أخبارمقالاتملفات

الصراع الخفي بين الرئيس ورئيس البرلمان

ما تشهده الساحة السياسية في الصومال هذه الأيام من حراك سياسي واسقاط لحكومات وتعين اخرى لا تعكس الا صراعا خفيا بين اجنحة داخل السلطة في الصومال. وكان هذا الصراع موجودا منذ انتخاب الرئيس حسن شيخ محمود عام ٢٠١٢ لكنه تجلى بشكل أكثر وضوحا مع بروز  الخلاف السياسي الأخير بين الرئيس حسن شيخ ورئيس الوزراء السابق عبدالولي شيخ والذي ادى بعد شهور من شد وجذب الي عزل عبد الولي شيخ وتعين عمر عبد الرشيد خلفا له.

اذا نظرنا الي الوضع السياسي في مقديشو بشكل عام يبدو ان سبب الحراك الجاري يعود الي خلافات بين العشائر وشخصيات لها مصالح خاصة الا أن الوضع  مختلف عن ذلك، فالأعراض التي نراها ليست  لتلك المشكلة وانما نتائج لصراع حفي يدور بين ثلاث قوى رئيسية داخل السلطة يقودها كل من الرئيس حسن شيخ محمود ورئيس البرلمان محمد شيخ عثمان جواري ورئيس البرلمان السابق شريف حسن الذي انتخب مؤخرا رئيس إدارة اقليم جنوب غرب الصومال ويتركز الصراع بين تلك القوى على السيطرة على مفاصل الدولة  تمهيدا لترتيبات ما بعد عام ٢٠١٦ حيث يضع كل فريق هذه الأيام ثقله على الحصول على نصيب الاسد من التشكيلة الوزارية المقبلة ليكون مساهما قويا في رسم مستقبل العملية السياسية في الصومال .

لقد سعى الرئيس حسن شيخ محمود منذ انتخابه رئيسا للصومال الي السيطرة على مراكز القوى في البلاد ولا سيما في  العاصمة مقديشو حيث عيّن خلال العامين الماضين المواقع السيادية للدولة  في مقديشو على مقربين منه، حيث  تم تعين اقرب المقربين منه لوزارات سيادية كالعدل والدستور والخارجية والتي لها دور كبير في وضع القوانيين والشرائع التي ستحدد ملامح مستقبل النظام السياسي في الصومال.

 وكذلك تعين أحمد على طاهر احد ابرز المقربين من الرئيس مدعيا عاما للصومال وحسن مونغاب لعمدة المدينة وعبدالرحمن توريري رئيسا للاستخبارات لم يكن أمرا برئيا وكان الهدف من ذلك التغلغل في دوائر الدولة المسؤولة عن فصل النزعات السياسية وتولي قيادة البلاد في حال حدوث فراغ سياسي، لكن تلك الخطوات اثارت رفض واستهجان بعض الدول الراعية للعملية السياسية في الصومال التي بدأت بإدلاء تصريحات تعبر عن انزعاجها حول المسار السياسي وعملية التحول الديمقراطي في الصومال ومن بين تلك التصريحات على سبيل الميثال ما قاله الممثل الخاص للأمم المتحدة اثناء الأزمة السياسية بين الرئيس ورئيس الوزراء السابق عبد الولي شيخ أحمد حيث اتهم كي ضمنيا بالرئيس والمتحالفين معه بالرشوة لاسقاط حكومة عبد الولي.

وتلك التصريحات اثارت ايضا عضب بعض السياسين الطامحين الي السلطة الذين بدأو بوضع عراقل أمام محاولات الرئيس حسن شيخ للانفراد بالقررات السيادية فحركت طواقهما ومؤيديها في مؤسسات الدولة  وخصوصا في البرلمان لاسقاط هذ المشروع.

ويقود رئيس البرلمان محمد جواري الذي يتمتع بنفوذ داخل البرلمان كتلة إسقاط مشروع الرئيس لعام 2016. ويسعي جاهدا في المشاركة في القرار السياسي في البلاد ليس فقط من خلال  البرلمان وانماببذل قصارى جهده ليكون رقما صبعا في مهمة رسم مستقبل السياسية الصومالية والتي فيما يبدو ستقرره الحكومة الإتحادية بالتعاون مع الحكومات الإقليمية وبالتالي يعتقد رئيس البرلمان اعتقادا جازما انه في حال عدم ترتيب أوراقه داخل الحكومة الإتحادية ولم يحصل حصته في التشكيلات الوزارية المقبلة سيكون مصيره الخروج من الحلبة في ظل ظهور مؤشرات تدل على وجود نية لدى البعض بسحب البساط من تحت قديمه وعزله من رئاسة البرلمان قبل عام ٢٠١٦.

 ولقد تحالف رئيس البرلمان الحالي محمد جواري مع رئيس الوزراء السابق عبد الولي شيخ حيث نعلم ان جلسات البرلمان لم تنعقد أكثر من مرتين ولم يكن يحدث ذلك لولا وجود ضوء أخضر من رئيس البرلمان الذي استفزه انتخاب غريمه رئيس البرلمان السابق شريف حسن آدم رئيسا لإدارة جنوب غرب الصومال. ولعب جوري ايضا دورا كبيرا في حل التشيكلة الوزارية الأخيرة التي ضمت ابرز الشخصيات المقربة من الرئيس حسن شيخ بعد ان اتخذ منها موقف الحياد السلبي وهو الأمر الذي شجع بعض البرلمانين بمواصلة ضغطهم من اجل تشكيل حكومة تخلو من الوجوه المؤيدية للرئيس. وهذا ما حدث بالفعل.

 لا ينظر رئيس البرلمان محمد جوارى الذي ينحذر من اقليم باي وبكول بعين الرضا الي سياسات الرئيس حسن شيح الذي يتحالف احيايا مع غريمه شريف حسن رئيس ادارة اقليم جنوب غرب الصومال والذي لا يؤمن جانبه ولا يتورع عن قلب الطاولة على  رئيس البرلمان في ظل حراك سياسي نحو السطلة لما بعد عام ٢٠١٦، حيث نجح شريف خلال مساعي تشكيل إدارة جنوب غرب الصومال  في تخطي عقباب رئيس البرلمان والفوز برئاسة  تلك الإدارة التي حظيت بإعتراف  واسع من المؤسسات الدولية المعنية بالشأن الصومالي وبالتالي يعتقد جواري ان الطريق نحو الاستمرار على رأس البرلمان والبقاء شريكا قويا في صياغة مستقبل المسار السياسي في الصومال يمر عبر الحكومة الإتحادبة واستخدام البرلمان الاتحادي كورقة ضغط لتشكيل حكومة توافقية تضمن له ولحلفائه روح البقاء في معترك السياسة.

واذا نظرنا الي التشكيلة الوزارية الأخيرة التي ضمت وجوها شابة جديدة نجد ان فيها بصمات لرئيس البرلمان وخصوصا حصة عيشرته التي حظيت أربع وزارات مهمة من بينها وزارة المالية. لكن اكبر عقبة تواجه رئيس البرلمان تأتي من قبل الرئيس حسن شيخ محمود الذي يخاف من سياسات  شريف حسن ويحاول قدر الامكان التودد اليه والاقتراب منه بدلا من رئيس البرلمان .

 وذكرت مصادر داخل البرلمان انه جرى اتفاق بين الرئيس حسن شيخ وشريف حسن على التواصل الدائم والتنسيق في هذه المرحلة الدقيقة لضمان الفوز على الانتخابات المقبلة بغض النظر عن شلكها سواء أكانت مباشرة أو عبر برلمان اتحادي ستشكلها  الحكومات الإقليمية.

لأن شريف حسن الذي يقاتل في جبهتين في آن وحد لا يزال يمثل رقما صعبا في السياسة الصومالية، وهو قوي كما كان في عهد الحكومات الانتقالية رغم اختلاف الآراء حول دوره في المشهد السياسي الصومالي، حيث يرى البعض بانه سياسي محنك لا يمكن تجاهله بل ذهب هذا التيار الي  نعته بصانع السياسة الصومالية في حين يرى بعض الآخر بانه رجل غريب الأدوار له صلات قوية مع الدول الراعية لعملية السلام في الصومال، وتلك الصلات يستخدمها في عرقلة التحول الديمقراطي في البلاد.

رغم هذا الاختلاف يقر الجميع بان شخصية شريف حسن شخصية جديرة بالدراسة والبحث وتاريحه القصير في المشهد السياسي الصومالي يوحي بانه سياسي بارع  بامتياز ولاعب محترف يجيد اللعبة السياسية ويعرف من أين يؤكل الكتف وهذه الموصفات هي التي مكنته من الوقوف قويا أمام الموجات السياسية المتلاحقة التي جرفت كثيرا من غرمائة ورفقاء دربه في مسيرتهم نحو هرم السطلة.

فلشريف حسن آدم دور كبير في الوضع الساسي المضطرب في مقديشو. رغم استقالته من عضوية البرلمان وانتخابه لرئاسة إدارة اقليم جنوب غرب الصومال لا يزال يتمتع بنفوذ كبير داخل البرلمان الاتحادي ويواصل لعب ادوار مختلفة في صياغة المشهد السياسي في مقديشو. وكان الرجل القوي الذي  فك طلاسم الأزمة السياسية التي سببها الخلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء السابق عبدالولي شيخ بعد ان تحالف مع الرئيس حسن شيخ واستخدم نفوذه في البرلمان لاسقاط رحكومة عبد الولي وفاء لدور الرئيس في انتخابه رئيسا لإدارة جنوب غرب الصومال وهو يحاول حاليا وضع بصماته في التشكلية الوزارية المقبلة.

لكن كما يقال السياسة ليس لها صديق دائم ولا عدو دائم وأن المصالح هي التي تتحكم سلوك السياسين في الصومال، فالتحالف الذي كان بين الرئيس حسن شيخ وشريف حسن لا يبدو اليوم على ما يرام والفجوة بينهما تتسع والسبب يعزى الي دور رئيس البرلمان  الذي بدأ يتدحرج ككرة الثلج ما دفع الرئيس حسن شيخ  الي المناورة في علاقته مع الرجلين ولا يريد قطع شعرة معهما ومن المحال دوام هذا الحال.

د/عبدالوهاب على مؤمن

باحث متخصص في علم الاجتماع info@Mogadishucenter.com

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات