أخبارالركن الثقافيمقالات

أحلام ثقافية ( ركن أسبوعي) عباقرة لهم أصول في المنطقة (18)

يُعدُّ فضيلة الشيخ أبو محمد نور الدين علي بن أحمد المجيرتيني من أهمّ الشخصيات الصومالية التي لها وجاهة في حقل الدعوة الإسلامية في القرن المنصرم، بل وترك بسمات حية في الجوانب الدعوية والتعليمة في داخل بلاد الصومال وخارجها، حيث اشتهر – رحمه الله – بالدعوة والتجديد في تعاليم الدين الإسلامي وجوهر روحه وخاصة فيما يعلق بالنواحي العقدية ويعتبر فضيلته من أوائل الدعاة الذين قاموا بالتصحيح  والغربلة في مجالي العقيدة والتوحيد في منتصف القرن المنصرم، وأكثر من ذلك أنّ فضيلته من الأوائل الذين عارضوا علناً بالشطحات والخرافات التي كان يخوض فيها بعض الناس، إضافة إلى كونه قضى جلّ حياته على التدريس وملازمة الحلقات بالمساجد والأروقة العلمية، وكذلك في المدارس النظامية، ومع هذا كله فإنّه من الغريب ألا تجد ترجمة شاملة حول فضيلته على الرغم من محاولة بعض الإخوة الكتابة عنه، ولكنّ ذلك لم يكن كافياً ولا لائقاً مقام مثل هذه الشخصية الفذة التي ربت الأجيال على التوحيد وبدلت جلّ عمرها في درب الدعوة ونشر العلم.

وقد وفقني الله سبحانه وتعالي بفضله ورحمته كتابة ترجمة له موجزة تسلط الضوء على الشيخ عقب وفاته فوراً ونشرتُ ذلك في حينه في جريدة المسلمون الأسبوعية التي كانت تصدر من مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في عددها (565( بالتاريخ (9/7/1416هـ/ -1/12/1995م). ثم نشرت تلخيصاً شديداً عمّا نشر من قبل  في “جريدة المسلمون” من ترجمة الشيخ  في مجلة البيان اللندنية في عددها الصادر في رمضان (1416هجرية يناير/فبراير 1996م صفحة 110). وحسب علمي أنّه كل من جاء بعد ذلك وحاول كتابة ترجمة فضيلة الشيخ نور الدين علي بن أحمد أشار فقط إلى ذلك الملخص الشديد من ترجمة الشيخ المنشورة في مجلة البيان، كما فعل ذلك الأخ الفاضل الشيخ ياسين عبد الرزاق سعيد القرطاوي في كتابه دخائر النخبة من تراجم شرق إفريقيا، وقد طبع الكتاب بصنعاء في اليمن عام 2005م، وهو حوالي66صفحة.  وكما قام الأخ العزيز والكاتب الموهوب الأستاذ أنور أحمد ميو كتابة ترجمة عن الشيخ نور الدين علي بن أحمد في كتابه بغية الآمال في أعلام الصومال، وقبل ذلك كتب الشيخ عبد الله شيخ عمر في كتابه مسيرة الإسلام في الصومال الكبير أخباراً موجزة عن الشيخ – رحمه الله-،  ومن هنا يتحتم علينا محاول كتابة ترجمة على هذه الشخصية المهمة بقدر المستطاع وما يليق بجلالها ومقامها.

 ولادته ونشأته ورحلاته العلمية:

ولد فضيلة الشيخ نور الدين علي بن أحمد علو السلفي في عام 1335ه  في منطقة  الشمال الشرقي بالصومال، وينحدر الشيخ نور الدين من قبيلة المجيرتين وخاصة فرعها علي سليمان، ومن أسرة عريقة ذات دين وخلق، وتربى في حجر والديه الكريمين، وقد تعلم عن والده النصف الأخير من القرآن الكريم، وكان ذلك في باكورة حياته العلمية، بحيث تفتحت لدى الطفل أبواب الخير والبركة، ومن ثمّ أعطى جلّ همّه التعليم حتى شدّ الرحال إلى أماكن مختلفة من داخل البلاد وخارجها، غير أنّ بدايات رحلاته العلمية الداخلية كانت في مدينة حافون وشدّ الرحال إليها عام 1343ه، ودخل مدرسة تحفيظ القرآن الكريم على يد معلم عمر محمد،  وفي الوقت نفسه بدأ قرآءة كتاب “سفينة الصلاة” وكتاب ” أبو شجاع” على يد الشيخ محمد علي حريد الحافوني الذي أعطاه الله عمراً طويلاً، كما قرأ  كتاب “المنهاج القويم” من الشيخ محمد يوسف، وكان يحضر دروس القاضي الشيخ علي محمود آدم الذي كان يدرس كتاب المنهاج أيضاً، ثم حضر دروس القاضي شريف محمد علي في التفسير والعلوم العربية، كما حضر أيضاً دروس الشيخ محمد محمود شرماكي في النصف الأخير من التفسير، واستمع من الشيخ محمد علي محمد الربع الثالث من منهاج الطالين، وأخذ من القاضي الشيخ إبراهيم عمر بكتاب “فتح المعين” وكذا كتاب “متن الآجرومية” كل ذلك يدل على ثراء منطقة شمال الشرقي للبلاد ونشاطها العلمي وكثرة علمائها في مختلف العلوم والمعرفة في تلك الفترة وخاصة مدينة حافون التي ذكرها المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر في وقت مبكر.

 ولم يتوقف نشاط الشيخ في طلب العلم على هذا الحد وإنّما أيضاً لازم دروس الشيخ آدم أحمد موسى في التفسير من كتاب “الجلالين” بحاشية الصاوي، وحاشية الجمل، وكذا استفاد من حلقة الشيخ آدم أحمد موسى المذكور في مجال الفقه حيث استمع منه “ابن القاسم علي الباجوري” كتاب الزبد” وكذا كتاب “منهاج الطالبين” مع شروحه، إضافة إلى العلوم العربية، أما كتب الحديث فسمع منه كتاب ” الأربعين النووية” وكتاب ” أبو جمرة” ، واستفاد من شيخه أيضاً ما يتعلق بالتصوف مثل كتاب “تنبيه الغافلين” وكتاب “تنوير القلوب” وكتاب “طهارة القلوب” وكتاب “درة الناصحين” وكتاب “دقائق الأخبار” وكتاب “كفاية الأتقياء”. وفي علم العقيدة فقد تلقى فضيلة الشيخ نور الدين بعض كتب العقيدة التي كانت منتشرة في القطر الصومالي في تلك الفترة مثل كتب عقيدة العوام، والسنوسية، وجوهرة التوحيد، وبدء الآمالي، والدريرية، والشيبانية، والنسفية، والباجورية، وكفاية العوام، وحياة الإسلام، وكلهم من علم الكلام ومن عقيدة الأشعرية التي كانت منتشرة في البلاد.  

الشيخ نور الدين والطريقة القادرية:

ومن خلال تتبع الرحلة العلمية لدى الشيخ نور الدين علي بن أحمد يظهر لنا بأنّه طَلَبَ العلمَ على عدد من العلماء في منطقة شمال الشرقي، وكان فضيلة الشيوخ آدم أحمد موسى من أهمّ شيوخه حيث كان يعطي هذا العالم اهتماماً  كبيراً لطلابه ولاسيما شيخنا نور الدين، وخلال وجوده في تلك المنطقة زعم أحد الشيوخ الصوفية وهو الشيخ محمد بن أويس بأنّه رأى في المنام الشيخ عبد القادر الجيلاني وقال له بأنّ الطالب نور الدين علي سيكون قطباً من الأقطاب الطريقة القادرية، فعليك بتعيينه خليفة لك، فأخبر بذلك لشيخه الشيخ آدم أحمد موسى وفرح بذلك الشيخ وطلابه، وظنّوا بأنّها رؤية حق، بل واعتبروها مكسبا وفوزاً لهذا الطالب – أي نور الدين علي – وأتمّ الشيخ الصوفي المأمورية وجعل رؤيته وحلمه في موضع التنفيذ، وعمل وليمة  حضر فيها جمع غفير، وأجلس الطالب وسط الحلقة وأمر أن يقرأ عليه سورة ( يس) أربعين مرة، ومنحه عَلَماً وسلسلة مسندة من الشيخ الصوفي إلى علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ومنه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنه إلى جبرائيل ثم إلى الله سبحانه و تعالي، ولم يكن لدى الشيخ نور الدين علم في هذا الأمر، وكان يرى درجة كبيرة أعطاه الله، وغنيمة عظيمة ساقها الله إليه، غير أنّه فيما بعد تبين له بأنّ هذه السلسلة المزعومة لا أصل لها – كما ذكر ذلك الشيخ نور الدين نفسه فيما بعد –  وبذلك تحفظ عن تنفيذ الخلاقة المذكورة  خوفاً من أن تشغله عن طلب العلم الذي كان يحبه حباً جماً، ولكن الفضل الكبير في ذلك  يعود بعد الله  إلى أحد زملاءه من طلبة العلم وهو علي محمد إسماعيل، حيث كان لديه إلمام في مثل هذه الأمور من خلال قراءته بعض الكتب النافعة والتي تتناول في مجال العقيدة وقضايا التوحيد، فأعطاه بعض الدروس في التوحيد سراً حينما عرف اهتمام الشيخ نور الدين في ذلك وبراءته، وقد توثقت العلاقة بينهما، مما يدل على أنّ الشيخ نور الدين لم يكن أول من رفع راية معارضة الخرافات والبدعيات، ودعا إلى صفاء العقيدة وتنقية التوحيد. والمهم أنّ صاحبه – أي علي محمد إسماعيل – لما أراد السفر إلى الحج ألقى يوم سفره محاضرة قيمة تناولت في قضايا التوحيد وتبيين بعض الحقائق، وبعد رجوعه من مكة لم تتوقف العلاقة فيما بينهما حتى عندما ذهب الحاج إلى بلدته (بارغالBaar Gaal ) واستقر بها ثم اتصل به نور الدين علي فأعطاه كتاب “حياة القلوب” لإمام الحرم المكي الشيخ أبي السمح، فكان الشيخ نور الدين علي يطالعه سراً حتى لا يرى أحد من رفقائه.

خلافته لشيخه:

كان المجتمع الصومالي يعطي اهتماماً كبيراً لقضايا الدين وخاصة الأمور المهمة المتعلقة بالعقيدة والتوحيد، وكان من بين اهتماماتهم أداء فريضة الحج باعتباره ركنا من أركان الإسلام، ومن هنا عزم الشيخ آدم أحمد موسى الذهاب إلى منطقة الحجاز لأداء فريضة الحج، وكان ذلك في عام 1356هـ، واختار تلميذه نور الدين على أحمد، خليفة له وأن يجلس في مجلس دروسه ويقوم مقامه مع وجود من هو أكبر منه سناً وأكثر منه علماً من ضمن الطلاب، فقام نور الدين بالمهمة المسندة إليه خير القيام.

 انتقال إلى مدن (أيل Ayl)و(قرطه Qardho) و(تليح (Taleex:

لقد مكث فضيلة الشيخ نور الدين في مدينة (حافون) مدة غير قصيرة طالباً للعلم وملازماً بحلقاته رغم بٌعدها من مسقط رأسه وموطن أسرته، لكثرة علمائها ونشاط حركتها العلمية، ثمّ بعد ذلك سافر إلى مدينة أيل الساحلية أيضاً وهناك واصل طلبه للعلم بحيث ألزم نفسه بالحلقات العلمية التي كانت تجري في المدينة مثل حلقة الشيخ يوسف حسن واستفاد منه بعض كتب النحو بما فيه كتاب ألفية ابن مالك، وكذا حلقة الشيخ علم عبد الله واستمع منه علم الصرف، واستفاد من حلقة الشيخ محمد فارح قاري التفسير. أما فيما يتعلق بعلم الفقه والأحكام فكانت حاضرة في مدينة (أيل) وقد التقى أبو محمد نور الدين علي أحمد بالشيخ القاضي حرز محمد، وأخذ عنه كتاب “الإرشاد لابن القرئ”. ثم بعد ذلك تحول إلى مدينة (قرطو) وطلب أهلها تفسير القرآن الكريم من الشيخ نور الدين علي أحمد، فاستجاب ودرس لهم تفسير القرآن ثم طلب منه علماء قبيلة (طلبهنتي) وخاصة عشيرة نور أحمد أن ينتقل معهم إلى أراضيهم في منطقة (تليح)، ومن هؤلاء العلماء والوجهاء الشيخ عبد الله علم شردون، والشيخ حرز نور، والشيخ آدم علي متان، والشيخ محمد آدم، والشيخ أبين كورة، فلبى الشيخ نور الدين دعوتهم وذهب إلى أراضيهم، ودرس لهم التفسير ومنهاج الطالبين، ولما أتم  لهم أعطوه إكرامية عبارة عن عشرة من الإبل ومائتين من الغنم وتزوج منهم.

وللحديث بقية 

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات