أخبارمقالات

أزمتنا الثقافية

قبل أن ندخل في صلب الموضوع أردت أن أبين مدلول ومعنى الثقافة اللغوى والإصطلاحى ، لننطلق على أساسها فالثقافة في اللغة أصلها: مصدر ثُقف، ككرُم، وثَقِف كفرح، ثقفاً، وثَقَفَاً، وثقافةً، صار حاذقاً، فهو ثَقِفٌ، وثَقِفَ الحديث فهمه بسرعة، وثقّف الشيء: سوّاه، وأقام المعوجّ منه، وثقّف الإنسانَ: أدبه وعلمه، وهذبه، فالثقافة من جهة اللغة: تعني الحِذْق و الفطنة وسرعة الفهم، والدقة في فهم العلوم والفنون، والتثقيف يعني: إقامة المعوجّ، وتسويته، وتأديب الإنسان وتهذيبه وتعليمه وتخليصه من الشذوذات والانحرافات. فالمثقف بناءً على هذا التصور اللغوي: هو الذي خلص من العوج، واستوت بواطنه وظواهره، واستقامت سرائره وجوارحه، وتهذبت مداركه وعواطفه، وحذق الحق وعلمه، وعرف الخير واتبعه.

“ومن منظور علم الاجتماع، يأخذ التعريف اللغوي السابق في التوسُّع والتعمُّق على يد علماء عديدين (جيرارد أودونيل، ماكس فيبر، ماركس، وغيرهم)، ليصبح تعريفاً اصطلاحياً يُشير إلى طريقة الحياة التي تتمكن جماعة بشرية من تأسيسها لتكون مقبولةً من جميع أفراد الجماعة، وملائمةً لهم كمجموع، وهي طريقة تتضمَّن أساليب الإدارة وآلياتها، ونمط التفكير، وآداب السلوك والمعتقدات، أو منظومة الأخلاق والقيم التي تحكم الجماعة، وكذلك اللغة، ونمط العيش بما يتضمنه من مسكن ومأكل ومشرب ومن علاقات وأنظمة سلوكية تؤسس التواصل بين الفرد والفرد، وبين الفرد والجماعة، وبين الفرد والطبيعة، وبينه وبين الوجود.
الثقافة إذاً، هي جماع الأنظمة المادية والروحية التي ابتكرها الإنسان لتحكم سلوكه فيما هو ذاهبٌ إلى الارتقاء بهويته وذاته ونمط حياته؛ والإعلاء من شأن وجوده في الحياة عبر الانخراط في صيرورة هي الثابت الوحيد في هذه الحياة، وعبر الاحتفاظ بأبنية ثقافية تحملها اللغة إلى الأجيال اللاحقة كي تسكنها وتتولَّى تعديلها أو إعادة إنتاجها وفق حاجاتها وشروط تطورها.
ولئن كان إدوارد تايلور قد أحصى ما يزيد على مائتي تعريف للثقافة، فإنه خلص إلى تعريف شامل تمثل في مقترحٍ مفاده أنَّ “الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعارف والمعتقدات والفنون والآداب والأعراف والقوانين وغير ذلك من منجزات الإنسان كفرد أوكمجتمع” 
وفي العام 1985عرَّفت منظمة اليونسكو الثقافة بأنها “جميع معارف الإنسان المتعلقة بالطبيعة والمجتمع.
وربما نكون في حاجة إلى التمييز بين ثقافة مثقفة أو ثقافة عارفة، عالمة، وأخرى ليست كذلك، أي غير عالمة، أمية، جماهيرية، ذلك لأن الأولى تنهض على تأطير معرفي لتجارب الحياة، على تسمية لها وقبض معرفيٌّ عليها عبر القراءة والتحليل والاكتشاف والتجريد والتدوين والحفظ في مدونات معرفية، بينما تظلُّ الثانية مسكونةً بالمتخيل، وبالوهم، وبالأيدلوجيا المتراكمة طبقات فوقها، وهو ما يجعلها في حاجة إلى تحليل يؤدي إلى امتلاكها معرفياً، وإلى تشذيب معرفيٍّ يُكْسِبُها قدراً من الرَّشاقة التي تجعلها قادرةً على الخطو في محاذاة الثقافة العارفة، والانخراط في نسيجها”.

الثقافة إذاً هي مكوّن من المكونات الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات البشرية والتي تنبع من مصادرها الحضارية، وتؤسس كيانها العريض وتتمتع باسقلالها وتميزها ضمن نظيراتها البشرية.

والمجتمع الصومالى هو من بين المجتمعات ذات الثقافات المميزة – إن لم تكن رائدة أو فريدة- في أنحاء الكرة الأرضية والناظر في تقاليدنا وعاداتنا يجد صدق ما نقول ومما يضفيها هذه الميزة أنها تكاد تكون متطابقة مع عقيدة المجتمع التي يتدين بها أعنى الإسلام إذ أنهم مسلمون بنسبة 100%، – وان تغير شيء فهو شاذ لا يعتبر- وهو ما يعطى الثقافة الصومالية رونقاَ فريداً ومتميزاً .

ومن الخصائل الحميدة التي تتصف بها ثقافتنا: التكافل الإجتماعى، والإنصهار المجتمعى، والإنسجام الداخلى، – مع وجود القبلية- إلا أننى أزعم أنها لم تؤثر الإنسجام والإنصهار المجتمعى على طول الأزمة، ومن الأشياء الإيجابية في الثقافة الصومالية الأنفة، والكبرياء وعدم قبول المذلة والإهانة أياً كانت مصدرها، وهذا غيض من فيض من المخزون الثقافي لدى الصوماليين وهو ما جعلهم موضع الصراع بين الأفارقة والعرب  لاهم تعرّبوا ولاهم تفرنقوا.

وحتي لانخرج عن قضيتنا الأساسية والتي من أجلها شرعنا كتابة هذه المقالة بعد ما أضأنا جانباً من محاسن الثقافة الصومالية فلندخل مكامن الأزمة وبؤرة الإنحرافات الثقافية التي هبت بنا كسحاب الغيث والتي لايعلم مضامينها وماتحمله من خير يروى بها الأرض والعباد أوشر يهلك الحرث والنسل.

تغير كثيراً من ملامح الثقافية التي كان يتمتعون بها الصوماليون وخاصة شقها الأخلاقى والأدبى؛ ذلك بعد هجرة الأمة إلى كافة أصقاع العالم شرقاً وغرباً وطالت الآمال والنفوس متطلعة ومشتاقة إلى يوم يحصل الميعاد الى أرض الوطن، ولكن هيهات بل تكاد تنتهى وتنقطع الآمال والتفاؤل في مستقبلٍ مشرق  بعد أن قرب التيه عقده الثالث.

ومن هنا توجه الكبار والصغار رجالاً ونساءً إلى الغرب وتوطنوا هناك وغيّروا الجنسيات والجوازات وأتبعوا اللغة واللبس والشكل والبعض أضحى نسخة طبق الأصل، ومن الفئات التي تبدلت بصورة  سريعة وذابت في تلك البيئات الشباب والشابات وبالأخص الفتيات واللاتي ترعرعن وتربين في هذا الجو المفتوح الطلق والمحفّز بإستفراغ اللذائذ والشهوات دون رادعٍ فطرى ناهيك عن السلطانى، بل العكس صحيح.

وكما قلنا في بداية كلامنا فإن اللغة هي الجزء الأساسى لثقافة أي مجتمع فإن ضاعت فهي وماسواها أضيع، لذلك نرى أن لغتنا قد ضيعت ومستقبلها مشحون بالسواد بدليل أن أجيال الأمة المعلّق بهم الأمل سواءً كانوا في العالم العربى أو الغربى لاتجد واحداً منهم يتحدث بلغته الأم بطلاقة فضلاً عن الكتابة وهو ما ينذر بالخطر الثقافي الداهم إن لم ينتبه المثقفون واهل الرأي ويشرعوا في وضع خطط لإحياء اللغة الصومالية ودراستها في كافة مراحل الدراسية في الداخل وتصميم نظام وبرنامج يطبق في المهجر.

وهذا ينعكس من أزمتنا الفكرية التي أرهقتنا وأرقّت بنا وما زالت تؤرقنا، وأختم مقولة المفكر والشيخ محمد الغزالى يقول فيها ” إن الإستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة، لا تنطلق من مبدأ ولا تنتهي لغاية، يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان، مع قليل أو كثيرٍ من المعارف النظرية التي لا تعلو بها همّة ولا ينتصر بها جبين واغلب شعوب العالم الثالث من هذا الصنو”

عبد الرحمن أدم حسين

خريج كلية الشريعة والقانون ، جامعة افريقيا العالمية والآن يحضر الماجستير في نفس التخصص بجامعة القرآن الكريم، الخرطوم - السودان

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات