اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / المصالحة الوطنية الصومالية – قراءة في المنطلقات والأسس وتحليل النتائج

المصالحة الوطنية الصومالية – قراءة في المنطلقات والأسس وتحليل النتائج

 logo

المؤتمر العلمي الوطني الأول بعنوان: 

الحوار .. أسلوب حياة نحو تأصيل ثقافة الحوار الوطني وتجذير خيار الوحدة الوطنية

 29 سبتمبر – 3 اكتوبر 2014 مقديشو – الصومال.

 

ورقة علمية بعنوان:

 

(المصالحة الوطنية الصومالية  –  قراءة في المنطلقات والأسس وتحليل النتائج)

 

إعداد:                  

مركز مقديشو للبحوث والدرسات

 

محتويات الورقة

 ١- المقدمة

٢- المبحث الأول: المصالحة مطلب إنساني وضرورة دينية

٣- المبحث الثاني: مؤتمرات المصالحة الوطنية الصومالية ….قرأءة تاريخية وتحليل النتائج

٤-  المبحث الثالث: المصالحة الصومالية … الواقع والمآلات

٥- المبحث الرابع: الشروط المطلوبة لإنجاح المصالحة الوطنية.

٦- المبحث الخامس : أركان المصالحة الوطنية المطلوبة

 المقدمة

 يمر بلادنا بمرحلة فاصلة من تاريحه الحديث وأمامنا خيارات محدوة كي نحدد مصير البلاد في السنوات القادمة، هل نحتفظ الصومال موحدا وذا سيادة أم نذهب به الي مستقبل مجهول يمكن أن يتم تقسيمه الي كانتونات صغيرة معزولة أو يتم احتلاله في أسوأ الإحتمالات. لايمكن التفادي من هذا المصير المجهول وتلك السيناريو الكارثي الأ بالتوحد على الثوابت الوطنية والمصالح العليا للشعب، ولا يتحقق هذا الهدف، الا من خلال الإسراع في تحقيق مصالحة شاملة بين جميع مكونات الشعب بكل أطيافه وإنتمائاته الفكرية والدينية المختلفة لنقطع الصلة مع الماضي الأليم الذي مزق البلاد وفرق شمل أبناء الوطن، وأدي الي مقتل آلاف من المواطنين، وتشريد الملايين منهم الي داخل البلاد وخارجه الذين يعيشون في ظروف انسانية غاية الصعوبة، يندي لها جبين الحياء خجلا يموتون جوعا في الداخل أو في عباب البحر هربا من آلة القتل والدمار وظلم ذوي القربي، فهؤلاء الملايين ينتظرون منا أن ننصف لهم ونعمل من أجل إعطائهم أملا في العودة الي ديارهم والعيش في وطنهم بكرامة وأمان، وازالة جيمع المعوقات التي تحول بينهم وبين انجاز ذلك بعيدا عن استخدام السلاح، واللجوء الي العنف والإنتقام، بل بالمصالحة والجلوس الي طاولة الحوار، وبحث المشاكل من جميع جوانبها وابعادها بوطنية وسعة صدر بغية التوصل الي مبادئ وقواعد عامة تمنح للجميع حرية العيش في الوطن والتساوي أمامه في الحقوق والواجبات.

فالصراعات الداخلية سنة من سن الله في هذا الكون يمكن ان تحدث في كل زمان وفي كل مكان ولا أحد بمنى عنها، لكن الغرابة تتمثل في أننا لم نقدر على حل مشاكلنا ووضع نهاية لهذا الكابوس الجائم على بلادنا على مدى أكثر من عشرين عاما حتى وصل بنا الأمر الي الإستنجاد بالخارج وتسليم مفاتيح الوطن الي قوى اقليمية لها أجنادتها الخاصة، تتولى أمر البلاد ونحن عاجزون عن فعل شيئ لحل مشاكلنا العالقة رغم ما يتوفر لنا من عوامل وعناصر تفتقر اليها معظم بلدان العالم. هذه العناصر هي التي توحدنا وتساعدنا على إدارة خلافاتنا وبناء مستقبلنا بشكل أفضل دون الحاجة الي تدخل خارجي لا يتعدى دعمه- إن أحسنا الظن- في المسائل العامة، ومهما استطاع مواجهة المسلحين لن يستطيع ايجاد حلول تام لمشكلنا الداخلية التي لا يعرفها ولا يلم منعطفاتها ومنعرجاتها وتفاصيلها الدقيقة، لذلك ينبغي الا نعلق أمالا عريضة على الخارج والمبادرات الاقليمية والدولية فهي لا تحل الأزمة بشكل نهائي بل تعقدها  أحيانا وتدخل البلاد الي نفق مظلم.

من هنا تقع على الحكومة الصومالية ومؤسسات المجتمع المدني والمفكرين واصحاب الرأي ورجال المال والأعمال مسؤولية الإتفاق على أركان وركائز جديدة تحدد مسار المصالحة الوطنية في المستقبل تختلف عن الأنماط السابقة التي أثبت فشلها في معالجة المشكلة وتقليل تداعيتها على مصير البلاد، والحكومة الحالية تتحمل العبء الأكبر في تقريب وجهات النظر وتهئة الأجواء لتحقيق توافق وطني ينهي دوامة العنف في الصومال للأبد. لأن الصومال تحتاج لعملية مصالحة وطنية شاملة من شأنها  أن تأمن عملية انتقال سلسة إلى حالة من السلام والاستقرار السياسي، وفي هذه الورقة نقدم رؤيتنا عن المصالحة الوطنية من خلال تناول الموضوع على النحو التالي:-

المبحث الأول: المصالحة مطلب إنساني وضرورة دينية

المبحث الثاني: مؤتمرات المصالحة الوطنية الصومالية …. قرأءة تاريخية وتحليل النتائج

االمبحث الثالث: المصالحة الصومالية … الواقع والمآلات

المبحث الرابع: الشروط المطلوبة لإنجاح المصالحة الوطنية 

المبحث الخامس :أركان المصالحة الوطنية المطلوبة

 

 المبحث الأول: المصالحة مطلب إنساني وضرورة دينية

إن المصالحة هي توافق وطني تستهدف تقريب وجهات النظر المختلفة وردم الفجوات بين الأطراف المتخاصمة أو المتحاربة ؤ الحاصل في وحدة البلد ونسيجه الاجتماعي. 

المصالحة هي تفعيل الحراك السياسي في المجتمع ورفع الوعي السياسي لدى المواطن العادي وتقلل الإحتقان القائم بين الحكومة والفرقاء السياسيين وهذا يعود بالنفع والاستقرار على الوضع السياسي والاقتصادي للبلد والانتعاش الاقتصادي ورصد حركة أموال الدولة من صادرات وواردات , والمصالحة هي البديلة للمؤامرات والنزاعات الغير مجدية للشعب والدولة , والقبول بها يعني فتح أبواب المفاوضات في مجال توزيع السلطة في المناطق الرخوة والساخنة وتوزيع عملية أعمار البلد المهشم وتوزيع موارده المالية بصورة ناجعة وفعالة والاستفادة من طاقاته البشرية.

وقد حث عليها الإسلام بصورة عامة وجعل القيام بها من فروض الكفاية ، بقوله تعالى: “لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس”.  

وقوله تعالى:(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء:114].

وقوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً )[النساء:128 ـ 129].  

وقوله تعالى:(فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[الأنفال:1].

وقوله تعالى:(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )[الحجرات:9-10].

وذكر بعض العلماء أن الصلح يمكن أن يتم قبل وقوع النزاع وقاية ، كما جاء ذلك عن ابن جرير الطبري وابن عرفة المالكي، وان عاشور ، وذلك بتوقي منازعة محتملة الوقوع وهو ما نص عليه القرآ، الكريم في قوله تعالي ( فمن خاف من موص جنفا أوإثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه إن غفور رحيم). البقرة ١٨٢

وفي سيرة النبوية حافلة بوقائع تدل على اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالصلح وفض النزاعات بالطرق السلمية. وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على وحدة المسلمين وأكد على إخوانهم وأمر على أن الصلح بين المتخاصمين من أفضل الأعمال، فقال: “ما عمل ابن آدم شيئا أفضل من الصلاة وصلاح ذات البين وخلق حسن« (شعب الإيمان 12-429)، بل باشر صلى الله عليه وسلم بنفسه حين تنازع أهل قباء فندب أصحابه وقال: «أذهبوا بنا نصلح بينهم» (البخارى 3-183).

 المبحث الثاني: مؤتمرات المصالحة الوطنية الصومالية ….. قرأءة تاريخية وتحليل النتائج

عقدت منذ الإطاحة بالنظام العسكري بقيادة محمد سياد بري في٢١ يناير عام ١٩٩١  الي عام ٢٠١٤ ما يقارب ٢٠ مؤتمر مصالحة في خارج البلاد الي جانب عشرات المؤتمرات بين العشائر الصومالية التي عقدت في داخل البلاد وان معظم هذه المؤتمرات لم تنحج في إيقاق شلال الدم وإنهاء الصراعات القبلية على السلطة والثروة، ولم تصمد نتائجها طويلا، والأسباب تتلخص في الأمور التي نشير إليها لا حقا. ومن بين هذه المؤتمرات بإيجاز:

 

مؤتمر جيبوتي الأول ١٩٩١

عقدت في شهري يونيو ويوليو عام ١٩٩١ في جيبوتي مؤتمرين للمصالحة بين أطراف الصراع انذاك في الصومال. وكان من أولى المؤتمرات المصالحة، وشارك في هذا المؤتمر فصائل سياسية مختلفة، وتم التوافق على تشكيل حكومة مؤقتة وانتخاب علي مهذي محمد رئيسا مؤقتا للبلاد، لكن محمد فارح عيديد الذي كان يقود جبهة (usc ) المسلحة لم يشارك في هذا المؤتمر وعارض نتائجه بشدة ما أدى الي اندلاع حرب أهلية طاحنة بين عشرتي علي مهذي وعيديد الأمر الأمر الذي فتح الباب على مصرعيه لأتون حرب أهلية طويلة أهلكت الحرث والنسل، وواصبحت القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت الي انفصال المناطق الشمالية في الصومال واعلان نفسها دولة مستقلة.

 

مؤتمر  أديس أبابا ١٩٩٣

في الفترة ما بين يناير – مارس عام ١٩٩٣ نظمت الأمم المتحدة مؤتمر مصالحة وطنية عامة لأنهاء القتال الدائرة في مقديشو بين فصيل علي مهذي وفصيل عيديد من جهة وبين الجبهات الأخرى المتقاتلة أيضا في وسط وجنوب البلاد، ونزع السلاح عن المليشات تمهيدا لتشكيل حكومة موحدة. وشارك في هذا المؤتمر الذي عقد في العاصمة الإيثوبية  أديس أبابا ١٥ فصيلا من الجبهات الصومالية المسلحة وتم الإتفاق على اطار لإنهاء العنف، لكن لم يتم تنفيذ مقررات المؤتمر، وتواصلت المعارك في العاصمة مقديشو والمناطق الأخرى، بل اتخذت أبعاد أخرى خطيرة.

 

مؤتمر نيروبي ١٩٩٦ 

في شهر أكتوبر عام ١٩٩٦ راعى الرئيس الكيني السابق، دانيل أرب موي مؤتمر مصالحة لبعض من الأطراف التي كانت تتصارع على الحكم في مقديشو. وأجمع هذا المؤتمر الذي عقد في نيروبي كل من حسين عيديد وعلي مهذي وعثمان علي عاتو الذين كانوا يحكمون المدينة. لم ينجح هذا المؤتمر في إنهاء الخلافات بين هؤلاء الزعماء ونزع فتيل الأزمة بين العشائر التي يتنمون اليها وصار مصيره كمصير المؤتمرات السابقة. ومن أهم سباب هذا الفشل كان دور الإثيوبي السلبي، حيث دعت الحكومة الإيثوبية في ذاك الوقت فصائل أخرى الي مؤتمر للمصالحة في مدينة سودري مواز لمؤتمر نيروبي.

 

مؤتمر  سودري ١٩٩٧

ما بين نوفمبر عام ١٩٩٦ ويناير عام ١٩٩٧ استضافت إثيوبيا مؤتمرا للمصالحة شاركت فيه ٢٦ فصيلا من الفصائل المتقاتلة في الصومال، وتم تشكيل مجلس إنقاذ وطني يضم ١٤ عضوا من الفضائل التي حضرت المؤتمر. وكان من أهم مهام المجلس العمل من أجل تشكيل حكومة للبلاد، الا أن المجلس لم يحقق النتائج المرجوة،بسبب رفض فصائل أخرى نتائج المؤتمر من بينها فصيل حسين عيديد الذي كان يحكم آنذاك الأجزاء الجنوبية من العاصمة مقديشو بدعم من الحكومة الإريترية. 

 

مؤتمر القاهرة ١٩٩٧

احتضنت  العاصمة المصرية القاهرة في شهر ديسمبر عام ١٩٩٧ مؤتمرا للمصالحة اشتركت فيه أكثر من ٢٨ من قيادات الفصائل الصومالية من بينها حسين عيد وعلي مهذي كمحاولة لتوحيد العاصمة الصومالية مقديشيو التي كانت تتقاسمها الفصائل المتناحرة، واتفق المشاركون على عقد مؤتمر مصالحة عام في مدينة بيدوة في ١٥ فبراير ١٩٩٨، غير أن هذا المؤتمر لم يتم عقده وقد تأجل في أكثر مرة ، لأسباب وصفت آنذاك بنقص الإمكانيات اللازمة لترتيب عقد هذا المؤتمر إلي أن تم تأجيله في المرة الأخير لذات السبب بدون تحديد موعد آخر.

 

  مؤتمر عرتا ٢٠٠٠ 

في  الثاني من شهر مايو عام ٢٠٠٠ أفتتح في قرية عرتا القريبة من مدينة جيبوتي مؤتمر مصالحة وطنية برعاية من فخامة الرئيس الجيبوتي اسماعيل عمر جيلي، وشارك في هذا المؤتمر أكثر من ٢٠٠٠ شخص معظمهم من القيادات المجتمع المدني وزعماء العشائر ولم يتم توجيه الدعوة للزعماء الفصائل المتحاربة. وتم الإتفاق في  هذا المؤتمر الذي إستمر شهورا عدة على دستور مؤقت وتشكيل أول برلمان بعد سقوط نظام سياد بري وانتخاب الدكتور عبدالقاسم صلاد حسن رئيسا للصومال في ١٣ من شهر اغسطس عام ٢٠٠٠ ولمدة ثلاث سنوات، غير ان الفصائل المسلحة في الصومال وخصوصا التي كانت في العاصمة مقديشو المنضوية في تحالف مجلس المصالحة واعادة احياء الصومال (SRRC) استطاعت عرقلة حكومة عبدالقاسم ومنعته من ممارسة مهامها في مقديشو وحاض حربا شرشا معها حتى أعلنت منظمة الإيقاد عن تنظيم مؤتمر مصالحة آخر في مدينة الدوريت الكينية نهاية عام ٢٠٠٢ .

 مؤتمر الدوريت ٢٠٠٢- ٢٠٠٤

 

أكتوبر عام ٢٠٠٢  عقد في مدينة أولديريت الكينية أول مؤتمر مصالحة وطنية شاملة شاركت فيه جميع الأطراف السياسية  والفصائل المسلحة بما فيها ممثلون من حكومة عبدالقاسم ومجلس (SRRC) وقيادات المجتمع المدني وزعماء العشائر، ونجح المشاركون في المؤتمر الذي إستمر أكثر من عامين ( أكتوبر ٢٠٠٢- أكتوبر ٢٠٠٤) في إنشاء نظام فدرالي وضع دستور مؤقت وبرلمان يتكون من ٢٧٥ عضو انتخب العقيد عبدالله يوسف رئيسا للبلاد لمدة أربع سنوات.  

لكن كما جرت العادة لم يتمكن هذا المؤتمر رغم المشاركة الواسعة في انهاء الخلافات بين الصوماليين ووقف شلال الدم في البلاد،بل تعمقت الأزمة الصومالية واتخذت لأول مرة بشكل علني طابعا دينيا حيث ظهرت جماعات اسلامية مسلحة تطمع السلطة، ما اضطر المجتمع الدولي مرة أخرى على تنظيم مؤتمر مصالحة آخر في جيبوتي عام ٢٠٠٨، هذه المرة بين الفصائل الاسلامية التي كانت تحارب ضد حكومة عبدالله يوسف المدعومة من قبل القوات الإثيوبية.

 مؤتمر جيبوتي الثاني  ٢٠٠٨

في يناير عام ٢٠٠٨ جرى في العاصمة جيبوتي لقاءات بين وفد من حكومة عبدالله يوسف وفد من تحالف من أجل تحرير الصومال (SRC) الذي كان يقودها زعيم  المحاكم الشرعية، شيخ شريف شيخ أحمد وتم التوصل الي وقف لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر ومواصلة المفاضاوات.

وفي الفترة ما بين مايو ٢٠٠٨ ويناير ٢٠٠٩ اجتمعت وفود من الحكومة الصومالية وتحالف من أجل تحرير الصومال (SRC) في جيبوتي وتم الإتفاق على اقالة عبدالله يوسف ومضاعفة أعضاء البرلمان الذي كان ٢٧٥ عضوا وضمه أعضاء من التحالف ليكون ٥٥٠ عضوا. وفي  ٣٠ من يناير ٢٠٠٩ انتخب البرلمان الجديد زعيم المحاكم الشرعية، شيخ شريف، رئيسا مؤقتا للصومال ولمدة سنتين. 

لكن هذا الإتفاق رغم ما حظي من دعم غير مسبوق من المجتمع الدولي الا أنه لم يضع نهاية للأزمة، وأعلنت فصائل اسلامية أخرى منشقة من المحاكم الاسلامية حربا ضد حكومة شيخ شريف. والي الآن تواصل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة  والمنشقة من المحاكم، سعيها في عرقلة العملية السياسية في البلاد، وتقف حجرة عثرة أمام تحقيق استقرار دائم في ربوع  الصومال.

 بعض أهم مؤتمرات المصالحة في الداخل

لم تكن جهود المصالحة مقتصرة على المباردات الإقليمية والدولية الا أنه كان هناك جهودا محليا لتسوية الخلافات بين الفرقاء السياسين وإنهاء الصراعات القبلية، عقدت مؤتمرات مصالحة وطنية في  كل من مقديشو ومدينة غروي في الشرق، بونت لاند، وبرعو في الشمال صومالاند. ومن أبرز هذه المؤتمرات:  

 

 مؤتمر برعو عام ١٩٩١

 مايو عام ١٩٩١ نظمت عشائرالقاطنة في شمال غرب الصومال مؤتمر مصالحة عامة لإنهاء القتال الدائرآنذاك في تلك المنطقة وتسوية الخلافات بين العشائر والبحث عن تقرير مصير ومستقبل هذا الاقليم، هل يبقى ضمن جمهورية الصومال أويختار الانفصال؟. شاركت في هذا المؤتمر قيادات من الجبهات المسلحة، وزعماء وشيوخ العشائر والسياسيين، وممثلون من المجتمع المدني في مناطق الشمال. وانتهي المؤتمر في   ١٨ مايو عام ١٩٩١ بالإتفاق على إعلان المناطق الشمالية دولة مستقلة عن باقي الصومال، كما تم الاتفاق على مسودة الدستور المؤقت، وانتخاب عبد الرحمن أحمد علي  رئيسا  لأرض الصومال، وحسن عيسي جامع نائبا له. منذ ذلك الحين تتمتع  هذه المناطق بنظام سياسي مستقر وبأمن لا يتوفر في الناطق الأخرى للبلاد. 

 

مؤتمر غروي ١٩٩٨

العاشر من شهر مارس ١٩٩٨ إلتأم في مدينة غروي شمال شرق الصومال مؤامر مصالحة عامة لإنهاء الصراعات بين الفرقاء السياسين والعشائر، والبحث عن المستقبل السياسي لتلك المناطق. وشارك في المؤتمر الذي استمر يومين أكثر من ٢٥٥ عضوا من جميع ألوان الطيف السياسي والإجتماعي في تلك المناطق ومن أبرز نتاج هذا المؤتمر ما يلي:

1- الإتفاق على حل الخلافات بينهم بالطرق السلمية 

2- البقاء ضمن جمهورية الصومال عكس المناطق الشمالية 

3- انشاء كيان خاص لهم سمي بولاية بونت لاند 

4- تشكيل برلمان للاقليم، وانتخاب الرئيس الصومالي الأسبق العقيد عبدالله يو سف رئيسا للاقليم.

 

 مؤتمر مقديشو عام ٢٠٠٧  

نظم رئيس الصومال الأسبق عبدالله يوسف في ١٥ يوليو عام ٢٠٠٧ وبعد هزيمة المحاكم الاسلامية، مؤتمر مصالحة وطنية شارك فيه سياسيون وممثلون من المجتمع المدني في الداخل والمهجر وزعماء وشيوخ من كافة العشائر الصومالية ولا سيما العشائر القاطنة في مقديشو. وكان الهدف من هذا المؤتمر الذي استمر في الفترة ما بين ١٥ يوليو- ٣٠ اغسطس ٢٠٠٧ انهاء الخلافات بين العشائر الصومالية وحثهم على دعم الحكومة ووقف العمليات المسلحة ضد الحكومة والقوات الإثيوبية الموجودة آنذاك في مقديشو ومناطق بوسط وجنوب الصومال. لكن نتائج هذا المؤتمر لم تغير من الواقع شيئا وتواصلت العمليات المسلحة ضد الحكومة والقوات الإثيوبية، وشهدت مقديشو معارك ومواجهات عنيفة أسفرت عن مقتل مئات من الصومالين.

 تحليل نتائج مؤتمرات المصالحة 

كما أشرنا، عقدت في داخل البلاد وخارجه أكثر من ٢٠ مؤتمرا للمصالحة بائت كلها بالفشل ولم تتحقق مصالحة عادلة وشاملة تحظى برضا وقبول جميع شرائح المجتمع الصومالي ومكوناته القبلية والسياسية، كما أنها لم تكن كفيلة بأن يدرك العالم ورعاة مؤتمرات المصالحة في الاقليم أن أي محاولة لتحقيق المصالحة الحقيقية في البلاد تستلزم بالأساس إشراك كل الأطراف المتصارعة دون أيِّ استثناءات، و عدم الانحياز لطرف على حساب بقية الأطراف.

لا يخفى على المتابع للمجريات مؤتمرات المصالحة السابقة والقارئ نتائجها قراءة متأنية ان أسباب فشل هذه المؤتمرات تعود الي ثلاثة أمور:

١-  انها لم تكن شاملة وأن رعاة الاقليمين والدولين كانوا يختارون المشاركيين بشكل انتقائي دون مراعاة المصالح الوطنية إذ خيل للقائمين عليها أن مجرد اجتماع بعض الفصائل الصومالية الموالية لها المقربة منها على مائدة واحدة، وتوقيع اتفاقيات جزئية لتحقيق السلام سيعيد الاستقرار للبلاد. 

في كل مؤتمرات المصالحة السابقة لم يتم الدعوة الي جميع الجهات الفاعلة على الأرض ولم يكن يحصل التوافق على نتائجها حتى من قبل الأطراف المشاركة ما أدي في النهاية الي صعوبة تنفيذ نتائج تلك المؤتمرات وتطبيقها على الأرض. فعلى سبيل الميثال كانت أول محاولة للمصالحة بين الجبهات المسلحة في الصومال مؤتمر جيبوتي عام ١٩٩١، لكن تلك المحاولة تعثرت ولم تكلل بالنجاح وفشلت في انقاذ البلاد من الوقوع في المأساة المستمرة الي اليوم، لأن هذا المؤتمر، ضم فقط جبهة ما سمي بـ”مانفيستو”، وشخصيات سياسية وتم الاستثناء من قيادات المعارضة المسلحة التي أسقطت النظام بقوة السلاح، ولم تعط الأولوية لجلبها في طاولة الحوار ما أدخل البلاد في دوامة العنف وفوضى عارمة باتت من الصعب الخروج منها عبر الوسائل السلمية ومؤتمرات المصالحة لأن كل قيادي سياسي حصل السلاح وجمع مليشيات من عشيرته وأصبح قادرا على عرقلة  المؤتمرات ورفض نتائجها عبر تحريض عشيرته ضد العشائر الأخرى. وكذلك في مؤتمر اديس أبابا لم يكن شاملا ولم يتم اقناع عيديد بنتائجه، وفي مؤتمر سودري كان خاصا للفصائل المقربة من إيثوبيا ومؤتمر القاهرة احتضن الفصائل المعارضة لسياسات إيثوبيا ومؤتمرعرتا تم استبعاد زعماء الحرب،  وتهميش دورهم. أما مؤتمر الدوريت لم يستقرأ المنظمون الواقع جيدا وتجاهلون الإسلاميين، وهكذا دواليك…

 

٢-  عدم الجدية وغيات الحياد والدليل على ذلك مافعلته يونيصوم 1993 عندما تجاهلت عن مطالب عيديد، وما فعله ولد عبدالله ممثل الأمم المتحدة في مؤتمر جيبوتي 2008 عندما تجاهل مطالب الاسلاميين المعارضين لشيخ شريف. ولذلك تَعقَّد الصراع  في الصومال “لدرجة كبيرة، وطال أمد الأزمة وتشابكت الأحداث، وأصبح اللاعب الأساسي في هذا الصراع لم يعد ينحصر في الداخل، بل يرتكز جلّ تحرّكه على قوى إقليمية، اتخذت مِن الصومال ساحة لتصفية الحسابات، في غيبة شبه كاملة للقوى العربية والإسلامية التي أدرجت الصومال في ذيل قائمة اهتماماتها وأولوياتها”. 

٣- التركيز على تقاسم السلطة وبناء الدولة، فكل المؤتمرات المصالحة التي عقدت للصوماليين كان الاهتمام منصبا في إيجاد اتفاق حول تقاسم السلطة بين القبائل المتناحرة وبناء شكل من أشكال الدولة دون مراعاة جوانب التنمية البشرية والاقتصادية التي كان ينبغي ان تعطى أولية قصوى لإعطاء الشباب الذين كانوا وقودا للفتن والحروب بدائل تمنعهم من الإنجرار الي حمل السلاح وارتكاب الجرائم، ولهذا السبب لا تزال المواجهات القبلية على الماء والكلأ وحطام السلطة تتكرر في أكثر من منطقة بالبلاد..

 

المبحث الثالث: المصالحة الصومالية … الواقع والمآلات

ظهور المحاكم الاسلامية في المشهد السياسي في الصومال، عام ٢٠٠٦ وسيطرتهم على أجزاء كبيرة من البلاد بما فيها العاصمة مقديشو، شكلت نقطة تحول كبيرة في مسار عملية السلام في البلاد وغيرت طرق تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السياسية بشكل جذري بناء على تلك المعطيات الجديدة التي افرزها صعود لاعبيين جدد وأفول نجوم أخرى. تغيرت المصالحة من وساطة بين القبائل والفصائل السياسية المتناحرة الي وساطة بين الاسلامين والفرقاء السياسيين المدعومين من قبل  بعض دول الجوار ، لأن نظام المحكام الاسلامية، نجح في اطاحة حكم المليشيات القبلية وطرد زعماء الحرب من العاصمة مقديشو، كما استطاع الحاق هزيمة معنوية بالقوات الإثيوبية التي كانت تدعم حكومة الصومال برئاسة الفقيد عبدالله يوسف بعد حرب استنزاف استمرت أكثر من عامين مما اضطر القوات الإيثوبية في نهاية المطاف الي الإعتراف بفصائل من الاسلاميين وقبولهم شركاء في الحكم مقابل تخليهم عن السلاح ونبذ العنف، وذلك عبر مفاوضات مارثونية عقدت في جيبوتي بين جناح من تحالف إعادة تحرير الصومال الذي كان يترأسه زعيم المحاكم الشرعية، شيخ شريف شيخ أحمد وحكومة عبدالله يوسف.  

هذا الانتصار السياسي الذي حققه تحالف إعادة تحرير الصومال من خلال مفاوضات جيبوتي، إثر انتخاب شيخ شريف رئيسا للبلاد كان أيضا نقطة هامة في مسيرة عملية السلام، لأن تلك المفاضات وضعت نهاية للمؤتمرات المصالحة التي كانت تعقد للفصائل المتناحرة و رسمت معالم جديدة  للمصالحة  بعد ان تحقق بعض التقدم في اطار لم شمل الفرقاء السياسين الصوماليين وايجاد توافق ما على الثوابت الوطنية ومستقبل العملية السياسية في البلاد، وبهذا انتقل الصراع من صراع بين زعماء  الحرب والعشائر من جهة والاسلاميين من جهة أخرى الي صراع بين حكومة شرعية معترفة بها ومدعومة دوليا ، وبين حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة . وهذا الصراع جزء من صراع عالمي عابر للقارات، يوجد في أكثر من بقعة في العالم العربي والاسلامي ولا يمكن اصلاحه عبر  مؤتمرات المصالحة التقليدية.  

لكن في عام٢٠١٣ وبعد طرد حركة الشباب من العاصمة مقديشو ومناطق شاسعة من وسط وجنوب البلاد على أيدي قوات بعثة  الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال بدأ الصراع العشائري يطفو على السطح من جديد وبدأت المواجهات بين القبائل تتجدد كما تم استئناف الصراع السياسي وبشكل عير علني بين الأطراف المنضوية تحت عباءة  نظام الحكم الحالي.

 تدور منذ العام ٢٠١٣ في مناطق مختلفة من البلاد معارك عنيفة بين عشائر متنازعة على انقاض حكم الشباب في تلك الاقاليم ، إبتدا من مناطق مدغ وجلجذود وهيران في الوسط مرورا بالمناطق الغربية في باي وبكول وجذو ، وإنتهاء في المناطق الجنوبية، شبيلي الوسطى وشبيلي السفلي وجوبا. وهذا النزاع بين العشائر الذي يغذيه الصراع السياسي على السلطة لا يزال في بداياته الا أنه مرشح للتصعيد في ظل تزايد رقعة المناطق التي تطرد منها حركة الشباب وقلة امكانيات الحكومة الصومالية وقدرتها على بسط سيطرتها ونفوذها على تلك المناطق دون الاستعانة بالمليشيات القبيلية التي تتمتع بدعم قوي من ممثلهم في الحكومة والبرلمان وحتى من قبل قوات من بعثة الاتحاد الأفريقي التي تضم دولا كان لها دورا في استمرار الأزمة الصومالية، حيث بدأت هذه الايام تتبلور خريطة صراع سياسي عشائري عنوانه الأبرز الصراع على الكعك الفيدرالية، تتقاتل العشائر بسببه على إدارة وتقاسم سلطة الحكومات الاقليمة الأربعة التي تم أنشاؤها أو المتوقع انشاؤها في الأيام المقبلة وهي: إدارة جوبا في كسمايو وإدارة جنوب غرب الصومال ، وإدارة المناطق الوسطي وإدارة هيران وشبيلي الوسطى المتوقع إنشاؤها قريبا.

 وهذا الصراع العشائري الذي باتت هذا الأيام ملامحه تتضح للعيان لا شك انه سينعكس سلبا على التوافق السياسي الهش الموجود حاليا الذي فرضته ظروف الحرب على الإرهاب ما يحتم على الحكومة ورعاة العملية السياسية في الصومال اعادة النظر في استراتيجيتها تجاه المصالحة الوطنية ولمواجهة خطر الإرهاب، وطريقة تعاملها مع اللاعبيين السياسين في البلاد. ووفقا للتطورات الجديدة في الساحة يمكن ان يعود البلاد الي عهد الحرب الأهلية أو على ألأقل الي ماقبل ظهور المحاكم الاسلامية، وهذه التطورات تستوجب توقي الحذر من الوقوع في المستنقع الآسن الذي وقع البلاد فيه بعد اطاحة نظام سياد بري عام 1991م،  واستخدام أسلوب جديد للمصالحة يختلف عن الاساليب السابقة التي في اعتقادي لن تجدي نفعا ولن تأتي في الوقت الراهن بنتائج ايجابية، بل تعقد الأمور وتعيد البلاد الي المربع الأول وخصوصا في ظل وجود زعماء سياسيين يشمرون السواعد لأستعادة دورهم المفقود من خلال اطلاق حملة جديدة ضد نظام الدولة، وهؤلاء الزعماء لا شك سيجدون البيئة المناسبة وسندا قويا من قيادات عشائرية تضع بدورها كل ثقلها كي تحل محل حركة الشباب التي بدات تنهزم أمام تقدم قوات بعثة الاتحاد الأفريقي.

وفي هذا الاطار يقع على عاتق الحكومة الصومالية مسؤولية كبيرة تجاه منع البلاد من الوقوع في اتون الإقتال الداخلي من جديد والحيلولة دون العودة الي الحقبة الماضية وبأسوء تجلياتها المتمثلة، ظهور مشاكل سياسية وحرب أهلية تمس هذه المرة في عمق التكوين السياسي والقبلي في البلاد، وتؤدي الي حرب أهلية بصورة أعنف من ذي قبل،ومن أجل منع هذا السناريو الوحش ينبغي للحكومة الصومالية أن تتحمل مسؤوليتها تجاه البلاد و ان تتبني استراتيجة جديدة للمصالحة وفق رؤية وعقلية جديدة تتواكب مع تطلعات المواطن الصومالي البسيط الذي تتصدر أولوياته الحصول على الاستقرار والعيش بأمن وسلام، وهذه الرؤية الجديدة يجب أن تتركز على النقاط الثلاثة الآتية:

١- بناء مؤسسات الدولة بشكل وطني ومهني بعيدا عن التأثيرات القبلية والانصياع لضغوط الزعماء السياسين في البرلمان خوفا من اسقاط الرئيس أوالحكومة وبعيدا عن الإملاءات الحزبية والقوى الخارجية، لأن الإنصياع لتلك الضغوط التي نعرفها انها قوية ومؤثرة وخصوصا فيما يتعلق بإعادة بناء المؤسسات الوطنية لا تخدم للمصالح العليا للوطن، بل تشكل واقعا مريرا، ودولة ضعيفة تتحكمها إرادات زعماء وشيوخ العشائر الذين اقسموا بالله جهد ايمانهم على الحفاظ على النظام القبلي واستقلال قرار القبيلة وسلامة أراضيها ورعاية مصالحها رعاية كاملة، وبالتالي من الصعوبة بمكان وسط هذا الواقع المشابه لما كان الحال في التسعينات من القرن الماضي،  ان تقود الحكومة، الجهة الشرعية والممثل الوحيد للشعب مبادرات مصالحة وطنية شاملة تعيد اللحمة الوطنية وتؤكد وحدة وسيادة البلاد التي تضررت بشكل كبير خلال سنوات الحرب الأهلية، لأن الحكومة تكون مقيدة بقيود سياسية واخرى عشائرية فرضها الواقع الناتج عن علاقتها مع بعض العشائر المنتاحرة حيث تجعلها جزاء من المشكلة بدلا من ان تكون جزءا من الحل، ولذلك فإن الطريق الوحيد،  لتكون الحكومة وسيطا نزيها هو ان تتصرف كجهة محايدة، تمثل جميع أطراف النزاع في البلاد، وان تقف على مسافة من الجميع.

٢- ضخ دماء جديدة  وعقول متعلمة في مؤسسات الدولة تعطي ولائها للدولة وليس للقبيلة أو التوجهات الفكرية، وتعيينهم لمناصب تنفيذية في المؤسسات الحساسة، كالجيش والشرطة والقضاء والمالية ، لأن  تلك العقول من  شأنها أن تمثل النواة القوية التي لا تنال منها عواصف المتغيرات الاقليمية، والأراجيف السياسية الداخلية وستظل الحصن الحصين للدولة والا فان الجهود المبذولة في السنوات الماضية ستضيع هدرا، ويكون الباب مفتوحا لإحتمالات لا يحمد عقباها،  لأنه حتى الآن لا تتوفر لدي النظام السياسي القائم في بلادنا مقومات الصمود والتحدي أمام التطورات المتلاحقة الناتجة من التغيرات الجيوسياسية في البلاد في خضم الحرب ضد الإرهاب واتساع رقعة المناطق التي يم تحريرها من قبضة حركة الشباب. 

وهنا ينبغي ان نتسائل كيف يمكن أن يصمد نظام سياسي يعارض بعضه بعضا أمام التحديات السياسية والأمنية في ظل الاستعدادات الجارية للاستحقاق الانتخابي في عام ٢٠١٦؟

٣-  اطلاق النظام التعددية الحزيية وفتح الباب واسعا لإنشاء الأحزاب السياسية علها تساهم في تخفيق الاحتقان السياسي الموجود في البلاد الذي يبلغ هذه الأيام ذروته، ولعب دور كبير في نبذ العنف الديني وتخفيف حدة التوتر بين العشائر مما يفتخ للبلاد آفاقا سياسية رحبة تسودها التنافس السياسي الشريف واكتساب أصوات الناخبين من خلال البرامج السياسية والانجازات على الأرض وليس عبر العنف والاقصاء والتهميش، كما أن انشاء الاحزاب السياسية ستقوي دور مؤسسات المجتمع في قيادة البلاد  في المرحلة المقبلة.

فان تحققت هذه  الرؤية المبنية على العناصر الثلاثة السالفة الذكر، لن تكون هناك مشاكل كبيرة أمام تحقيق مصالحة وطنية شاملة قادرة على زالة مخلفات ورواسب الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من ٢٤ عاما وعلى تحقيق التعايش السلمي بين المجتمع الصومالي على أساس الاعتراف والاحترام المتبادل وحفظ الحقوق الإنسانية والوطنية، ونشر ثقافة السلام والمحبة. وهذا التعايش أمر سهل تحقيقة في هذه المرحلة اذا صدقت النوايا ووجدت الرغبة المشتعلة بسبب توفر عوامل ايجابية تساعد على الوصول الي هذا الهدف، وأبرز تلك العوامل، وجود القوات الأفريقية لحفظ السلام على الأرض وتوليها مسؤولية مواجهة كل من تسول له نفسه عرقلة جهود اعادة بناء ومؤسسات الدولة ومواجهة مساعي الحكومية في انهاء الصراع وبناء السلام والتنمية ، وانشغال القوى الأقليمية وخاصة إيثوبيا وكينيا في محاربة الشاب، ومعالجة ارتدات ذلك على بلدانهم بالإضافة الي المساندة القوية من الشعب للحكومة ورغبته الجامحة بالالتفاف حول الوطن والجمهورية والقيادة السياسية.

 

 المبحث الرابع: الشروط المطلوبة لانجاح المصالحة الوطنية 

من خلال متابعتنا لما يجرى في المشهد السياسي في الصومال اتضح لنا ان كل الخطوات الجارية لحل المشاكل لا ترقى الي المستوى المطلوب ولا تتعدى كونها  عودة الي  الوراء وتجريب المجرب  الذي اثبت فشله خلال السنوات الماضية، فجلب زعماء العشائرمن المناطق الصومالية المختلفة وتوجيه الدعوة لشخصيات في المهجر وجمعهم في الفنادق واصدار بيانات واقتراحيات لا تجد طريقها الي التنفيذ كاف في تهدأة الوضع في المدى المنظور، لكنه لا يمثل علاجا ناجعا في المدى البعيد، ولذلك ينبغي ان تكون المصالحة، مختلفة عن سابقاتها وفق أطر وقواعد واضحة تأخذ بعين الإعتبار المقترحات الآتية:

1-  اتخاذ وسائل وقائية لمنع تجدد وحدوث أي صراعات في مستقبل وذلك عن طريق طرح افكار ورؤى ايجابية تؤكد على الأخوة الإنسانية أو الدينية أو الوطنية والحرية السياسية، ونشر ثقافة السلام وتغليب أفكار اللاعنف، واللجوء دائما الى التفاوض والالتزام بالعهود والمواثيق والمعاهدات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقنين الاختلاف والتنوع في شكل وثيقة مدنية تتضمن احترام الأطراف كافة.

2- كشف الحقائق والعدالة الانتقالية .  لا بد من كشف  ما حدث في السنوات الماضية وتشكيل المحاكم الخاصة المعنية بالخلافات المتعلقة بالعقارات والأراضى السكنية والزراعية وهذه من أكبر المشاكل العالقة التي تحول دون عودة الثقة بين الصومالين.  وليس هذه الخطوة بهدف تأجيج الأزمة، بل لحل المشكلة بشكل جذري ورد المظالم الي أهلها ودفع التعويض للضحايا تحقيقا للعدالة ومنعا من تكرار المأساة وافلات مجرمي الحرب والمنتهكين لحقوق الإنسان من العقاب أو المسائلة، وعدم عودتهم للعنف وارتكاب تجاوزات كما في السابق، كما أن كشف الحقائق وانجاز العدالة الانتقالية ، تعطي دفعة قوية لإدارة المرحلة الانتقالية، وتزيد من فرص انشاء نظام ديمقراطي تعددي مستقر بعيدا عن المحاصصة القبيلية.

3- أن تكون مشاركة المصالحة شاملة لا تستثني أحدا من الفصائل الصومالية والعشائر  المتحاربة، فلا يتم استبعاد أي طرف مهما كان توجهُه، ومهما كانت حجم مشاركته ونوعيتها في الحرب الأهلية؛ إذ إنّ غياب أحد هذه الأطراف كفيل بإيجاد حالة جديدة من الاستقطاب بعد تحقيق المصالحة.

4-  اطلاق مشروع للتنمية وخلق فرص عمل والتعليم للشباب حتى لا يكونوا وقودا للفتن والحروب وعدم التركز فقط على الجوانب السياسية وتقاسم السلطة لأن ذلك ودن ان تحل مشكلة الجهل والبطالة ليس الا حلا مؤقتا والمشكلة ستبقى قائمة تحت الرماد وقابلة للإشتعالة في أية لحظة. فكل المؤتمرات المصالحة التي عقدت للصوماليين كان الاهتمام منصبا في ايجاد اتفاق حول تقاسم السلطة بين القبائل المتناحرة وبناء شكل من اشكال الدولة دون مراعاة الجوانب التنمية البشرية والاقتصادية وصارت النتيجة مزيدا من الخلافات والصراعات.

5-  ابعاد القوى الاقليمية من مشهد المصالحة أو على الأقل تقليل دورها وتأثيرها فيها بهدف الحد في تدخلاتها السلبية للتأثير على مجريات المصالحة.

6- الاتفاق على ميثاق شرف يحيد المؤسسات الأمنية عن الصراعات القبلية ومنع اي زعيم له علاقة بالسياسة تولي مناصب عليا في مؤسسات الجيش والشرطة والمخابرات. 

7- الاتفاق على ميثاق شرف يحدد كيفة نزع السلاح ويعطى الضمان لحاملي السلاح وعدم ملاحقتهم  مستقبلا  في قضايا تتعلق بالحرب الأهلية . 

8- وضع ميثاق شرف بين العشائر القاطنة في منطقة واحدة يضع شكل العلاقة وتقسيم السلطة والثروة فيما بينهم.

9- ايجاد اتفاق اطاري على طرق حل مشكلات النازحين والمهجرين . وهذه المشكلة تعد قنبلة موقوتة في وجه الدولة قابلة للانفجار وانها أيضا من ضمن الأمور التي تأجج الصراع بين الصوماليين.

 المبحث الخامس: أركان المصالحة الوطنية المطلوبة:

من اجل تأكيد التلاحم بين ابناء الشعب الصومالي وترسيخ قواعد الوحدة الوطنية وإشاعة أجواء المحبة والانسجام بين مكوناته المختلفة ولمعالجة الآثار التي تركتها الحروب الأهلية، وتعميم روح المواطنة المخلصة للصومال التي يتساوى عندها كل الصوماليين في حقوقهم وواجباتهم ولا تمييز بينهم على أساس من العرقية والمذهبية ، من اجل بناء جبهة وطنية واسعة لمواجهة التحديات واستحقاقات عملية بناء الصومال ورفاهية شعبه واستعادة كامل أرادته وسيادته، ومن اجل ان تستعيد البلاد موقعها الرائد إقليميا وعربيا وإفريقيا بل وعالميا، ومن اجل هذا كله فإننا نقدم رؤيتنا عن المصالحة والحوار الوطني التي تقوم على ركنين أساسيين :-

 -1  الآلية المعتمدة .

 -2 المبادئ والسياسات المطلوبة . 

أولا: الآليات

أ‌- تشكيل مجلس للمصالحة والمصارحة، يتولى البت في القضايا محل النزاع بين العشائر والأمور المتعلقة بتبعات الحرب الأهلية ، وكما يتولى هذا المجلس بالاشراف على تنفيذ  ما تم الاتفاق عليه  والعمل من اجل حل القضايا التي قد تظهر لاحقا.

ب‌- تشكيل لجان فرعية في المحافظات من قبل الهيئة الوطنية العليا تتولى مهام الهيئة لتوسيع المصالحة افقياً.

ت‌- تشكيل لجان ميدانية لوضع تصورات ثقافية وإعلامية ومتابعة سير عملية المصالحة وتقييم مراحلها وتسليط الضوء عليها .

ث‌- عقد مؤتمرات لمختلف شرائح المجتمع مثل :

 -1مؤتمر لعلماء الدين لدعم عملية المصالحة وإصدار الفتاوى الداعمة لها على اعتبارها اعتصام بحبل الله .

 -2مؤتمر لشيوخ وسلاطين العشائر يصدر عنه ميثاق شرف لمواجهة حالة التناحر القبلي  ودحر التطرف.

 -3مؤتمر للقوى السياسية الفاعلة في الساحة تتعهد بدعم الدولة وحماية العملية السياسية ومواجهة التحديات، واعلان ميثاق وطني بذلك.

 -4 دعوة مؤسسات المجتمع المدني كافة للقيام بنشاطات ومؤتمرات وحملات توعية وتثقيف لتحقيق أهداف مشروع المصالحة والحوار الوطني . 

ثانياً : المبادئ والسياسات المطلوبة

بما أن المصالحة المنشودة في معناها ومضمونها إذ تتعلق بالمستقبل أكثر مما تتعلق بالماضى، بمعنى وضع الأساس المتين لإعادة اللحمة الوطنية وتمتين أساس المواطنة، سنقوم هنا بالوقوف على بعض المبادى الأساسية التي نرى بأنها كفيلة بأن تؤسس لثقافة ما بعد الأزمة وتخرج البلاد من دوامة الفعل الهامشي السطحي إلى الفعل الحضاري والتاريخي الفعال، ومن المبادى الأساسية المطلوبة:-

  1.  اعتماد خطاب سياسي وعقلاني من الحكومة لإعادة وتعميق روح الثقة وطمأنة الأطراف المترددة وحيادية الإعلام . 
  2.  اعتماد الحوار الوطني الصادق في التعامل مع كل الرؤى والمواقف السياسية المخالفة لرؤى ومواقف الحكومة . 
  3.  إصدار عفو عن المعتقلين المتهمين لإنتمائهم بحركة الشباب والذين لم يتورطوا في جرائم وأعمال إغتيال وجرائم ضد الإنسانية وتشكيل اللجان اللازمة لإطلاق سراح الأبرياء بالسرعة الممكنة، ويتعهد الراغب بالحصول على فرصة العفو ان شجب العنف ويتعهد بدعم الحكومة المركزية.
  4.  إزالة المعوقات التي تحول دون مشاركة أي مواطن صومالي يرغب العمل وفق الدستور لبناء البلاد ولم يرتكب جريمة.

 

 

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن وحدة البحوث والدرسات

وحدة البحوث والدرسات

اترك رد