أما الدافع في وضع الكتاب واختيار الموضوع فيقول المؤلف ف ذلك: “ولقد كان الدافع لهذا التأليف يتعلق لشيئ ذاتي كان حافزا لي لأسلط الضوء على الميراث الثقافي والعقلي لقوانين التي انتمى إليها والتي خصصت لها هذا البحث ،وهناك دافع ثاني يتعلق بجانب من اختصاصي واهتماماتي التي لعبت بالتحصيل فيها ومعرفة  الأسس القائمة عليها ويتعلق ذلك بعملي ويتصل الموضوع بمجموعة من المعارف. ويقول المؤلف اعتمدت على تأمل القصص المتداول والتراث المنقول شفاها وبعض أساليب النتظيم والسلوك. أما المنهج الذي اتبعه المؤلف فيقول نفسه: ” أني عملت على جمع أكبر كم من المعلومات التي لا تزال تحتفظ بها ذاكرات الأفراد وتتناقلها الأجيال، ولقد اختزنت منذ شبابي كثيرا من هذه المقولات والروايات والآراء التي كانت تعكس جوانب من الاجتماع العيسوي والأسس التي قام عليها تنظيمهم وكذلك الجوانب النظرية التي شكلت الأساس المفاهيمي والتصوري وكان يريد المؤلف هو إيجاد تفسير لبعض الجوانب السلوكية عند العيسى ونشأة النظم الاجتماعية لديهم بالإضافة غلى ذلك محاولة معرفة أصول الشرارات الابداعية التي ألهمت العقل العيسوي وحاول المؤلف تفسير النظام السياسي للعيسى وأفرد فصلا كاملا له ، والحقيقة أن هذه الدراسة كانت صورة تقريبية لحياة الجماعة بخصائصها النفسية والاجتماعية، والشيخ موجي قسم بحثه هذا إلى ستة أبواب وتناول الباب الأول تحليل ديناميكية مجتمع العيسى ويتكون أربعة فصول. أما الباب الثاني تحدث عن سمات المجتمع عند العيسى وهو خمسة فصول، والباب الثالث ذكر في خصائص النظام السياسي عند العيسى وهو أربعة فصول، والباب الرابع تناول خصائص البناء العقلي العيسوي وهو أربعة فصول، والباب الخامس يتناول  رئي ومفاهيم خاطئة  وهو فصلان فقط، والباب السادس تحدث عن العيسى والتحديات المعاصرة ،  ويتكون خمسة فصول. والكتاب يقع في 225 صفحة وفي ذيله نظم صومالي، والكتاب حجمه كبير ومنشور ويتناول المؤلف نظرته الفلسفية تجاه المجتمع العيسوي والذي يعيش في ثلاثة أوطان مختلفة وهي الصومال، جيبوتي وإيثوبيا بحيث طبع بمطابع دار الطباعة والنشر الإسلامية بالقاهرة ، سنة 1995م. والشيخ موجي درر سمتر له مؤلفات أخرى لم يطبع حد علمي حتى بعد وفاته مثل : 

تاريخ الإسلام في جمهورية جيبوتي

تنظيم القضاء الشرعي في جيبوتي

تنظيم القضاء عند العيسى

الشيخصيات البارزة في العيسى

تاريخ فخامة الرئيس حسن جوليد أبتدون

الأدبيات

 

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات