أخبارالركن الثقافيمقالات

أحلام ثقافية (ركن أسبوعي): عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي (17)

تابع بترجمة صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم محمد علي (المشهور بالشيخ إبراهيم صولي)الدريّ المحدث المعروف وصاحب الفصاحة والوجهاءة والداعي الكبير  رحمه الله (2)

واستمراراً بالحديث عن ترجمة الشيخ إبراهيم محمد علي المشهور بالشيخ إبراهيم صولي ونشاطه العلمي والثقافي في منطقة القرن الإفريقي نشرع هذه الحلقة  في استمرار الحديث عن ذلك حيث ذكرنا فيما سبق بأن فضيلة الشيخ إبراهيم محمد علي كان من أهمّ المدرسين لمعهد التضامن الإسلامي في مقديشو ، ولما قامت ثورة 21 أكتوبر عام 1969م بقيادة اللواء محمد سياد بري التي قامت الانقلاب الأبيض للبلاد استمر المعهد يشعّ نور العلم والمعرفة كغيره من المعاهد والمدارس في تلك الفترة حتى جاء قرار الثورة في تأمين أغلب المؤسسات التعليمية والاقتصادية الأجنبية في البلاد ، وكان معهد التضامن الإسلامي ضمن المؤسسات التعليمية التي وقع عليها التأمين.

ولما حصل على هذا الأمر لم يتوقف نشاط الشيخ العلمي والثقافي، بل وانتقل إلى مجالات أخرى ودوائر تربوية وتعليمية مثل مدرسة الشيخ صوفي التي كانت ترعى جمهورية مصر العربية ، وكانت هذه المدرسة تابعة بجامعة الأزهر الشريف بالقاهرة ، وأصبح الشيخ من مدرسي هذه المدرسة يزاول نشاطه العلمي والثقافي ، مع نشاطه الدعوي في حلقات المساجد وفي جولات وعلاقات مع المجتمع الصومالي على مستوى الصومال الكبير. الإضافة إلى ذلك كان يواصل أيضاً جهوده الدعوي والعلمي في الدروس التي كان يلقيها فضيله في الأروقة والمساجد مثل مسجد المرواس بحمرويني ومسجد الهدى في سيغالي وكذا المدرسة الملحقة للمسجد المذكورة آنفاً وهي مدرسة الهدى الابتذائية التي أسسها الشيخ نفسه. وكهذا كان جلّ وقته يقضي في الدعوة والتعليم والاصطلاح بين الأمة حتى اندلعت الحرب الأهلية في الصومال عام 1991م.

دوره في المصالحة الوطنية:

ولما سقطت الحكومة الصومالية التي كان يقودها الرئيس محمد سياد بري واندلعت الحرب الأهلية التي عممت على جميع الأرجاء البلاد ، حاول بعض الغيوريين في إخماد هذه الفتنة ، وكان من هؤلاء فضيلة الشيخ إبراهيم محمد علي المشهور بالشيخ إبراهيم صولي رحمه الله ، وقد كان الشيخ يتعاون في هذا الأمر لفيف من العلماء والوجهاء للبلاد بدءاً عندما كان عضواً فعّالاً في لجنة المصالحة الوطنية المكونة 180 شخص و50 شخص من جانب الحكومة قبل سقوطها.

وكان فضيلة الشيخ إبراهيم صولي رحمه الله من الذين أسسوا مجمع العلماء الصومال في مقديشو، واختير فضيلته الشخص الثاني بعد فضيلة الشيخ أبو عبد الرحمن محمد معلم حسن الذي كان رئيساً للمجمع. 

واستمر الشيخ يحاول اصلاح الأمة وإخماد الفتنة وانهاء الحرب بين أنصار علي مهدي وأنصار محمد فارح عيديد حيث كان من الذين يقودون الخروج السلمي والذي كان تنادي انهاء الحرب بدءاً من مسجد القرآن المشهور بمسجد الشيخ علي صوفي رحمه الله حتى وصلوا إلى ورطيغلي قرب منطقة أربعة حدائق في مقديشو، وكان ذلك قبل مجيئ القوات الأمريكية في عملية عودة الأمل ، وقد أثمرت هذه المسيرة بحيث أنتجت في تهدئة الأمور وفتح عدة طرق كانت مغلقة من قبل بعيداً عن الضوضاء والإعلام، ثم بعد ذلك حصل انهاءاً كاملاً في تلك الحرب التي اشتهرت بحرب أربعة شهور، عقب  تدخل الأمريكا سياسياً وتمكن على المهدي وعيديد مسافحة بعضهم ببعض، وإعلان المصالحة. ولا شك أنّ تحركات العلماء والوجهاء مهد ذلك، بل وقد ذهب فضيلة الشيخ إبراهيم إلى المليشيات التابعة للطرفين ووجه إليهم كلمة ذات طابع سلمي أثلجت صدورهم وزرعت في قلوبهم البهجة والمودة. كل ذلك كان جهود الشيخ إبراهيم وزمرته الطيبة.  ولأجل حرص الشيخ على المصالحة اشترك بعض المؤتمرات المصالحة الصومالية في داخل البلاد وخارجها، وقد لعب دوراً كبيراً في عملية المصالحة بحيث كان عبئاً كبيراً على مجريات المؤتمرات من خلال الوعد والإرشاد مثل مصالحة الصومال في مؤتمر أديس أبابا عام 1993م ممثلاً مجمع العلماء باعتباره الرجل الثاني للمجمع بعد فضيلة الشيخ محمد معلم حسن رحمهم الله جميعاً.

 

دوره في إنشاء محاكم إسلامية في ربوع البلاد:

ثم استأنف الشيخ عملية المصالحة  بين القبائل وخاصة قبائل في محافظة هيران بحيث اجتمعوا في فندق كاه Kaah وهناك أعلن العلماء فتح محاكم إسلامية مشتركة بين المجتمع لكي يستمر السلام والاستقرار في ربوع الوطن في ظل غياب السلطة القوية تسيطر البلاد وتخطط أحوال العباد. ومن هنا أنشأت المحكمة الإسلامية في مقديشو بقيادة الشيخ علي محمود المشهور بشيخ علي طيري ( طويل) وذلك في عام 1993م  – 1994م.

ووجه العلماء نداءاً مفاده فتح محكمة إسلامية في منطقة سيناي Siinaay بمقديشو لكون المنطقة تتوسط بين شطري المدينة المنقسمة عقب حرب أربعة شهور.  وفي حينها استطاع الأعيان تكوين لجنة مكونة من العلماء والوجهاء من كل جانب وتوفير ما يمكن توفيره في سبيل فتح هذه المحكمة التي تعمل في حفظ الأمن . وفي أثناء هذه الفترة اندلعت حرباً بين قبيلتي هبرغدر وحوادلي في مقديشو، ومن هناا وجه العلماء وأعيان الناس كل ما لديهم في سبيل إخماد هذه النار وهذه الحرب الجديدة ولم تفلح فكرة فتح محكمة إسلامية في منطق سيناي المذكورة، غير أنّه حينما كثر النهب والسلب وسرقة أموال الناس في منطقة حي كاران داخل الأاراضي التي يسيطر عليها قبائل الأبغال شرع بعض العلماء وأعيان الناس في فتح محكمة في حفظ الأمن لأن الناس لم يستطع حتى الذهاب إلي المتاجر والأسواق خوفاً من النهب والقتل ، وقد وافق القيادة السياسية في تلك الفترة  وعلى رأسهم السيد علي مهدي محمد، وحينها تنفس الناس سعداء بعد أن استطاعت المحكمة في تأديب قطاع الطرق والمجرمين ، ومن هنا تحقق الأمن والاستقرار في جميع أرجاء الأراضي التابعة لهذا الفصيل الذي كان متمركزاً على الشطر الشمالي للعاصمة، غير أنّه سرعان ما حصل الخلاف ولاسيما من جانب الساسة ، كما ذكر ذلك فضيلة الشيخ إبراهيم محمد علي المعروف بالشيخ إبراهيم صولي بحيث لم تعجبهم كيفية السير الأمور ، ويقال أنّهم – أي الساسة وبعض زعماء القبائل – كانوا يخافون أن تفلت الأمور بزمامهم ، ولكن عامة الناس كانوا يدركون بأن سبب استتاب الأمر والاستقرا إنما كان مرده لأجل تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال هذه المحاكم الإسلامية ، وأنّ الفلاح والصلاح في تطبيق الشريعة ، وفي هذه الحالة يصف فضيلة الشيخ إبراهيم كونه شاهداً في تلك الأحداث بأن الأمر وصل إلى حد قال بعض الناس بأننا لم نكن نعرف بأن الإسلام وتطبيق شريعته الغراء تحقق كل ذلك ، واعتقدنا بأن الدين مجرد شعائر التعبدية والتزام بالمساجد، بل وأكثر من ذلك بأن العالم من خلال متابعته الأوضاع في الصومال عرف بأنّ الهيئات الإغاثية والساسة الجبهات الصومالية فشلت فيما نجحرت بعض الإسلاميين في ترتيب  البيت الصومالي بعد إخمار الفتنة ونزع فتيل الحرب. ولما رأي الناس في هذا الانجاز الكبير رغبوا في فتح محاكم إسلامية في أكثر من منطقة، وخير مثال في ذلك محافظة هيران|، بعد أن نادى بعض الساسة بقيادة العقيد عمر حاشي وزملاءه  بمساعدة جمع من العلماء وعلى رأسهم فضيلة الشيخ محمد معلم حسن وفضيلة الشيخ إبراهيم محمد على في تأسيس محكمة في بلدوين وبعض فروع لها، وقد تمكنوا ما أرادوا بفضل الله وقدرته ثم بمساعدة آهالي المنقطة الذين استجابوا نداءات أهل الحل والعقد في المنطقة  ، وقد فتحت هذا الخطوة شهية أقاليم أخرى مثل إقليم باي حيث قرر بعض علماء من أهل بيدوا فتح محكمة إسلامية، وكان فضيلة الشيخ إبراهيم صولي رحمه الله ضمن الذين سافروا من مقديشو العاصمة إلى بيدوا رغم الظروف الصعبة وانعدام الأمن والاستقرار ، وبعد وصول الوفد إلى بيدوا اجتمعوا أعيان المدينة من العلماء والتجار والساسة واتفق الجميع بقتح محكمة إسلامية هناك ترعى الأوضاع الأمنية للمنطقة حتى يعود السلام والوئام، وقد شرع الجميع في تنفيذ الاتفاق وكوّن مجموعة تقوم بمقام العسكر ، كما أعدّ بعض القضاة غير أنّ ذلك الأمر بات بالفشل  الذريع ولم تكن مثل سابقاتها. وقد علق فضيلة الشيخ إبراهيم محمد على في ذلك الأمر قائلاً : ” إنّ سبب التشريد والدمار الذي لحق به أهل بيدوا في السنوات 1995م – 1997م ما هي إلا بسبب خذلانهم ببرامج المحكمة الإسلامية التي أردنا قيامها في المنطقة ، لاسيما أنّ أعيان المنطقة قد أعلنوا موافقة الأمر ومدّ يد العون والمساعدة “.

توحيد صف الأمة:

وكان الشيخ إبراهيم معروفاً في لملمة الأمة وتوحيد أمرها ، وقد حاول أكثر من مرة في توحيد الصفوف وخاصة العلماء والجماعات الإسلامية المتنوعة في البلاد ، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب تعنت حركة الاتحاد الإسلامي وحركة الإصلاح ورغبتهم في استمرار الخلاف فيما بينهم. وخلال احتكاكي لصاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم اتضح لي بأنّ نظرته تجاه توحيد الصفوف كان يراها واجب ديني وظرورة ملحة ومن هنا فقد حاول أكثر من مرة ، بل أنّ هذا العمل لم يقتصر في داخل بلاد الصومال ، و إنّما صوته وصل إلى خارج الصومال بحيث خاطب الجالية الصومالية  ولاسيما الشباب المهاجرين في المهجر عبر الهواتف سواء في أمريكا وأروبا في توحيد الصف الإسلامي وتحمل المسؤولية الملقات على عواتقهم. 

رأيه في أسلوب الدعوة الإسلامية :

كان الشيخ إبراهيم محمد علي المشهور بإبراهيم صولي من العلماء والدعاة الذين نذروا أنفسهم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالي منذ أن رجع إلى البلاد من الحجاز بعد أن استوعب علوماً كثيرةً ومعارف عديدةً، وقد قضى ذلك سنوات عديدة في قوالب مختلفة من إقامة الدروس وعقد الحلقات العلمية في المساجد والأروقة، أو في المعاهد والمدارس، وسواءً  في قيام جولات وصولات في أرجاء الوطن وخارجه ليس إلا لنشر الإسلام وتعاليمه السمحة، ومن هنا اكتسب فضيلته  خبرة كبيرة في هذا المجال ، وكنتً أحسً هذه الخبرة والواسعة لكوني تتلمذ عليه لاستماع خطبه في مسجد الهدى بسيغالي وكذا كتاب الرياض الصالحين قرابة عامين كاملين في مسجد المرواس، ومن هنا وجهتُ إليه رحمه الله رأيه في أسلوب الدعوة عند كتابة هذه الترجمة البسيطة في بيته بمقديشو عام 1997م، وقال مجاوباً في ذلك بدون تردد: ” أنّ أسهل الأسلوب هو أسلوب جماعة التبليغ الذين يركزون على تربية النفس وتطهير المجمتع عن تعلق الذنيا وملذاتها بعيدين عن التعصب والتحزب.  انتهى كلام الشيخ… والحق أنني لمستُ ذلك عند قدومي على شمال أروبا إذ أنه لا توجد من يتحمل مسؤولية الدعوة الإسلامية وإيصالها إلى الناس الأصليين إلا هؤلاء من أصحاب جماعة التبليغ حيث يجولون ويصولون في أرجاء العالم ، ولا ترى في منطقة من المناطق في أروبا وأمريكا إلا وترى بسماتهم وأثارهم ، عمّا ما عداهم من الدعاة فتراهم يزالون على مراكزهم ومساجدهم يرشدون من يأتي إليهم من المسلمين، أو مشغولون بمؤتمراتهم الخاصة بحيث لكل جالية على حالها وبلغتها وثقافتها،  ماعدا الشباب الذين يحتكون بأقرانهم من أهل البلاد الأصليين عن طريق الجواز أو عن طريق التعليم والتعامل العادي ثم ينتج في ذلك دخول الناس في دين الله ،  

وفاته:

كان فضيلة الشيخ  أبو محمود إبراهيم علي محمد الدري فرع فقه عمر مريضاً ولازم على السرير الأبيض بسنوات عديدة  في بيته بحي هدن بمقديشو في منطقة أفركان فلج، غير أنّه بعد أن دخلت القوات الاثيوبية الى الصومال عام 2006م وخاصة عاصمة مقديشو نقل الشيخ من العاصمة إلى مدينة هرجيسا، وقد وافته المنية ليلة أمس الثلاثاء السادس من شهر ربيع الأول1430هـ الموافق 02/03/2009م في مدينة هرجيسا عن عمر يناهز الثمانين عاما إثر مرض ألم به مدة غير قصيرة، رحمه الله رحمة واسعة .

 

 

 

 

 

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى