أخبارمقالات

السياسة الأمريكية وتطورها تجاه الصومال

الأهمية الاستراتيجية للمنطقة من المنظور الأمريكى

إن المتغيرات الدولية التي سارت تجاه العولمه الامريكية أدت إلى إعادة توجيه السياسة الأمريكية تجاه شرق افريقيا وخاصة بعد تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانينا عام 1998م، ويمكن أن تعزى الاهتمام الامريكى بشرق افريقيا إلى الأسباب الآتية :ـ I- الوجود الإسلامي القوى في المنطقة، حيث توجد دول إسلامية مثل الصومال وجيبوتى والسودان، فضلاً عن تكتلات إسلامية قوية في دول مثل كينيا وتنزانيا، ونظراً لهشاشة بناء الدولة في هذه المجتمعات فان القوى الإسلامية عادة مات تتجاوز البناء الرسمي للسلطة. II- أهمية دول معينة في شرق أفريقيا ضمن الإستراتجية الأمريكية الخاصة بالاحتواء والمحاصرة للنظم غير الموالية ولاسيما في السودان وليبيا ومن هنا تركز الإدارة الأمريكية على دول مثل كينيا، وتنزانيا، وجيبوتي . III- من الناحية الامنية تمثل المنطقة تهديداً محتملاً للمصالح الامريكية ومصالح الدول الحليفة لها ،ولا سيما (اسرائيل) فثمه علاقات وفقاً للاعتقاد الامريكى بين التنظيمات الإسلامية في بعض دول المنطقة وبين تنظيم القاعدة. ولتحقيق الأهداف والمصالح الامريكية سعت الولايات المتحدة إلى انتهاج الوسائل الاتية :ـ 1/ محاولة إنشاء بنية أساسية تربط ما بين شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى في وسط إفريقيا وهو ما يسمى في الفكر الاستراتيجيى الامريكى اسم (القرن الإفريقي الكبير) وهو ما يسهل بسط الهيمنة الامريكية وسيطرته على مناطق الثروة الطبيعية ويشجع الاستثمارات الامريكية في هذا المجال . 2/ التركيز على جيل من القادة الجدد الذين يدافعون بشكل مباشر أو غير مباشر عن المصالح الامريكية في المنطقة. 3/ الوجود العسكري في المنطقة، وقد بدأت الولايات المتحدة بجيبوتي التي تعد أكبر قاعدة فرنسية في شرق إفريقيا وربما يكون اختيار جيبوتي لا يخلو من أكثر من مغزى ودلاله وواحدة فهي من الناحية الجيوبوليتكية قريبة من باب المندب، وتتحكم في بعض الجزر المهمة مثل سيبا موليله كما أنها تصلح كقاعدة للأبرار العسكري يفيد الوجود العسكري الامريكي في منطقة الخليج ثم هي أخيراً تتمتع بقدر نسبى من الاستقرار السياسي، حيث لم تشهد أي تغيرات عنيفة في بنية السلطة الحاكمة منذ الاستغلال عن فرنسا عام 1977م. 4/ التعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، وذلك بحجة محاربة الإرهاب، وعادة ما يتم الربط بين حركة الاتحاد الإسلامي الصومالية وبين تنظيم القاعدة. 5/ وضع تصور امريكى لتسوية الصراعات والتوترات التي تشهدها المنطقة وقد وضح ذلك بجلاء في التدخل المكثف في الشأن السودانى من خلال تعيين مبعوث خاص امريكى للسودان ، وتاييد مبادرة (الايجاد)على حساب المبادة المصرية الليبية، وأخيراً دعم الجهود الكينية في رعاية المفاوضات السودانية في (مشاكوس )(). 

 أولاً: طبيعة السياسة الأمريكية تجاه الصومال

لقد حدد والتر كانستنر Walter H. Kansteiner السكرتير المُساعد للشؤونِ الأفريقية بالخارجية الأمريكية ، في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجيةِ الفرعيّةِ الخاصة بالشؤونِ الأفريقية بمجلس الشيوخَ في 6 فبراير, 2002، أن الولايات المتحدة الأمريكية لَها ثلاثة أهدافُ تَتعلّقْ بسياستها في الصومال:

1. القضاء على التهديدَات الإرهابية الموجودَة في الصومال، والحيلولة دون استعمال الصومال قاعدة إرهابية حسب التصنيف اللأمريكي.

2. مَنْع تَطَوّراتِ الأوضاع في الصومال مِنْ أن تصل إلى تَهديد السلامِ والاستقرار الإقليميِ.

3. الَتغلّبُ على التحديات التي تواجه نظام الحكمِ القائم على المدى الطويل، ومن ذلك محاولات الإرهابيين جَعْل الصومال قاعدة لهم.

فضلاً عن ذلك فإن الإدارة الأمريكية ترى أنه في ظل فقدان الحكومةِ المركزيةِ في الصومال وإقليمها الأرضي غير المسيطر عليه وشريطها الساحلي غيرِ المَحْكُوم، فإن الظروف تكون مناسبة لأن تكون الصومال ملجأً للإرهابيين ومصدراً لتنامي نفوذ الإسلاميين الأصوليينِ. ويرى أحد الخبراء الأمريكيين أن الإرهابيين الإسلاميِين يُحْصَلون في ظل هذا الوضع على كل شيءِ يُريدُونه وهو الشريط الساحلي غير المراقب لمدة طويلة، فالحدود غير المراقبة تُؤدّي ابتداء إلى تحقيق الأهدافِ الكبيرةِ، ثم البلد الإسلامي ووجود حركة أصولية, مع انتشار القحط Immiseration واليأس، وبيئةِ الأمنِ الفوضويةِ لدولة مُنْهَارة، والموقع الاستراتيجي لمنطقة تمركز للأهداف والمصالح الغربية، كل هذا في مجموعه بيئة ومناخ مناسبين لقيام تنظيمات إرهابية مؤثرة. لقد قامت الصومال بدور رئيس إذ كان نقطة عبورِ للإرهابِ. فالموانئِ غيرِ المراقبة، ومِئات المهابطِ غير الآمنةِ، والحدود مَع كل من كينيا وإثيوبيا، كل ذلك يجعل من الصومال محطاً نقلِ للإرهابيين. وتدفق للرجال، والأموال، والعتاد من الصومال إلى شرق أفريقيا للقيام بالعملياتِ الإرهابيةِ. واستخدمت الصومال كملجأ للإرهابيين الهاَربين مِنْ كينيا، وعندما فجرت سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي ودار السلام عام 1998، استخدمت معدّات وتجهيزات عسكريةَ لصنعَ القنابل نقلت عبر الصومال. كما أن الصومال كَانتْ المحطة الثانيةً قصيرة الأمد للإرهابيين الذين هاجموا الأهدافَ الأمريكية والإسرائيليةَ في كينيا.

ويلاحظ أنه منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 وعندما بدأت جدياً جُهود مكافحة الإرهابِ الأمريكية أصبحتْ الصومال محور تركيز واهتمام الولايات المتحدة الأمريكية، واعتمدت في هذا الشأن على الاستخبارات الواردة مِنْ المصادرِ الأثيوبيةِ ولوردات الحرب الصوماليينِ. ولكن معظم معلومات هؤلاء كان مشكوك فيهاُ لأن مصالحَهم لَيستْ متطابقةَ تطابقاً موثوقاً فيه بالأولوياتِ الأمريكية، ومن نواياها فيما يتعلق بدولة جديدة في الصومال. فمن ناحية فإن إثيوبيا ربما لا يعنيها أمر الدولة الصومالية ومن ثم فهي ليست محل اهتمامها، إلا بما يتفق وتحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة. ومن ناحية أخرى فإن هناك ارتياب صومالي تجاه كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا، بحسبان التحالف بينهما، تقليدياً، هو تحالفِ تغلب عليه النزعة الدينية المسيحية وهذا النوع من التشكك والارتياب يمكن أن يلحق الضرر بالجُهودِ الأمريكية هناك. كما أن المعلومات التي زوّدتْ بها الولايات المتحدة الأمريكية مِن جانب لوردات الحرب الصوماليين ينبغي التشكك في صحتها وصدقها، خصوصاً وأنها شفوية، ومن السّهل إسَاْءة فهم تلك المعلوماتِ خارج السياقِ الحقيقي لها، وربما تتركز على هدف واحد يعنيهم وهو ما يتعلق بالمصالحةِ ولَيسَ مكافحة الإرهابَ. منذ عام 1993 وفي أعقاب تفجير المروحية الأمريكية ومقتل العسكريين الأمريكيين، كان أسلوب معالجة الولايات المتحدة الأمريكية للوضع في الصومال هو نوع مما يمكن وصفه بالإهمال الحميد”Benign Neglect”، أو افتقاد الرؤية ” “A Lack of Visionأو” انعدام التنسيقَ”No Coordination”. أو هو كراهية الإدارة الأمريكية القوية لإعادة التدخّل من جديد في الصومال. ومع تعاظم التوجه الأمريكي لضرورة تركيز الجهد العسكريِ في مكافحة الإرهابِ، فيبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحرك بقوة نحو ترك مهمة هذا الأمر لجيوش دول في المنطقة.

ثانياً: تطور السياسة الأمريكية تجاه الصومال:

على الرغم من وجود علاقات تقليدية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصومال منذ سبعينيات القرن الماضي([1])، إلا أن نشوب الحرب الأهلية في الصومال في عام 1991 وفي أعقاب الإطاحة بنظام محمد سياد بري، دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى التورط في أحداث الصومال تحت شعارات مثل: “استعادة الأمل” و”التدخل العسكري الإنساني”، فقد أرسلت إدارة جورج بوش (الأب) قوات عسكرية إلى الصومال في ديسمبر 1992، وكما تزعم الإدارة الأمريكية أن هذا حدث بناء على طلب صريح من الأمين العام للأمم المتحدة، مدعوماً بتصويت إجماعي في مجلس الأمن يدعو إلى إنشاء بيئة آمنة تمثل شرطاً حتمياً للأمم المتحدة لتوفير مساعدة إنسانية والتشجيع على المصالحة الوطنية والتخفيف من المعاناة الإنسانية، غير أن ما لم يؤخذ في الحسبان هو كيفية إنجاز المهمة وكيفية الخروج من هناك في حالة إتمامها أو عدم إتمامها. 

وبعد تولي “بيل كلينتون” الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية توسعت المهمة الأمريكية من حفظ السلام إلى صنع له بالاستناد إلى صلاحية التنفيذ بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وقد تطلب ذلك نزع أسلحة الأطراف المتصارعة، وإعادة تكوين المؤسسات الإقليمية والإدارة المدنية في البلاد بأسرها. وحسب ما ورد في نص قرار مجلس الأمن وحسب تحديد الولايات المتحدة الأمريكية للهدف في الصومال وفقا لتحديد السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة في ذلك الحين مادلين أولبرايت فهو كالتالي: “يتعين علينا الإبقاء على المسار والمساعدة في دفع البلد وشعبه من فئة الدول العاجزة إلى دولة ديمقراطية ناشئة”. 

وجاءت الجهود الهادفة إلى تكوين سلطة مركزية في الصومال وذات طابع ديمقراطي، ضد الحقيقة التاريخية التي تفيد بأن الصومال في ذلك الوقت لم يكن دولة، وإنما مجموعة من القبائل المتحاربة، وأنه عندما أضيف بناء الدولة إلى جدول الأعمال تطلبت الأهداف السياسية للتدخل في الصومال، مجهوداً عسكرياً رئيساً ومستمراً لا يمكن تحقيقه بدون الاستعداد لاحتمال التعرض للإصابات، ولهذا ظهر عدم إدراك واشنطن لما ينطوي عليه تباطؤ المهمة، عندما خفضت إدارة كلينتون الجديدة عدد القوات الأمريكية العاملة هناك من ثمانية وعشرين ألفاً إلى أربعة آلاف، ونتيجة للمهمة الجديدة، اندلع قتال أسفر عن مقتل عدد من الجنود الأمريكيين في أكتوبر 1993. فسحبت القوات الأمريكية المتبقية فجأة وتبين أنه في حين رأت الولايات المتحدة الأمريكية أن رفع المعاناة الإنسانية في الصومال يستحق تضحيات مالية واقتصادية، إلا أنها لم تكن مستعدة لبذل أرواح أمريكية، وهو التعريف العملي لحدود المصلحة الإنسانية لأمريكا في الصومال. 

 ثالثاُ: التعامل الأمريكي مع الصومال

يلاحظ أنه في نهاية عام 1992 كان برنامج تدخل الأمم المتحدة في الصومال الذي وضعه د. بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الحين يتمثل فيما يلي:

1. نزع سلاح الميليشيات.

2. دعوة المؤتمر الوطني للاجتماع.

3. إعادة توحيد البلد تحت سلطة تنفيذية مؤقتة تضم الجمهورية التي أعلنت عن تسميتها بجمهورية أرض الصومال.

ومنذ البداية عارضت الولايات المتحدة الأمريكية عدداً من نقاط هذه الخطة. فجورج بوش(رئيس أمريكا في ذاك الوقت) لم يتحرك إلا لأسباب تتصل بالسياسة الخارجية؛ إذ كان يهدف إلى منع الكونجرس من خفض الميزانية العسكرية. لذلك رفض نزع سلاح الميليشيات. وإن أعقب ذلك التدخل الأمريكي في الصومال، ويرى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن التدخلات الإنسانية العسكرية المختلفة التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي، وخصوصاً منذ تسعينيات القرن الماضي حظيت بدرجات متفاوتة من القبول الدولي، فقد استندت الحملة في الصومال إلى قرار صادر عن مجلس الأمن، وانطلقت بناءً على طلب مباشر من الأمين العام للأمم المتحدة، ومن ثم لم تثر مسألة المبدأ حول ما إذا كان من الممكن فرض الحل العسكري أحادياً أو بواسطة مجموعة من الدول بدون قرار دولي، إلا أن تلاشي الإجماع الدولي في هذه المسألة حدث نتيجة تحول المهمة من عملية لحفظ السلام إلى عملية لصنعه، ومن الإشراف على الفرقاء الذين قبلوا بها إلى فرض نتيجة على طرف واحد أو أكثر بالقوة.

وعلى الرغم من الانسحاب الأمريكي من الصومال عام 1994 في أعقاب أحداث مقديشيو بعد مقتل ثمانية عشر جنديا أمريكياً والتمثيل بجثة أحدهم، يرى الكثير من المراقبين أن عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الصومال مسألة وقت. خاصة وان واشنطن طرحت أكثر من مرة، على مستوى الأمم المتحدة، فكرة إرسال قوة دولية لحفظ السلام في الصومال تكون نواتها بالطبع من القوات الأمريكية . وقد لا تكون مكافحة تنظيم القاعدة والقراصنة الهدف الوحيد، بل وليس حتى الهدف الرئيس للأمريكيين في القرن الأفريقي. فللصومال أطول ساحل بين جميع الأقطار الأفريقية، وهو يقفل من الجنوب مداخل البحر الأحمر من جهة المحيط الهندي. ومعروف أن مضيق باب المندب مفتاح طريق البترول، حيث يعبره يوميا أكثر من 3 ملايين و 500 ألف برميل من النفط. وكذلك تنطوي بطون الأرض في الصومال على ثروات طبيعية منها اليورانيوم، وربما النفط أيضا. وليس خافيا على أحد أن دولا كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة، انخرطت اليوم في الصراع من أجل ثروات أفريقيا ومواردها. فليس من قبيل الصدفة أن يستشف خبراء كثيرون من وراء تشكيل القيادة الأفريقية “أفريكوم” قبل بضع سنوات رغبة الولايات المتحدة الأمريكية ليس في ضمان الأمن في القارة الأفريقية بقدر ما تنوي ترسيخ َ مواقعها في هذه المنطقة الغنية بالموارد، وكذلك مواجهة َ المنافسين المحتملين هناك، وتخصيصاً الصين.

رابعاً: التعامل الأمريكي ـ الإثيوبي مع الصومال

عندما دَخلتْ القواتَ الأثيوبيةَ الصومال، أعطيتْ دعمَاً ضمنيَاً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم تحول على دعم  علني مفتوح في 26 ديسمبر 2006. وتقوم إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية الرامية إلى المُشَارَكَة مَع الحكومة الإثيوبية أنه يقودها المسيحيون، وأن جيشها يعد واحدا من أفضل الجيوشِ في أفريقيا ذات الإعداد الجيد، وأن تحالفها مع إثيوبيا في الجُهودِ الأمريكية لمكافحة الإرهابِ يماثل التحالف الغربي في أفغانستان، ومن ثم فقد طوّرتْ الولايات المتحدة الأمريكية بتحالفها الوثيق مع إثيوبيا، بأن جعلت لنفسها حليفاً يمكن الاعتماد عليه سواء في جَمْع المعلومات الاستخباراتية، أو في المهام التي تطلب إرسال قوات أمريكيةِ، كما أن إثيوبيا استفادت من عمليات تدريب مكافحة الإرهابِ، ومن وراء إقراضها من أجل شِراء الأسلحةِ والتجهيزات العسكريةِ.

وفي إطار التنسيق الأمريكي ـ الإثيوبي داخل منطقة القرن الأفريقي ربما يكون من المناسب الإشارة إلى أن الغزو الإثيوبي للصومال، خلال شهر يناير 2007، قد تم بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ، التي ترغب وتتحرك جدياً للحضور في جميع دول القرن الأفريقي، وتغض الطرف عن التجاوزات غير الديمقراطية التي تمارس داخل الدولة الإثيوبية ما دام هناك التزام من جانبها بتقديم الدعم الكامل المطلوب منها للجانب الأمريكي فيما يسميه بالحرب ضد الإرهاب. ولذلك فقد نال ميلس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي على ثناء من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون باعتباره نموذجاً لـ «الجيل الجديد» من الزعماء الأفارقة، ثم نال ثناء آخر من الرئيس الأمريكي “جورج بوش (الابن)” الذي وصفه بأنه من «أقوى أصدقاء أمريكا». ووصف أحد الكتاب الأمريكيين زيناوي بأنه يجمع بين الثقافة والاستقامة، وأنه لم يطعن في أمانته طاعن، ولم توجه إلى حكومته إلا اتهامات محدودة بالفساد. وعلى الرغم من جميع انتهاكاته الدستورية والسياسية والإنسانية، لا يزال زيناوي صديقاً لنا نحن الأمريكيين”. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما تقدم النائبان كريس سميث ودونالد بايني في يوليه من عام 2006 بتقديم مشروع قانون لإيقاف المعونات العسكرية الأمريكية لإثيوبيا ما لم ينته القمع السياسي فيها. فقد تعطل المشروع بإيعاز من الجمهوريين المنفذين لسياسة بوش. 

وهو الأمر الذي يفسر تعهد “ميليس زيناوي” بتأييد حرب الرئيس الأمريكي بوش ضد الإرهاب. ولم يكتف بالتأييد، ولكنه انتقل إلى مجال التطبيق بالتدخل لحساب مصالح الإدارة الأمريكية في الصومال، بعدما اتضح أن أمراء الحرب الصوماليين الممولين من الولايات المتحدة الأمريكية عاجزون عن إلحاق الهزيمة باتحاد المحاكم الإسلامية، وهو ما دفع واشنطن إلى أن تتجه إلى “ميليس زيناوي” لكي يثبت تعهده. وقد يكون اللقاء الذي جمع بين الجنرال “جون آبي زيد” وبين “ميليس زيناوي”، في أوائل ديسمبر 2006، قد تضمن إعطاءه الضوء الأخضر للقيام بالتدخل في الصومال. وذلك على الرغم من وجود معارضة من جانب بعض الإثيوبيين له، والذين يرون أن الصومال لا تمثل تهديدا لإثيوبيا. كما أن الصوماليين لم يهاجموا إثيوبيا فلماذا تهاجمهم؟، وعلى الجانب الآخر فإن أغلب الصوماليين يرون أن الغزو الإثيوبي لبلادهم يمثل تحويلاً للأنظار، فهو بالنسبة لبوش تحويل للأنظار عن ما يدور في العراق، وبالنسبة لميليس تحويل للمراقبة الدولية عن شؤونه الداخلية، خاصة ما يتصل بسياساته وممارساته تجاه حركات المعارضة السياسية وحركات المعارضة المسلحة المناوئة له، وعن سياساته وممارساته أيضاً على الحدود مع إريتريا. وفي حين يبدو أن مغامرة بوش قد فشلت، فالقوات الإثيوبية تنسحب، والمحاكم الإسلامية تتجمع، والأمل ضعيف في أن تتمكن الحكومة الانتقالية ـ المدعومة أمريكيا والمكونة من جمع من أمراء الحرب ـ من السيطرة على الصومال. أما بالنسبة لميليس، فلم يكن الصومال مخاطرة، حيث كان هناك احتمال في فقدان الدعم الأمريكي، ولكن مغامرة الصومال ساعدت في عدم حدوث ذلك.

إن الولايات المتحدة لا تكتفي بسياسة التدخل السافر في الشؤون الداخلية الصومالية منذ سنوات طويلة، من طريق مباشر وغير مباشر ؛ إذ إنها تدرس إمكان إنشاء قاعدة جوية في مطار هرجيسيا، وتطوير ميناء بربرة في صوماليالاند، في محاولة لغرس الوجود الأمريكي في المنطقة بكاملها وتثبيته.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد دعت، يوم 9 يونيه 2006 الدول المعنية بالصراع إلى المشاركة في اجتماع بهذا الخصوص في نيويورك منتصف يونيه 2006 للإسراع بالجهود الساعية لمساعدة مؤسسات الحكومة الصومالية على تولي زمام المسؤولية الخاصة بنشر السلام والاستقرار في البلاد، علي حد زعمها. وهو الأمر الذي دفع اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال ـ وقبل التدخل الإثيوبي العسكري في الصومال ـ للترحيب بمبادرة الولايات المتحدة الأمريكية المتضمنة أيضاً تشكيل مجموعة اتصال دولية لإجراء مفاوضات مع الجماعات الصومالية المتناحرة، وللعمل على “تهدئة الأوضاع في الصومال. جاء ذلك في الوقت الذي أجرى فيه مسؤولون في الحكومة الصومالية الانتقالية مفاوضات مع اتحاد المحاكم في مسعى لإنهاء الصراع المسلح بالبلاد. وأعرب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيس اتحاد المحاكم الإسلامية في مؤتمر صحفي بالعاصمة مقديشيو يوم 10 يونيه 2006 عن ترحيبه بالمبادرة الأمريكية، وأشار الشيخ شريف إلى أن الاتحاد مستعد للدخول في محادثات مع أي جماعة تسعى لنشر السلام والاستقرار في الصومال.

وعلى الرغم من ذلك فقد ذكر في 18 مايو 2006، أن الولايات المتحدة الأمريكية أجرت مفاوضات رسمية في العاصمة الكينية نيروبي مع ممثلين من أكبر قبيلة صومالية داعمة لاتحاد المحاكم الإسلامية، وذلك غرض إقناعها برفع دعمها عن الاتحاد والتعاون مع الأمريكيين ضده. وأشارت المصادر إلى أن المحادثات استمرت مكثفة وأنها دخلت مرحلة صعبة، عندما دارت حول نقاط الخلاف الأساسية، وخاصة حول نظرة كل منهما تجاه المحاكم الإسلامية ودورها في الصومال. وتتمثل نقاط الخلاف تلك، في نظرة الولايات المتحدة الأمريكية إلى قيادات المحاكم الإسلامية على أنها شخصيات شريرة تسعى للسيطرة على البلاد، وإقامة حكم إسلامي متشدد على غرار نظام حركة طالبان الأفغانية، وإيواء عناصر إرهابية تنتمي إلى تنظيم القاعدة، بينما ترى القبائل الصومالية في المحاكم تجمعات عشائرية تهدف للقضاء على الفوضى العارمة في البلاد. وتتهم الولايات المتحدة الأمريكية قادة اتحاد المحاكم بإيواء ثلاثة من أخطر عناصر تنظيم القاعدة منفذي حادثتي سفارتي كينيا وتنزانيا عام 1998. وربما أتت المفاوضات الأمريكية وبهذه الكثافة والإلحاح عقب الانتصارات التي حققها قادة المحاكم الإسلامية في المواجهات المسلحة مع “التحالف لإرساء السلم ومكافحة الإرهاب” الذي يضم أمراء حرب والمدعوم من أمريكياً في ثلاث جولات بمقديشيو، فقد التحالف خلالها مناطق هامة منها مطارين أحدهما في جنوب العاصمة، وآخر في شمال مقديشيو كانا تحت إمرة التحالف، ويجري عبرهما ترحيل الإسلاميين وتسليمهم إلى سلطات الولايات المتحدة.

تصاعد العنف في الصومال، حين أقدمت إثيوبيا على احتلال العديد من المناطق والمدن الصومالية ومنها العاصمة مقديشيو، بدعم واضح من الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يعطي مزيد من الانطباعات السيئة عن الولايات المتحدة الأمريكية في العالم الخارجي، وقد عللت إثيوبيا ذلك بدفع التهديدات عن محيطها الإقليمي، وبدا الدعم الأمريكي يسفر عن نفسه، عندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أَسْر فازول محمد Fazul واثنين آخرين بزعم أنهم من كبار القادة المنتمين إلى تنظيم القاعدة، وبأنهم متورطون في قصف سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في كل من كينيا وتنزانيا بشرق أفريقيا في 1998، وذلك عن طريق عملية عسكريةِ في جنوب الصومال خلال شهر يناير عام 2007. وفي الحقيقة فإن علاقة إثيوبيا بالولايات المتحدة الأمريكية يمكن وصفها بأنها ارتباط مصلحي نفعي وإستراتيجي وثيق. 

خامساً: التعامل الأمريكي مع كينيا وجيبوتي فيما يتعلق بالصومال

تشارك كينيا أيضاً بجهد كبير في التعاونِ العسكريِ مع الولايات المتحدة، وتشاركُ بأنشطة استخباراتية مع الأمريكيين و تقوم سُفن القوة البحرية الأمريكية بدوريَّات على السواحلِ لقَطْع الطرقِ أمام هروبِ ألإرهابيين من المنطقةِ وتدفقهم إليها. وتوضح الجُهود التي تبذل في هذا الشأن المستوى العالي مِنْ التعاونِ بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائِها الإقليميينِ وخصوصاً إثيوبيا، كما أنه وللمرة الأولى فقد اُستَعملت القاعدة الأمريكية في جيبوتي لإجْراء العملياتِ العسكريةِ بالمنطقة. كما يقوم معسكرِ الليمونيِCamp Lemonier في جيبوتي منذ 2002، والذي تتمركز فيه القوة الأمريكية بالقرن الأفريقي والتي تتكون من 1.500 عنصر من العسكريين الأمريكيين، بالقيام بمهام وأنشطة عسكرية ومنها تُدرّيبُ الجيوشَ الإقليميةَ على جُهودِ مكافحة الإرهابِ.

سادساً: تقييم التدخل الأمريكي في الصومال

في عام 1992م حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على المشاركة الفعلية في عملية الأُمم المتّحدة UNOSOM وادعت أنها تحاول تقديم المساعدةِ الإنسانيةِ إلى شعبِ الصومال المتضرر من الحرب الأهليةِ التي بدأت عام 1991. كما تزعم الولايات المتحدة الأمريكية أن الأُمم المتّحدة طَلبتْ تدخّلاً من جانبها عن طريق عمليةِ استعادة الأمل لاحتواء المجاعةِ، ولضمان إرسال وتوزيعِ الغذاءِ، وبعد فشلِ عمليةِ استعادة الأمل، انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الصومال وبدأت عملية الأُمم المتّحدة الثّانية UNOSOM2 في ظل غياب أمريكي واضح عن المشاركة في تلك العملية. وربما يكون السبب الجوهري لذلك يتمثل في الفَشلَ الكبير الذي لحق بتدخلها في الصومال.

وعلى الرغم من أن التطورات التي مرت بها الصومال، وحتى الراهنة منها، من الصعب أن تمثل تهديداً للولايات المتّحدةِ ولمصالحها الدولية. وهو الأمر الذي كان من المفترض أن يجعل من أي محاولة للتدخّلِ الأمريكي الواسع النطاقِ لَيس محتملاً، إلا أن التدخّل الأمريكي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي يمثل حالة أو مظهراً من مظاهر ما بَعْدَ الحرب الباردة، وربما يفسر الفشل في الصومال عام 1993 حالة تردد الولايات المتحدة الأمريكية عن المشاركة الفعلية والمباشرة في أحداث الصومال الجارية. كما أن التدخّل الأمريكي في العراق وأفغانستان يُسهمُ في التردّدِ الأمريكيِ المحتملِ للتَدَخُّل في الصومال. 

ومع ذلك ظلت الصومال حاضرة دائماً في أذهان صانعي ومتخذي القرار والسياسة في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومن ثم فإن الفشل الذي منيت به من قبل لم يمنع هؤلاء من ترديد أن الولايات المتحدة الأمريكية قَدْ تُرغَمُ أدبياً للتَدَخُّل لأن دورها ومكانتها “عالمياً” يملي عليها التعامل مع مخاوفَها الأخلاقيةَ المتعلقة بضرورة ضمان حقوقِ الإنسان، والإبقاء على سلامةَ الحدودِ الإقليمية، وتقديم المساعدةً الإنسانيةً ” بحسبان أن هناك انتهاكات شاملة لحقوقِ الإنسان في الصومال، وأن سيادة الصومال موضع تساؤل في الوقت الراهن، وأن الشعب الصومالي في حاجة ماسّة إلى المساعدةِ الإنسانيةِ، وأن هذا الوضع يجعل الولايات المتحدة الأمريكية في موقعِ شاذ أدبياً، وأن الأزمة في الصومال تتَطْلبُ انتباهاً أمريكياً، لكن بواقعية، وبدون ترجيح أو احتمال لأية محاولة للتدخّل المباشر. حتى وإن كان التدخل الأمريكي يُمْكِنُ أَنْ يُعجّلَ بإيجاد حَلّ سلمي للأزمة في الصومال وجلب السلامِ للمنطقة. 

إن المزاعم التي تروج لها الولايات المتحدة الأمريكية حول التحركات المتنوعة والموسعة لإزالة معاقلَ القاعدةِ في المنطقة، والدعم والتأييد المتعاظم للإثيوبيين لتصعيد هجماتهم وعملياتهم العسكرية في الصومال، جاء في الوقت الذي تمكنت فيه قوات المحاكمَ الإسلاميةَ من استعادة قدر من الأمن والاستقرار في العديد من المناطق المضطربة، كما تمكنت من طَرْد وملاحقة أمراء الحرب الأقوياءِ في المُدنِ الرئيسية (العاصمةِ التقليديةِ مقديشيو والميناء الجنوبي الإستراتيجي كسمايو Kismayu)، ولذلك تَمتّعتْ بدعمِ وتأييد غالب الصوماليين، أما السلوك الأمريكي والإثيوبي الذي جاء سريعاً وفي أعقاب تلك التطورات وبادعاء طردهم وملاحقتهم للإسلاميين، فلن يترتب عليه سوى زيادة العنفِ والصراعات في المنطقة وتعميقها. ولذلك فإن التساؤل الذي يفرض نفسه في ظل هذا الوضع هو لماذا هذا الدعم الأمريكي لما تقوم به إثيوبيا في الصومال، ولأي غرض يُصمّمُ؟

إن تلك الحكومةِ الصوماليةِ الجديدةِ نولت إثيوبيا تنصيبها رسمياً في الحكم مباشرةً قبل بداية عام 2007. وهي تعمل بدعم مستمر منهاّ. وتتكون الحكومةَ في الغالب مِنْ اللاجئين السياسيينِ البارزينِ مِنْ الصوماليين، وينظر الكثير من المراقبين إليها بكثير من الشكوك إلى مدى مشروعيتها القانونية والدستورية، وشرعيتها السياسية ممثلة للشعب الصومالي وتعبر وتعمل من أجل مصالحه ومصالح الدولة الصومالية العليا. لا سيما أن هذه الحكومة في رأي غالب الصوماليين إنما هي صنيعة إثيوبية بشكل أساسي ومباشر ـ وصنيعة أمريكية بشكل غير مباشر. لقد ادعى رئيسُ وزراء إثيوبيا مليس زيناوي في أعقاب غزوه للصومال بقواته المسلحة أمام أعضاء البرلمان في بلادِه أنه يَتمنّى الخُرُوج من الصومال في بضعة أسابيع، بينما الحكومة الصومالية المؤقتة والتي ليس لها أية سيطرةُ فعلية على البلادِ حتى في وجود القوات الإثيوبية المدافعة عنها، تشير إلى ضرورة بقاء الأثيوبيين لعدة شهورِ على الأقل.

إذن فالولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالصومال ظلت ومازالت بين أمرين كلاهما صعب بالنسبة لها:

1. ضرورة الاستفادة من تجارب التدخل السابقة سواء في الصومال ذاتها، أو في كل من العراق وأفغانستان، والتي تنطوي على كثير من التورط والفشل أكثر من تحقيق أهداف ومصالح محددة.

2. مخاوف الابتعاد عن الصومال بما تمثله من ثقل يرجع لموقعها الاستراتيجي المتفرد في منطقة القرن الأفريقي، ولأنها من ناحية أخرى تمثل ملاذا آمناً للجماعات التي تشكل تهديداً لها ولمصالحها العالمية، ومنها تنظيم القاعدة، ومن ثم فإن الفراغ الصومالي يمثل هاجساً أمام الإدارة الأمريكية ، ولذلك فهي حريصة على الحيلولة دون ملء هذا الفراغ من جانب تلك الجماعات أو أية جماعات متعاطفة معها. ولذلك فقد شجعت الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها إثيوبيا على القيام بدور بالنيابة عنها في الصومال في محاولة لملء هذا الفراغ ولتبديد أية مخاوف أمريكية من خلال قوات لها هناك تعمل دائبة من أجل إنهاك جماعات المقاومة للتدخل الأمريكي والإثيوبي هناك. ولعل هذا يفسر التشجيع والدعم الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية لإثيوبيا على الرغم من الإخفاقات التي تعرضت لها.

محمود عبدالصمد محمد( ذو اليدين)

باحث بمركز مقديشو للبحوث والدراسات

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات