أخبارمقالاتملفات

الحلم الضائع وتكسرت أجنحة الأمل(1)

تشكّل الهجرات الجماعية لفئة الشباب إلي أوروبا وبلاد الضباب عبر رحلة الموت التي تمتد آلاف الأميال من بلادنا المنكوبة إلي الصحاري والسجون، أو إلي الموت وسكونه، أو إلي الساحل الأوروبي ومخيّمات اللاجئين وأيام الغربة المتشابهة، نزيفا حادا لجسم الأمة يهدد الكيان القومي وبراعم الوطن، حيث تستهدف الرحلات الملئية بالمخاطر إلي نحو المجهول أو إلي عرين الردى والهجرات الغير القانونية مستقبل الأمة وسواعد الشعب الذين يلاقون حتفهم علي متن قارب صغير تغمره الأمواج في المحيطات، أو في وسط متاهات الصحراء وكثبان البوادي والوديان، أو في أيدي السفاحين وقطّاع الطرق، أو عند السياج المكهرب المحيط للمدن الحدودية التي تسكن فيها المعاناة والإستعباد كإحاطة السور بالمعصم، وتنتهي حياتهم ويتواري أملهم وتضيع أحلامهم وراء شبح الموت وأنياب المنية.

يهربون من رماد المدن ومعاناة العيش في بلدانهم، ويمضي بهم زورق الحياة إلي شاطئ الموت، أو ترسو سفينتهم علي موانئ المتاعب، وتنتهي رحلتهم إما إلي الساحل الجنوبي للقارة العحوز بعد رحلة الضيق والضنى وسفر الموت، حيث لا يوجد فيه سوى الألم وإزهاق الأرواح والسجون التي تعف الوحوش مايجري في داخلها من التعذيب والإضطهادات والتنكيل والإعتداءت الجسدية والنفسية، أو في أحضان المنية وغذاء شهيا للقواقع البحرية والأسماك التي تنهش الجسد وتلتهم الأعضاء وتمص الدماء.

وعندما يحدث ما كنا نخشاه ونخاف من وقوعه ونفقد أحبة كانو منارات لحياتنا ومشعلا لوجودنا وأصبحوا أرقاما جديدة يضاف إلي قوافل الموتى وجثث المجهولين رغم أن حبهم سكن في حدقاتنا وصارعنا الأخطار لإسعادهم تبدؤ السماء كئيبة وتشبه الحياة شريطا للبؤس والشقاء.

البكاء تحت قبّة الليل الكئيب

وسط حشود مذهل من المعزين إشتدّ البكاء وتصاعد الأنين الممزوج بالألم والحسرة في البيت المجاور، وأرخي الحزن ظلامه وغيومه السوداء علي الأسرة التي أصبح بيتهم كهفا يسكنه الأشباح بعدما قادت المنيّة فلذة كبدهم بعيدا نحو الكهوف المخيفة والكثبان الرملية المترامية وفي داخل الصحراء العتمور وغياهيب المحيطات والأمواج الهادرة، واغتال الموت أملهم في وسط البحار وهو يهرب من الصرخات اللاهبة للضمير والحياة التي أصبحت مملة خافضة النبضات بعد الحروب العبثية والليالي الكريهة التي تحمل الألم  وبحار عميقة من المشاكل ورجفات الخوف التي لا تنتهي.

نسمات الصبا تهب من المحيط نحو البيوت العتيقة والأحياء الشعبية في الطرف الشرقي للمدينة، والأنوار خافتة سوى ضوء القمر الباهت الذي يطل وراء الغيمة كإطلالة حورية في خدرها، وقناديل معلقة في سقف البيت تشع عنها نورا قميئا في الهزيع الأول من الليل، وفي داخل البيت الذي تبدو أصداء السنين واضحة علي جبينه الحياة تعزف لحنا بلا وتر، وسيمفونية النحيب تتصاعد كالأنين، ويقطر القلب دما قانيا مع قطرات الدموع المنهمرة التي تزداد مع مسيرة الزمن بهستيريا غريبة ودراماتيكية عجيبة.

إجتمع الناس حول البيت يتسآءلون سبب البكاء في هذا الليل البهيم الذي أسدل الظلام خيوطه علي الكون، بعضهم جاؤ لتأدية واجب العزاء لمعرفتهم المسبقة للحادثة المؤلمة وبعضهم قادهم الفضول وحب الإستطلاع إلي البيت المنكوب، حاول الجميع مؤاساة الأسرة ونسيانهم ألم الفجيعة المهوّلة والنكبة التي حلت عليهم، وفي وسط الذهول والنحيب تقدمت مُسنّة تتكؤ علي عصاها أو علي  أعوامها المديدة.

 كانت تسير ببطء شديد وتتهادى يمنة ويسرة مخافة الإنزلاق من الأرضية المبللة بالمطر وقطرات الدموع، قبلت الحضور بوجه مستدير وخصلات بيضاء تحمل أصداء السنين وتجارب الحياة، وذاكرة قوية وبريق عجيب يشع عن عينيها المغمورتين بحواجبها المرخية كالأسدال قائلة:

(هنا وفي الوطن الملتهب والمدن الشاحبة الغارقة في الظلام الدامس والظلم المبين، قوافل الفارين من قسوة الحياة وتقلبات السنين وجور الإنسان لا تنتهي أبدا، لأننا إخترنا أن نعيش أعداء متناجرين، في وطننا سياسيون فاسدون همهم ملء الجيوب ولو بدماء الشعب، ومواطنين دفنوا رؤسهم في التراب خوفا وضعفا، وطوابير من الجوعي تقف أمام المباني التابعة للهئيات الأممية والمنظمات الطوعية، وملايين من المشردين واللاجئين متكدسون في المخيمات والعراء يفرشون الأرض ويستظلون السماء.

الأمراض تلتهم الأجساد، والرصاص تمزق الأعضاء، والبحار تبتلع الأشخاص، والجوع تفرك البطون وتلهب الأحشاء، رغم اننا نملك ملايين الفدان الصالحة للزراعة ووطنا معطاء يجود بنا كل ما يوجد علي ظهره وفي باطنه من مواد الخام والمعادن والمياه، وبحار  ومحيطات يوجد فيها أجود انواع الأسماك وشؤاطئ نظيفة وسواحل خلّابة ورمال حريرية الملمس، وثروات إقتصادية كبيرة وموارد بشرية هائلة، وتقف مدننا بشموخ وكبرياء علي الساحل الجميل والغابات الكثيفة والطبيعة العذراء لشرق افريقيا الجميلة، ولكن لا نملك عقلية ندير بها الوطن، وتأنّي نستفيد منه عنفوان الطبيعة والسواحل الطويلة والأراضي الزراعية الشاسعة، نتضور جوعا فوق السهول الخصبة وقرب الحقول والالبرك الملئية بالنفط والغاز الطبيعي!، ونموت عطشا علي ضفاف الأنهار الجارية والمياه الجوفية التي لاتقدر ولاتحصى، وتغمرنا المياه ونموت فوق عرض البحر بحثا عن حياة أفضل وأمنا ركب علي كف عفريت وإحتراما يليق بإلإنسان لم نجده في بلدنا، وتتكسر أحلامنا علي الضفة الأخري للمحيطات وبلاد الضباب ورحلة المنافي، ونتلوي ألما ويزداد جرحنا عمقا يوما بعد يوم.

في بيوتنا العامرة بالمآسي والقصص العجيبة يافعون مهوسون بالهجرة إلي خارج الديار ولو في الدول المجاورة التي تهدر الكرامة وتلطخ صفحة الإنسانية المشرقة فوق تربتها وفي داخل زنزاناتها التي يفقد فيها المرأ كل مالديه حتي الأحلام والذكريات والماضي الفخيم لا يسلم من عنجهية الزبانية وسواد السجون، وفتيات كعمر الزهور يتلفعن ظلال الحيرة والجنون إلي السفر والهرب رغم المخاطر والمتاعب، وشيوخ همّهم الوحيد الفرار من أدران الجحيم إلي بر الأمان وشواطئ السعادة مهما كان الثمن، وأولاد في مقتبل العمر يتسللون عبر الحدود والأسلاك الشائكة المكهربة والصحاري العتمور والفيافي والمفاوز إلي أرض الحلم والحدائق الغناء وحيث يجد الإنسان أنس الحياة وعبقها الفواح.

أفلاذ أكبادنا يواجهون الموت بصدور مفتوحة وأجسام عارية لاتفوج هتنها سوى عرق الجبين، وعيون برئية إغتالت الحروب أحلامها في رحم الغيب وقبل أن ترى النور، وإبتسامة صفراء ماكرة في وسط البحار أو حافة الأدغال والأحراش المنتشرة فوق البسيطة، أوفي خضم الأمواج المتلاطمة بإصرار محير وبلادة مقصودة بقدر ماهي غريبة.

يهربون من سياج الحروب ومن بطش الأمراض وألم الفقر بأجسادهم النحيلة ونظراتهم الغارقة بالألم ، إلي بلاد الفرص والعمل والتحديات، ويضيع عمرهم بين حفيف الغربة المتدثر بأحلام هرمت وشاخت، وأوضاع مأساوية في الوطن نام الجميع فوق نارها وأكتوت الجمور بألسنة لهبه، ويموت الشباب تحت برق الطمع وبريق الجشع، وهم يقطعون الطرق الموحشة والدروب الممتدة التي يطول فيها العبور، ورفوف المشقة والأزقات الترابية والأرصفة المتقاطعة، ويشقّون عباب الماء نحو ما وراء البحار وإلي بلاد المهجر في موسم الهجرة إلي شتى الإتجهات الجغرافية، ينشدون الحياة علي أنياب المنية والحياة الكريمة في مخالب الموت!.)

أثرت الكلمات علي الجميع ورقرق الدمع عن عيونهم وانحنت هامتهم وكأنّ علي رؤسهم الطير، وتذكر الحاضرون ورسمي الذي كان شابا قويا تتدفق فيه الحيوية والنشاط وبحر من الإبتسامات العذبة، وروحا تضج بالجمال كالورود المتفتحة في عز الربيع، وطموحا يحضن أحلاما تفوق الخيال بعدما أنهي مراحله الدراسيه وبتفوق كبير جعله حديث السمار، ولكن أقرّ الجميع في لحظة صفاء نادر أن حظه كان سئيا جدا لأنه تخرج في زمن تذوب فيه القيم والمفاهيم الصومالية المجيدة في خضم المعارك والصراعات العبثية الدائرة في الوطن أكثر من عقدين من الزمن.

حسن محمود قرني

حسن محمود قُرنَي كاتب ومدون صومالي خريج جامعة أفريقيا العالمية كلية العلوم قسم جيولوجيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى