أخبارمقالات

رسالة مفتوحة الي رؤساء مناطق مقديشو الجدد

اتخذ الرئيس حسن شيخ محمود قرارا صائبا حين عينّ  لبلدية مقديشو، اللواء حسن مونغاب الذي فتح للشباب الصوماليين بعد سنوات من الاقصاء والتهميش آفاق مستقل جديد يصنعونه بأنفسهم ويضعون بصماتهم عليه، وذلك من خلال تعيين عدد من الشباب رؤساء لنواحي العاصمة مقديشو الطالع سكانها الي تحقيق شعار ثورات الربيع العربي: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. ولا يمكن ان يتحقق هذا الشعار في بلادنا الا من خلال إدارات محلية تتولى شؤونها شخصيات شابه نزية لم تتلطخ اياديها بدماء الصوماليين، ولم تكن جزءا مما حدث في سنوات حكم زعماء الحرب العجاف. 

وفيما يبدو، فقرار تعين اللواء مونغاب لهذا المنصب الحساس، لم يكن أمرا جاء بالصدفة، بل كان استجابة لمطالب اهالي مقديشو المتعطشين الي الأمن والاستقرار، وتنفيذا لرؤية استراتيجية بعيدة المدى تبناها الرئيس حسن شيخ منذ توليه رئاسة السطة في البلاد عام ٢٠١٢. ومن أهم مقررات هذه الاستراتيجية، قطع الصلة مع رجال العهد القديم الذين عاثوا البلاد فسادا وخرابا وجعلوه بلدا مستباحا لقوى الشر والطغيان حتى صرنا نموذجا فريدا للدولة المنهارة، وتمكين الكوادر الشبابة، حملة الشهادات العليا لمفاصل الحكم في الدولة؛ لأن هؤلاء الشباب هم من يعرفون هموم المجتمع، وتطلعات الجيل الناشئ الذي يطارده شبح الموت والفقر والجهل وخبايا الطريق نحو حل دائم وشامل لمشاكل الأمة المتراكمة. 

بالرغم من اختيار الشباب الذين يتولون اليوم مسؤولية معظم مناطق مقديشو وفق معيار المحاصصة العشائرية وانتماء بعضهم الي ذات العشائر التي كان زعماء تلك المناطق السابقيين ينحذرون منها الا أنهم يختلفون عن اسلافهم بعدة ميزتين اساسيتين جذيرتان بالاشارة اليهما، فالميزة الأولى، أنهم شباب مثقفون تخرج بعضهم من ارقى الجامعات في السودان وأوغندا ومصر وروسيا وغيرها من الدول العربية والافريقية وانهم اشخاص يحظون باحترام وتقدير طيف واسع من المجتمع الصومالي. 

والميزة الثانية، أن احدا منهم لم يكن طرافا في الصراعات القبلية التي اعقبت انهيار نظام سياد بري عام ١٩٩١ وان كثيرا منهم كوادر شابة لا تدفعهم الي طلب الإمارة سوى ايمانهم بأن المرحلة تحتمهم على المساهمة في انقاذ البلاد من المؤمرات التي يحيكها الأعداء في الداخل والخارج، ولا يوجد لديهم أجندات سوى أن يروا بلدهم “ أدّ الدنيا” وقوة عظمى يهاب منها الأعداء ويحترمها الأصدقاء.

 لكن خطوة تمكين الشباب في الحكم المحلي لا تخلو من تحديات جسيمة قادرة على قلب الموازين وتسبب قطيعة بين الشعب والحكومة؛ لأن المعينين رؤساء لمناطق مقديشو شباب حديثو العهد في الحكم والسياسة وأن البيئة التي يريدون العمل فيها ليست مهيئة أوصالحة لقبولهم واستيعابهم. اضف الي ذلك، هناك رجال من الفلول الذين يتربصون بهم الدوائر. ربما في الوهلة الأولي يبدون ما ليس في قلوبهم متجرعين كأس السم مكرهين، وتجدهم يسلمون السلطة والابتسامة العريضة بادية على وجوههم الا أن ما تخفي صدورهم أكبر. وتنطبق عليهيم المثل العربي الذي يقول: اذا رأيت نيوب الضيع بارزة فلا تظن أن الضبع يبتسم.

فبعض هؤلاء الرجال يتمتعون بسلطة متجذرة داخل الاحياء يمكن اطلاقها بالدولة العميقة، وخلال السنوات الماضية التي كانوا في هرم سلطة تلك الاحياء تمكنوا من تكوين مليشيات جهلة لا تعرف القراءة الا من قاموس دولة القبلية وبالتالي فان لم يكن لدى رؤساء المناطق الجدد حصافة سياسة وحكمة في الرأي، ولم يتوخوا الخذر تجاه ما يتعلق بتعاملاتهم مع مشاكل البلاد فانهم لاشك سيسقطون وسيضيعون أجمل فرصة تمر بها الشباب الصومالي منذ عقود من الزمن، بل حينها سيلعن الشعب الثقافة التي يحملونها ويقولون لها في ستين داهية. ولهذا الأسباب لابد للشباب المسؤولين أن يتبهوا بهذه التحديات الخطيرة، ويجب عليهم الا تأخذهم العواطف وعدم تقدير المواقف الي ارتكاب حماقات سياسية لا يحمد عقابها.

التاريخ لا تصنعه الصدفة والسياسة ليست كلها لعبة، فالأمر يحتاج الي تفكير عميق وتخطيط استراتيجي طويل الأمل. ولا بد للمسؤول الشاب الذي قاده الحظ الي الحكم أن يكون شخصا يتمتع ببعد النظر قادرة على قراءة ما وراء الخبر وما بين السطور ويعرف ماذا يجب أن يفعله وما ذا يجب أن يتجنبه. صحيح أن معظم هؤلاء الشباب يحملون مؤهلات علمية تأهلهم من تولي الحكم لكن العلم شيئ وممارسة السياسة شيء آخر وبناءا على ذلك ينبغي على المسؤولين الجدد أن يكونوا حذرين في تصرفاتهم وكلامهم ربما كلمة واحدة او تصرف غريب يقوم به واحد من المسؤولين الجدد يجر البلاد الي سبعين خريفا وتحول الآمال المعلقة عليهم الي سراب .

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات