أخبارمقالات

الــــحلــــــم الــــضـــائــع 2

تكسرت أجنحة الأمل

الوطن يلتهب من أقصاه إلي أقصاه، والفقراء يزدادون أفقيا وبهندسة سريعة، وأيام سوداء حزينة يمرها الشعب جعلت الحياة سيمفونية صراع متواصلة لا يبدو في أفقها بارقة الأمل ولا تباريح الحياة السعيدة، لا أحد يستطيع أن يعيش حياة آمنة في ظل دولة صومالية قوية مهيبة الجانب توفر أساسيات الحياة لشعبها، فقدت الأمة بوصلة الحياة والتعايش السلمي والإحتواء العقلاني للأزمات، سادت الأنانية ومبدأ إلغاء الآخر والإستئثار التام للثروة والسلطة والحكم، قاد الجنون إلي إلغاء الشريك الذي أدى بدوره إلي إنهيار كامل للدولة ومؤسساتها، ونهب كبير للحضارة وحتي للتاريخ والجغرافيا.

إنفجارات مدوية ولهب حارق يرسل لسانه إلي السماء ودخان كثيف يتصاعد، وأجسام ممزقة ونفوس مضطربة وأعضاء مبتورة مرتجفة وأشلاء متناثرة، وأصوات هادرة للرصاص و زخات متواصلة للمدافع المرعبة، وأزيز الرشاشات الذي لا ينقطع في كل البلاد.

في الأخبار لايوجد غير الألم ومستقبل قاتم ونشرات تصب الزيت في اللهب الصومالي!..قتلي وجرحي، أنين وصرخات، إغتصاب وسرقات، وبؤر صراع ساخنة تتولد هندسيا في كل يوم بل في كل لحظة في طول البلاد وعرضه،سحائب من الحزن ورواسب من الأسى خيم علي الأجواء،هكذا كانت حالة الصومال بعد تخرج ورسمي واحدة من الجامعات الوطنية المرموقة محليا بعد دراسة دامت نصف عقد من الجهد والمثابرة.

 كان ورسمي يطيل التفكير ويقرأ تفاصيل الوطن التي أصبحت أسطرا مقرؤا في خياله الواسع قبل عينيه المجهدتين، وحالة الوطن واللون الشاحب للحياة والتيه الذي أصاب أمته يشكل كتبا مفتوحة يستقي منها أن الوطن يسير بطريق مجهول وبوتيرة متسارعة جنونية كسرعة الضوء في الفضاء، وفي ظل وطن تنعدم فيه أساسيات الحياة وشعاره النهب وإبراز العضلات علي المكلومين تبدو حياة البسطاء والغلابة معادلة صفرية مع البقاء والتغلب علي أشباح الأسعار الفلكية.

قذفته الدنيا في الميدان العملي الشاق بعد الميادين النظرية التي تحتاج إلي صرير القلم ومداده، وحفيف الأوراق وعبقها العتيق والمذاكرة القوية والتصورات الرومانسية للحياة ما بعد التخرج، وكان يبني اسرته الصغيرة في باله، ولم يكن تيصور يوما أن حياته ستنتهي وهو يقبض الحلم الذي كان يبرق أمامه بإستمرار.

ببرآة الشباب وبحيوية المتخرج حديثا كانت أفكاره وتصوراته تأتي من الخيال المتكأ علي المنطق العلمي البعيد عن الواقعية، والمعادلة المبنية في وهم الشهادات وسراب الكفآءة، ولم يكن يدري أنه يعيش في وطن منهجه القطع والتفتيت، وأمة تبدد الأمل بحرفية كبيرة، وأن ميادين العمل والإنخراط إلي سوق العمل تحتاج إلي أشياء أخرى غير الشهادات الجامعية مثل القرابة والمحسوبية والوساطة والرشوة والفساد والجهوية، وأن الشهادات العليا والخبرات المتراكمة في شخصيته لاتسعفه هنا.

وفي غضون سنوات قليلة إكتشف أن الدنيا قلبت له ظهر المجن، وتحولت حياته إلي درب من الأغنيات الحزينة، والحياة التي كانت تنتظره أصبحت رابية من الحرمان تشرف علي سهول من المعاناة،! كل الأبواب التي ولجها من أجل تحقيق الحلم لقي منها إما إبتسامة خبيثة، أوبرودة قاتلة، أو ضحكة رمادية مائعة، أومزيجا من الدعابة والسخرية، ورغم ذالك لم يحبط ولم يستسلم، بل ضاعف جهده وبحث عن عمل شريف، وهو يعتقد أنه سيحقق الحلم الذي أقام في القلب مهما طال ليل السكون وتماد السواد الذي أحجب الأفق بوشاحه الهلامي.

وعندما يحاول اليأس التسلل إلي قلبه يقنع نفسه أنه مهندس وقريبا ستفتح الدنيا له أبوابها، وأن المعاناة ماهي إلا سحابة صيف عن قريب ستنقشع، طالت المدة وتكسرت أجنحة الأمل وزاد الإحباط وحمل كل يوم من حياته تفاصيل أشد مرارة من الماضي ومعرفة أعمق لسلوك الشعب المتدهور.

 لم يجد عملا في وطن رمال السياسة المتحركة أثرت توازنه وحولته إلي سجن كبير ومنفى، صدمته الحقيقة والمأساة المتراكمة، وبدأ يدرس كل الإحتمالات في حين بدأت الأفكار الجنونية تتصارع إلي عقله بطريقة غير تقليدية، كافح من أجل طرد الأفكار التي تقوده إلي المتاهات المحيرة التي تضعها الحياة أمامنا، وإلي الغربة القاتلة الملئية بالشوق والشجن، ومن أجل التغلب علي هذا الأفكار ولكي لا يقع في حبائلها كان يغدو كل يوم إلي المدينة وإلي مقرات الشركات الخاصة والعامة، وأمام الوزارات التي ينتمي جل موظفوها إلي كيان الوزير أو قبيلته، وكان يقف في كل زاوية يقرأ جميع الملصقات والإعلانات لعله يجد عملا يحفظ له ماء وجهه، ولكن أنيّ يجد وهو ينتمي إلي الهامش والطبقات الكادحة في وطن لا يقدر سوى القبلية والإنتماء الأيديولوجي.

حاول سلك كل الطرق الممكنة التي تقوده إلي العمل وتحقيق أحلامه ولكن صدت الأبواب علي وجهه، وفي مساء يوم بارد أسند ظهره إلي الجدار فتملكه شعور بالعتاب من نفسه ومن المجتمع، لماذا لم أجد عملا يناسبني؟ لماذا لايقدر الشعب قدراتي العلمية وشهاداتي الدراسية؟، ولماذا لا أفكر تغير العقلية المتحجرة المتشبثة في الوطن؟ ولماذا لا أدرس خيار الهجرة إلي الخارج؟ ولماذا أخاف من المستقبل ومن كابوس الغربة.؟

تنهد وهو يقلب صفحات الحياة علي مهل وانظلقت من عيونه نظرة تأمل في اللا شئ،! نظر تجاعيد أمه أو بالأحرى تجاعيد الزمان علي جبينها الذي أجهده المرض وأنهكه التعب، تجاعيدها تعني له ألف حكاية وحكاية، ورقة عظامها والشيخوخة التي هاجمتها مبكرا تذكّره بكفاحها من أجل هذا اليوم ومن أجل المستقبل الذي ينتظر ولدها، تُرى ماذا تقول إذا استيقظت علي فجيعة الحقيقة؟ لطالما أنحنيت رأسي أمامها حبا وتقديرا.

نظر متحملقا إلي جبين أخته الغارقة في عرقها ومصارعتها مع الوجبة الغذائية وتجهيزها للأسرة بإخلاص الأخت وحبها اللاحدودي، هو نبض حياتها وحبها الوحيد في الكون،حاول الهروب من الواقع القاتم إلي سحيق الذكريات وزرائبها ولكنها كانت أشد وأوجع، تذكّر والده الذي فارق الحياة قبل عقد ونصف من الزمن  قبل أن يكوّن لهم ثروة أو يترك لهم كنزا سوى نسب شريف متصل وطيبة يتذكره الجيران في المواسم وعند الأحداث.

 همس في أذن الزمن وراوده خيال جامح لإيجاد قطار الزمن السريع ولكن بإتجاه المعاكس، لم يجد قطارا متجها إلي الماضي ولم تسعفه المعجزات لأن زمن المعجزات إنتهى،! خانته الذاكرة وغابت الملامح وراء ضباب السنوات وخلف الدموع التي ملأت مقلتيه في هذا المساء المشحون بالحزن والألم، قطع عن التفكير وعرف أنه يمر وقتا صعبا وظروفا مخيفة تتطلب شجاعة نادرة وتفكيرا عميقا.

نام ليلته ولكن لم يتنعم بلذة الكرى إذ الأعمار الضائعة بين أحضان العطالة والوطن الذي لا يرسم علي الجباه رسمة الحب، والليل الإفريقي الخانق والضباب اللطيف الذي يتدثر علي ظلام المدينة الدامس حرك كوامن سمتر، وأدخله في صمت كبير وفي حزن لاضفاف له.

وفي الصباح حاول إصلاح ماكينات الأحلام التي تعطلت فوق ربى الواقع الأليم فلم يستطع، فقادته رنة التوجع إلي العزيمة القوية للهجرة، وحثه الوضع علي تغيير الواقع وظهور شجاعة مبهرة في القرار، والتحمل بالنتائج ولو قادته المغامرة إلي مواجهة الموت في وسط عتمة البحار أو الصحراء المقفر أو الحدود التي لا يستطع المرأ مقاومتها ومجابهة اضرارها.وفي محاولة أخيرة وإسكاتا لصوت الضمير الذي يصدح في قرارة نفسه طاف كعادته جميع الشركات العامة والخاصة واشترى الجرائد النادرة التي تصدر في مدينته ولكن بدون جدوى، قصد ناحية البحر لتخفيف الهموم وسراب الإحباط الذي أحاط به كإحاطة السوار بالمعصم، وجلس أمام المحيط الهادر والأمواج التي ترتعد بقوة يتحدث مع زميله ليبان عن مرارة الخيبات والأجفان التي لا تكتحل بالنعاس بسبب التفكير الدائم وطرق أبوب الأفكار التي تراوده بين فينة وأخرى.

حاول زميله تخفيف حدة الإحباط ووطأة الخنق بأن الغد أفضل لا محالة، وليل الظلم لا يدوم وتباشير الصباح قد لاحت في الأفق، ولكن ورسمي لم يقنعه كلمات ليبان بل عض شفتيه بعدوانية وراقب الأمواج الهائجة بإمعان يستحضر المستقبل والمحيطات التي يجتازها لتحقيق أحلامه.

نظر إلي وجه صديقه ليبان فأطلق زفرات شجيه إلي عنان السماء ثم قال : الثقة عندما تنهار لا تعود أبدا، والإنسانية المعذبة في بلدانها التي تعتصرها الألم كآلات موسيقية تتكلم وتتقاذفها أمواج الغربة الموحشة في داخل الوطن والشعور القوي للظلم أشد وانكي من رحلة مجهولة العواقب ومحفوفة بالأخطار المحدقة مع الحيوانات الهلامية والقواقع وقرش البحر، ومواجهة المنية في وسط عاصفة بحرية وزوابع رعدية قاتمة كخرائط للأنين.

الهجرة إلي ما وراء البحار

رجع إلى البيت مهموما وقد عقد العزم على الهجرة إلى ما وراء البحار، وحيث يعيش المرأ مرتاح البال صافي الذهن ويجد عملا يحفظ له ماء وجهه، أو هكذا إعتقد في ساعة غضب وحنق وفي داخل وطن ملتهب، وسمع من أترابه الذين رحلوا بعيدا إلى هناك وفي بلاد الضباب أنهم نسوا عن الغيوم السوداء والحزن الذي أرخى ظلاله الكريهة على الوطن، وقبل أن يصل إلى البيت وفي حين تتزاحم الأفكار على رأسه المنهك الذي تتقاذفه الآراء هتف هاتف من أعماق قلبه: من لأمك التي منحتك معاني الحب والحياة؟ ومن لأختك التي لا تنام ولا تهدأ لها بال إلا بوجودك؟ وكيف يكون حال جدتك التي تجد المتعة والراحة بوجودك والدفء والراحة بكلامك؟.

 الهجرة عبر المحيطات يكتنفها الغموض وقد لا ينجوا المرأ من لدغة الموت، يا ورسمي لا تكن كالفراشة التي اقتربت من النار فاحترقت وهي في مقتبل عمرها، فأجاب كثيرا من الأنين، وأن الوقت لو أسعفه ووجد عملا شريفا لما حاول الهجرة من بلدي إلى المجهول وفي أعماق المتاهات وحفيف الغربة الرطبة كالشتاء، ولكن أردف وبصوت أخنقه العبرات وبحنجرة مبحوحة هذه أمنيات شاب لن تجد حظها في الواقع الإليم الذي يطرد الشرفاء ويعيش في ثوبه المطاطي فاسدون يرتعون عرق جبين العراة والبسطاء الكادحين.

 في جناح العتمة والظلام الدامس وصل إلى البيت منهمكا بالطريقة الأمثل الذي بإمكانه أن يخرج من المدينة الثقيلة بتراكماتها الحياتيىة وتحدياتها المعيشيىة، دخل في غرفته فسمع حديث النسوان في بهو البيت وصوت جدته التي  نسخت التجاعيد حلقات متقاطعة ومتوازية على وجهها، وكل حلقة شاهد عيان لأيام ساطعة ذرفت الدموع من أجلها، ومآسي عظام وتقلبات كثيرة في دنيا الوطن.

 كانت الجدة تتحدث وبنبرة حادة فيها كثير من الحزن المتدثر بالتذمر عن الشباب والهجرات الجماعية إلى الشرق والغرب الذي  يظنها الشباب أنها توفر لهم كل شئ، وفي جلسة نسوية بإمتياز عنوانها خوض التفاصيل والثرثرة النسوية التقليدية والصخب الأنثوي كانت الجدة مهمومة النزيف الحاد الذي أصاب الوطن، وعن الناشئة الذين يهربون من سياج الوطن ومن أنياب البطالة إلي عالم الفرص والعمل:  (لاشئ يردعهم عن هدفهم الضبابي وطموحهم الردئي، ولا يستمعون إلّا ما يملي لهم عقلهم المريض وتصوراتهم الخاطئة للواقع والحياة،وهم غارقون في صدى هلوساتهم الكاذبة وأحلامهم المنسوخة على ورقة الكربون، ومناجاة طيف حياة الرغد والكرامة في هدأت الأسحار).

 كان يرى حديث الجدات الطاعنات ضربا من الخبل والبساطة القروية والفضول القاتل الذي يخوض في كل المواضيع بدراية وبدون دراية، يتكلمون عن الوطن والوطنية وملؤا في أذننا ذكريات أيقوتية لأيام مضت وسنوات رحلت عاشوها، وقالو لنا وبفخر شديد وشماخة بارزة، كانت أياما متألقات وحياة ساطعة تنضح بالعزة والكرامة.

 لم ندرك هذا الجمال والعصر الذهبي للوطن وهذه الوطنية والعدل والمساواة الأسطوريتين، بل كان قدرنا أن نرى النور والعملاق منهك والوطن جريح، وأن نعيش تحت القصف والقتل والدموع والدمار والدماء، راجمات وصواريخ، بكاء وأنين وحروب وصراعات، قتل جماعي وتشريد، الوطن مقسم والكرامة مهدرة والتأريخ تنزف والجغرافيا مشوه وعاد الإستعمار من جديد وبثوب قشيب وتصورات جديدة.

 ركب خيول التفكير الجامحة ووصل إلى الطريق المسدود وحاول مواجهة موجة إليأس والإحباط، ولكن لم يستطع فتنهد فقال: لا فجر جديد سيشرق ولا مستقبل براق سينتظرنا، بل الأمور مرشحة للتفاقم والتعقيد بعدما دخلت الأطرف المعلومة التي تصب الزيت في اللهب الوطن بغية الا تهدأمعضلته إلي الأبد

الوطن مستباح وخيراته الكثيرة تتعرض للنهب والسرقة والإبتزاز وبأرقام فلكية لا يعلمها إلا الله، وضاع الشعب بين غباء الأقارب الذين تفننو في الخداع والتضليل وعدوانية البعيد الهمجي الذي لا يرى في الصومال سوى مزبلة لنفاياته السامة يسكنها شعب لا يقدر الوطن ولا يحترم الوطنية.

 حديث النسوان معظمه أحاديث عاطفية وإنتقادات مشفوعة بحجج واهية، لذا كان يرفض أن تقترب المتاجرة بالعواطف ـ حسب رأيه ـ إلى أحلامه لكي لا يتأثر، وكانت الرحلة تبدو في عينه ألغازا غامضة ومثيرة بقدر ماهي طوفانا من الأحزان تحمل في طياتها  تباريحا من الأمل تمهد مستقبلا مشرقا.

 إبتسم بعذوبة صامتة وهو يتسنم رائحة المحيط الزكية على نافذة قلبه المفتوح إلى البحر وأمواجها، والليل ونجومه، والسفينة الشراعية والطريق المنتظر وهدير المحرك، وكان يتقلب فوق سريره كالملدوغ، نام ليلته وهو يتحرك كرسوم بالية تحركها الزوابع والعواصف، و لم يجد نوما عميقا بل كان شبح الحزن والفراق يطرده عبر أزقات النوم ودروبها الطويلة، ويمزقه الألم وتأنيب الضمير، وصدى الهرب من ساعة الوداع ولحظات الفراق المؤثرة ترن في طبلة أذنه.

 

حسن محمود قرني

حسن محمود قُرنَي كاتب ومدون صومالي خريج جامعة أفريقيا العالمية كلية العلوم قسم جيولوجيا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات