أخبارتقارير ودراساتمقالاتملفات

مشروع اقليم جنوب غرب الصومال…. آفاق ومتطلبات النجاح

الملف بـPDF

sawirمشروع اقليم جنوب غرب الصومال

 آفاق ومتطلبات النجاح

مقدمة

اعلن نهاية عام ٢٠١٤ في مدينة بيدوة عن إنشاء إدارة اقليمية تشمل ثلاث مناطق استراتيجية في جنوب وغرب الصومال، باي وبكول وشبيلي السفلى. وانتخب شريف حسن شيخ  آدم  النائب السابق في البرلمان الاتحادي وأحد أبرز الشخصيات في المشهد السياسي في الصومال رئيسا لإدارة الاقليم بدعم من الحكومة الاتحادية والدول الراعية للعملية السياسية في الصومال. واعطى هذا الاعتراف دلالات واضحة على ان مستقل المسار السياسي في الصومال قد حسم أمره واتجه رسميا نحو الفدرالية معلنا نهاية نظام مركزي كان ساري المفعول في الصومال منذ الاستقلال. 

وتعد انشاء إدارة جنوب غرب الصومال بالنسبة لسكان باي وبكول وشبيلي السفلى فرصة لا تعوض باعتبارها مطوية صفحات من التهميش وعدم الاهتمام عاشتها تلك المناطق ردحا من الزمن. فكانت تعاني منذ الاستقلال والي اليوم رغم ما تحظي به من أهمية استراتيجية  للأمن الغذائي للصومال اشكالا مختلفة  من التهميش والاقصاء. كانت بعيدة عن مراكز الحكم والنفوذ، وكان دورها منحصرا في دعم الأحزاب والعشائر التي تستحوذ غالبا حكم البلاد.

 وبالتالي فخطوة انشاء كيان ذاتي لتلك الاقاليم تضع اليوم أهالي المنطقة أمام مسؤولية جسيمة تتطلب مزيدا من اليقظة والحنكة والحكمة والابتعاد عن كل انواع الطغيان والتطرف القبلي البغيض الذي من شأنه أن يؤير سلبا على حلم «أرلاذي». وتحتم المسؤولين وقفة تأمل بهدف الاستغلال من هذه الفرصة التي ناذرا ما تتكرر. ليس من قبيل تحقيق مآرب قبلية أو مكاسب سياسية وانما احداث تغيير جذري يشكل نقطة تحول لمصير ومستقل تلك الاقاليم ويمهد الطريق لإقامة نظام سياسي ديمقراطي قادر على اعادة صياغة المنطقة وتنميتها سواء على المستوى  السياسي والاجتماعي والاقتصادي. 

وهذا الأمر ليس بعيد المنال أو ضربا من الخيال. فقد تتوفر في هذه المنطقة كل متطلبات التمنية ومقومات النجاح. حباها الله بثروات طبيعية هائلة لم يمن على غيرها من الاقاليم. ومن ذا يساويها في الخيرات والموارد البشرية؟ فهي اكثر المناطق من حيث عدد السكان واعلاها نسبة من حيث المواليد. وأهمها من حيث الاستراتيجية كونها تمثل حلقة وصل بين مقديشو والمناطق الجنوبية. وأما من ناحية الثروة الطبيعية فأمرها حدث ولا حرج. ويكفيها شرفا وأهمية بانها تمثل سلة غذاء الصومال ومزارع الموز والحبوب اللذان يشكلان العمود الفقري للإقتصاد الوطني. كما ان لتلك المناطق كفاءات بشرية قادرة على قيادة مسيرة التنمية وتوجيه بوصلة الاقليم نحو الرخاء والازدهار. 

لم يكن الوصول الي هذه النقطة أمرا هينا. فبذل اهالي المنطقة في سبيلها الغالي والنفيس. و قاتلوا من اجلها لإيجاد كيان ذاتي يمثلهم في الداخل والخارج ويرقى الي مستوى تطلعاتهم. 

بدأت فكرة انشاء هذا الكيان منذ الاستقلال وايام الاحزاب السياسية في الستينات. قبل ان يتم اخماده من قبل النظام العسكري بقيادة الرئيس الراحل محمد سياد بري. لكن طفا الحراك من جديد بعد انهيار الدولة حتى وصل الي ذروته عام ٢٠١٣ حين أبان لأهالي المنطقة انه لا سبيل الي الحرية والتنمية سوى الحصول على كيان سياسي يمثل جميع مكونات مناطق باي وبكول  وشبيلي السفلى ويقودها احد ابناء بني جلدتهم الذي  يحرص عليهم ويعرف هموهم.

 وقد تحقق هذا الحلم نهاية شهر ديسمبر عام ٢٠١٤ حين اعلن بشكل رسمي عن ولادة المولود الذي طال انتظاره إدارة جنوب غرب الصومال. 

لكن تنشئة المولود ورعايته رعاية كاملة ليست اقل صعوبة من المخاض ان لم تكن اصعب منها. وبالتالي هذه المرحلة تستوجب التشمير لها وربط الأحزمة؛ لان التحديات كثيرة والآمال كبيرة ولا سبيل الي الانجاز سوى الجد والاجتهاد. ومن طلب العلا سهر الليالي. ومن رام العلا من غير كد اضاع العمر في طلب المحال. يجب العمل من اجل لم شمل أهالي المنطقة وجمع أخوة الفرقاء واجراء مصالحة شاملة تجبّ ما قبلها وتفتح الباب على مصراعية لوئام دائم .

 وبطبيعة الحال لا يمكن  تحقيق ذلك الا بالوحد وتنحية الخلافات جانبا والوقوف صفا واحدا في وجه المؤامرات التي تحاك ضد البلاد عموما ولتلك المنطفة على وجه الخصوص وهذا هو السبيل الوحيد المتاح أمام اهالي المنطقة لتخطى  العقبات التي تقف في طريق التقدم والنجاج بكل سهولة ويسر. وما ذلك بعزيز اذا صدقت النوايا وتوفرت الإرادة القوية والعزيمة الصادقة.

لأهمية مشروع اقليم جنوب غرب الصومال استعرض في السطور التالية آفاق ومتطلبات التنمية والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها المنطقة في هذه المرحلة. كما اتطرق بشكل مختصر في أهم ملامح الخطة العاجلة التي يجب ان توضع لتخطي التحديات ولتحقيق طموحات شعوب اقاليم باي وبكول وشبيلي السفلى.

أولا: أهمية منطقة جنوب غرب الصومال

تشكل المنطقة اهمية استرجية كبرى للصومال، لأنها تتشكل من أهم المناطق الصالحة للزراعة والرعي. وتمتاز بزراعة الموز الذي يشتهر به اقليم شبيلي السفلى والحبوب بمختلف أنواعه، الذرة الرفيعة والذرة الشامية التي تزرع بكثرة في منطقتي بيدوة وبكول. وتشكل المحاصيل الزراعية لتلك المناطق عصب الاقتصاد القومي وشريان حياة ملايين الصومالين في طول البلاد وعرضه.

 ومن بين الثروات الطبيعية التي منّ الله أيضا على منطقة جنوب غرب الصومال، الغاز الطبيعي الذي اكتشف مؤخرا في مدينة افجوي و اليورانيوم التي توجد بكثرة في منطقة بورهكبا. 

وتتحكم المنطقة أهم مينائين برييين في الصومال  والذين يقعان في الحدود مع كينيا وإثيوبيا. كما تمتلك مواني بحرية يمكن ان تكون منفذا بحريا للإثيوبيا وخصوصا للمناطق الصومالية ذات الكثافة السكانية العالية حيث تواجه تلك المناطق صعوبة في التصدير والاستيراد بسبب بعدها عن ميناء ممباسا في كينيا وميناء جيبوتي. فمينائي مركا وبراوي مهيأين لدخول الخدمة ولا يحتاجان الي تمويل كبير لإستناف علمهما. وان عائدات التي ستحصل عليها الإدارة منهما لا شك ستلعب دورا كبيرا في تحسين الحياة المعيشية لسكان الاقليم وتكفي تغطية جانب كبير من ميزانية الحكومة الاقليمية .

 لا تقتصر أهمية المنطقة على الثروات الهائلة في باطن الأرض لكن العامل البشري يعطيها أيضا أهمية خاصة لا يشاركها اقليم آخر. يعد منطفتي باي وبكول من اكثر المناطق الصومالية ذات الكثافة السكانية العالية، وتشهد نسبة عالية من المواليد رغم كثرة عدد الوفيات بسبب المجاعة والأمراض.

وكانت القوي البشرية الهائلة التي تتمتع بها المنطقة واحدة من ابرز العوامل التي ادت الي سباق قوى المتصارعة على الحكم في الصومال نحوها. ويرى بعض المراقبون ان الشباب المنحذرين من تلك المناطق هم الذي يشكلون العمود الفقري للقوات المسلحة الصومالية قديما وحديثا. وانهم يعتبرون ايضا المصدر الرئيسي الذي يمد لحركة الشباب الطاقة البشرية. وهذا هو سر قوة نشاطات الحركة في تلك المناطق رغم الضربات التي تتعرض لها في الأونة الأخيرة. 

فالموارد البشرية هي الركيزة الاساسية التي تعتمد عليها المؤسسات وقطاعات الانتاج  وتلعب دورا هاما في تحريك عجلات النمو. وبالتالي اذا تم تحسين قدرات هذه الموارد وتم توجيها نحو البناء والتطور فلاشك انها ستحدث نقلة نوعية في مستقبل المنطقة وتحقق خلال فترة وجيزة ما تعجز عنه الدول في سنوات كثيرة، لأن فرص النجاح التي تتوفر لدى المنطقة لا يقدر بثمن. وكافية على تخطى جميع المطبات.لكن من يستفيذ من الفرص الموجودة ؟ فالأمر لا تحتاج سوى قائد طموح وصاحب همة عالية ورجل عازم على الوصول الي أهدافه مهما تكون الثمن وتبلغ التحديات التي تعتري في طريقه. لأن الإنسان الذي يصمم على النجاح ويؤمن به ويسير في طريقه متفائلا دون ان يربكه او يضعفه الفشل يصل غايته ويجد عونا كبيرا من عقله الباطن على تحقيق هدفه. وكذلك لا مستحيل على أهل العزيمة والهمم العالية.

ثانيا: التحديات 

وكما ان الفرص كثيرة فالتحديات أيضا كبيرة وما في ذلك من شك. وابرز تلك التحديات التي تواجه مشروع جنوب غرب الصومال يمكن تلخيصها في ثلاثه محاور:

المحور الأول: المشاكل الداخلية

تعاني المنطقة من موروث الحُقب الماضية. ومرت بسنوات من التهميش والاقصاء. واكتوى سكانها بنار الحرب الأهلية، وذاق صنوفا من الاساءة والإذلال. وهذه التجارب ادت الي قطع الأوصر بين السكان أو على الأقل توسعة الفجوة بينهم وانتابهم حمى العصبية. وبالتالي فلا بد من المصالحة  ولقاء يجمع الأخوة تحت الاشجار لرسم مستقل اجيال تلك المناطق. وليس المقصود من هذه المصالحة لإنكاء الجروح القديمة ونبشها من جديد. لكن الأهمية تكمن في اللقاء والاتفاق على طي صفحة الماضي وما لها من ذكريات اليمة. واعلان بداية صحفة جديدة عنونها الأبرز: يدا بيد كتفا بكتف نحو بناء الوطن وتحقيق الأمن والازدهار. 

وتعاني شعوب المنطقة أيضا ما يمكن تسمية بالغيبوبة العميقة والانفطام عن الواقع والذي هو من نتاج ممارسات الأنظمة التي مرت بتلك المناطق من كبت ومنع من الاحتاك مع مايحدث في محيطهم. ولذلك من الأهمية بمكان ان تتضافر الجهود لإيقاظ شعوب المنطقة واقناعهم بان الأحوال قد تبدلت وجرى مجرى النهر مياه مختلفة والإ فكل الجهود التي تبذل من أجلهم تضيع هدرا ما لم يكونوا مشاركين في رسم أهداف التنمية وآليات التغيير.

المحور الثاني: المشاكل الخارجية 

التحديات الخارجية التي تواجه مناطق جنوب غرب الصومال كثيرة ومعقدة ايضا. فهي خطيرة جدا على مستقبل تلك المناطق وانها قادرة على ترك المنطقة في مقتل. لأن مصادرها متعددة واهدفها مختلفة. وبالتالي يجب التعامل معها بوسائل تناسبهم. 

ومن بين اكبر تلك التحديات، الحكومات المركزية التي لن تألو جهدا في صناعة قيادات صورية لتلك المناطق تتحكمهم عن بعد. وليس هذا غريبا لأن الطبيعة المنطقة تستدعي ذلك. وان حكومة مقديشو بدون مناطق المحاذية لنهري شبيلي وجوبا ليست الا حكومة ضعيفة غير قادرة على املاء شروطها على المناطق الشمالية والشرقية.  وعلى هذا الأساس ليس أمرا مستغربا بالمنظور السياسي ان تضع الحكومات الاتحادية كل ثقلها على كسب تأييد إدارة المنطقة ولن تتوانى عن اتباع كافة السبل بغض النظر عن حلالها أو حرامها لتحقيق هذا الهدف واستخدام مسألة الدعم والتمويل كورقة ضغط لتطويع شعب المنطقة ولي عنقهم.

 والتحدي الثاني تشكلة دول المنطقة وخصوصا اثيوبيا. وهذا التحدي لا يقل خطورة عن تهديدات الحكومة المركزية وأنها سلاح ذوحدين. والحنكة السياسية لا تقتضي ان ننظر فقط الي الجوانب الايجابية للوجود الإيثوبي فإنه  يمكن استخدامه لعرقلة تنمية المنطقة من خلال اثارة خلافات سياسية ونعرات قبلية بغية الوصول الي أهدافها بأقل الأثمان وأقل تكلفة. 

لكن خطر حركة الشباب هو الأكبر. ويشكل تهديدا مباشر لمستقبل المنطقة. لإن الصراع معها صراع وجودي وتعارض العملية السياسي برمتها. وبالتالي تفعل كل شي لمنع اقامة نظام سياسي آخر في تلك الاقاليم التي تعتبرها حاضنة لمسؤوليها. ولن يهدأ لها بال حتى ترى مشروع جنوب غرب الصومال وقد حكم نفسه بالفشل.

المحور الثالث : غياب الدعم وضعف الكفاءات 

كغيرها من المناطق الصومالية تعاني منطقة جنوب وغرب الصومال من غياب الدعم المالي والمادي وقلة وضعف الكفاءات البشرية التي تملكها المنطقة. لذلك لا يمكن الاستفاذة من الخيرات الزاخرة في تلك المناطق بالشكل المطلوب من دون دعم خارجي. فالأمر يحتاج الي دعم مالي ضخم لبناء البنى التحتية والتي تعتبر ضرورية لتحريك عجلة التقدم والاستفاذة مما حبا الله بها من الخيرات. فالأمر يحتاج الي تعبيد الطرق واعادة ترميم السدود وتوفير الامكانيات الضرورية لتحقيق التنمية في مختلف الميادين والقطاعات ولرفع القدرة الانتاجية لمزارع الموز والخضروات والحبوب في تلك المناطق بالاضافة الي انشاء مشاريع تعلمية وصحية عملاقة. 

الي جانب مشكلة غياب الدعم الخارجي تفتقر المنطقة ايضا الي الكوادر المدربة والعقول المثقفة، لأن العقول المتعلمة غادرت  البلاد خلال سنوات الحرب وبيدو انها غير راغبة في العودة الي المنطقة خلال المدى المنظور. وهذ ما مهد الطريق لبعض السياسين غير الأكفاء بالوصول الي سدة الحكم. 

توصيات

بالنسبة لتاريخ مناطق باي وبكول وشبيلي السفلى فالمرحلة الحالية تمثل مرحلة مفصيلة. وبالتالي أقول ما يلي:

 لا بد من التحلى بالحنكة السياسية والحكمة العقلية وقدر من المسؤولية لإنقاذ المنطقة وايصالها الي بر الأمان ولتحقيق تحولات ملموسة وانجازات سريعة على الأرض.

 لا بد من جمع الأفكار وتوحيد الاهداف لأن الطريق طويل والمتوفر قليل.

 لا بد من تحديد الرؤى بناء على الأولويات واحتياجات شعوب المنطقة، لأن القضية لا تحتمل الكثير من التخبط وضبابية في الرؤية.

 لا بد من التركيز على الموجود واقتناص الفرص التي لا يراها الآخرون؛ لأننا في زمن عز فيه الصديق وقل فيه العضُدُ. 

 لابد من اعطاء الأولوية لإعادة بناء المنشآت التعليمية والمرافق الصحية، بدلا من تبديد الموارد على شراء الأسلحة وبناء القوة العسكرية؛ لأننا في زمن تقاس عظمة الأمم بمعارفها وليس بعدد جنودها وترسانة اسلحتها.

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات