أخبار

فيلم الكابتن فيليبس: توم هانكس والانتصار المر

تم اختيار فيلم “القبطان فيليبس-Captian Phillips” كأحد أفضل عشرة أفلام أميركية لهذا العام بحسب معهد الفيلم الأميركي. وقد حاز الفيلم على إعجاب كبير من النقاد ومن المتوقع أن يكون أحد الأفلام العشرة المرشحة لأوسكار أفضل فيلم، وإن كانت حظوظ الفيلمين “جاذبية-Gravity” و”عبداً لاثنتي عشر سنة-12 Years a Slave” أعلى منه في الفوز، لكنه قد يخرج بأكثر من جائزة. ويظل حتى في حالة عدم الفوز فيلماً جميلاً يستحق المشاهدة، فهو وإن كان يقدم قصة حقيقية لكنه يبرز حقائق إنسانية هامة.

يبدأ الفيلم بالقبطان ريتشارد فيليبس (توم هانكس) في بيته وهو يعد حقائبه. تأخذه زوجته إلى المطار حيث يسافر إلى مدينة صلالة العُمانية ليبحر من مينائها على سفينة ميرسك ألاباما والتي سيعبر بها خليج عدن للوصول إلى مومباسا عاصمة كينيا. تنقلنا الكاميرا بعدها إلى صحراء وقرية يعيش أفرادها في بيوت من صفيح وتطل على بحر, لا يجدون ما يفعلون فيها كما هو واضح، ونعرف فيما بعد أن هذا المكان هو الصومال. يقدم مسلحون إلى القرية ويطلبون من أفرادها الرجال الذهاب معهم لمعركة ما, ونراهم في سفينتين بدائيتين ينطلقون لمطاردة سفينة ميرسك ألاباما. يتنبه ريتشارد فيليبس بأن هناك من يحاول اللحاق بسفينته فيصنع كل ما هو ممكن للتهرب من المطاردة. وينجح أخيراً في أنه يبعدهم ولكن الخوف يتسرب إلى طاقم السفينة ويبدأون في التذمر. في هذه الأثناء يغضب أحد أفراد مجموعة القراصنة ويدعى عبدالوالي موس (قام بدوره بارخاد أبدي) ويواجه القائد الذي أمرهم بالانسحاب ويقول ان الأمر لم يكن يستدعي ذلك وأنه كان من الممكن أن يستولوا على السفينة. وبعد معركة صغيرة بين الرجلين يقرر هو وثلاثة معه الذهاب للاستيلاء على الكنز الثمين. يعودون بقاربهم البدائي محلمين بالأسلحة لاختطاف السفينة وعلى رغم الفارق الهائل بين عدتهم البدائية والسفينة التي تمتلك أحدث وسائل التكنولوجيا وكل محاولات الكابتن في المناورة، فإنهم ينجحون في التسلل إلى السفينة تلهبهم سياط الجوع لتقذف بهم وسط كل هذه الصعاب من أجل الحصول على ما يسد رمقهم. وهنا تبدأ معركة القبطان الحقيقية معهم، فكيف له أن يستطيع المحافظة على السفينة وعلى العاملين معه وهم ما جعله همه الأول لدرجة أنه نسي أن ينقذ نفسه.

ما يميز الفيلم عن أفلام أميركية أخرى تتعرض لهذا النوع من العداء أو الاعتداء على أمريكيين هو الطريقة التي يعرض فيها الخاطفين، فنظرة واحدة عليهم وخاصة “موس” بأجسادهم النحيلة وأسمالهم وأفواههم الفاغرة تكشف بسهولة عن جوع مفترس يحولهم إلى وحوش ويزين لهم فكرة أن أي شيء يمر من أمامهم يشكل صيداً ثميناً. وقد كان واضحاً وهم يطلبون 20 مليون دولار كفدية لإطلاق سراح طاقم السفينة والسفينة أنهم يتخيلون أن الحصول على النقود من العالم الآخر “الغني” مسألة سهلة، وأن مجابهة دولة عظمى يمكن التخلص منها بسهولة وبدون تبعات لسرقة سفينة واختطاف مواطني دول أخرى.

وتكشف الحوارات التي تدور بين فيليبس وموس عن جانب مهم حيث العالم الفقير يعاني من ويلات الفاقة والمجاعات والحروب ويلوم الدول الكبرى على وضعه السيىء فهو يعتقد بأنهم سبب لما هو فيه. فموس يعلل لفيليبس أن من حقه أن يطالبهم بأموال حيث يقول له: “إنكم بسفنكم الكبرى تقتلون الأسماك وهو ما نعيش عليه”. فيقول له فيليبس: “لا بد أن هناك شيئاً آخر غير أن تكون صياداً أو أن تخطف الناس”, فيرد عليه موس: “هذا ممكن في أمريكا فقط”. بمعنى أنه في عالم لا خيار له للعيش فيه إلا بأن يتحول إلى هذا النوع من الأعمال غير القانونية.

لم يلجأ المخرج البريطاني بول جرينجراس أيضاً في هذا الفيلم لتصوير البطل الأمريكي الذي يتخطى كل الصعاب، ففيليبس لم يكن بطلاً ولا الخاطفين بالطبع؛ فهو يريد السلامة وهم يريدون غنيمة يعودون بها ليطردوا شبح الفقر والجوع والموت. أما الآلة العسكرية فهي عندما تأتي فهي لا ترحم, ويكفي أن نرى أشكال من يعلمون في الجهاز العسكري حين تستعرضهم الكاميرا لنشعر بالخوف من قوة لا تتوانى عن فعل أي شيء، وخوف فيليبس وهو يحاول أن يثني خاطفيه ويدعوهم للاستسلام والعودة تؤكد هذا أيضاً.

يقول موس لفيليبس إنه يحلم بالذهاب إلى أميركا ولكن وللمفارقة الحزينة فقد ذهب فعلاً ولكن بشكل آخر لم يكن يتوقعه أبداً. لا يجعل المخرج من يشاهده يحتفي بالانتصار, فهناك وضع مأساوي انتهى نهاية مأساوية، رغم أن هناك طرفاً يرى أنه انتصر. وقد كان أداء توم هانكس بحضوره الجميل والقريب إلى النفس رائعاً وأبدع في المقابل الممثل أرخاد أبدي في دور موس.

كتب سيناريو الفيلم بيلي راي، وقد اقتبسه من كتاب كتبه ريتشارد فيليبس نفسه يروي فيه حادثة اختطافه. وراي هو نفسه من كتب وأخرج فيلمه الأول “Shattered Glass” وهو أيضاً من كتب سيناريو فيلم “ألعاب الجوع” Hunger Games 2012. ومن المرجح أن يترشح لأوسكار أفضل نص مقتبس. والحقيقة أن النص مكتوب بشكل جيد جداً خاصة في حواراته.

أما في الإخراج فأسلوب بول جرينجراس البريطاني واضح بإيقاعه السريع وكاميرته المحمولة ومن شاهد فيلمه “United 93” أو أي من أفلامه الأخرى يستطيع أن يتعرف على أسلوبه الذي يقترب من الأسلوب الوثائقي, وهو دائماً يعتمد في أفلامه على قصص مستمدة من قصص حقيقية, وقد نجح في هذا تماماً هذه المرة وهو أيضاً مؤهل بقوة لأن يكون أحد المرشحين لأوسكار أفضل إخراج. وهو يؤكد في فيلمه هذا بشكل أكبر على أنه مخرج متميز وصاحب رؤية إنسانية عميقة.

صحيفة الرياض

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات