تقارير ودراسات

الصومال وغياب الرؤية في حركة مصر الخارجية

·      images
د.حمدي عبدالرحمن
من الواضح تماما أن عملية إعادة الصياغة الجيواستراتيجية للصومال ومنطقة القرن الأفريقي عموما تظهر غياب الدور المصري وربما استبعاده من الناحية الاستراتيجية وذلك لصالح أطراف أقليمية غير عربية. ولعل ما يثير الدهشة والتعجب في آن واحد هو أنه في نفس اللحظة التي كان الرئيس محمد مرسي متوجها فيها إلى البرازيل في زيارة قيل أنها تاريخية كالعادة افتتح ديفيد كاميرون رئيس الوزراءالبريطاني مؤتمر إعمار الصومال الثاني في لندن في السابع من مايو/أيار 2013 بمشاركة ممثلين عن نحو خمسين دولة ومنظمة دولية. والملاحظ أن التمثيل المصري في هذا المؤتمر كان بروتوكوليا ولايعكس فقه الأولويات في الحركة السياسية الخارجية لمصر بعد الثورة. أليست بلاد الصومال من حيث الأهمية التاريخية والحضارية والجيوبوليتكية هي الظهير الاستراتيجي لمصر المحروسة؟.
ويظهر قليل من التأمل في فعاليات مؤتمر لندن الذي استمر ثلاثة أيام أن مصر تفتقد الرؤية الواضحة فيما يتعلق بمحيطها الأفريقي. وبالمقابل فان القوى الدولية والاقليمية تتدافع من أجل تحقيق الثروة والنفوذ في أفريقيا. يقول ديفيد كميرون بكل وضوح في افتتاح مؤتمر الصومال: “إن المملكة المتحدة ، والعالم أجمع يهتم بأمر الصومال طالما أن عقول شباب الصوماليين لاتزال معرضة لخطر التسميم من قبل دعاية الشباب المجاهدين التي تسعى إلى تصدير الارهاب والتطرف خارج حدود الصومال. واذا فكر البعض بأن الصومال ليست أولوية .. فاني أقول له أنظر إلى ما فعلناه في الماضي وماذا كانت النتيجةارهاب وهجرة جماعية. لقد ارتكبنا هذا الخطأ في أفغانستان ولسنا على أستعداد أن نكرره في القرن الأفريقي“. وعليه فان المملكة المتحدة تسعي لتحقيق هدفين اثنين من سياستها تجاه الصومال أولهما : أن لاتصبح الصومال ملاذا آمنا للجماعات الارهابية التي تهدد المصالح البريطانية وثانيا أن لا تؤدي الفوضى العارمة إلى موجة نزوح جماعية جديدة تجاه بريطانيا.
لقد سبق انعقاد هذا المؤتمر ثلاثة تحولات مهمة قد تستبطن في حقيقتها ودلالاتها العميقة استبعاد مصر من خريطة المعادلة الاستيراتيجية في القرن الأفريقي وذلك لحساب قوى دولية واقليمية غيرعربية. التحول الأول يتمثل في الاعتراف الدولي الغربي بحكومة الرئيس حسن شيخ محمود باعتبارها أكثر الحكومات الصومالية شرعية منذ عام ١٩٩١، كما أنها تمثل بداية عهد جديد للصومال المستقر وفقا للوصفة الغربية. وقد اتخذ هذا الاعتراف الدولي أشكالا متعددة لعل من أبرزها:
1-
قرارمجلس الأمن الدولي تخفيف الحظر المفروض على الأسلحة الموجهة للحكومة الصومالية،ثم اتخاذ هذا المجلس قرارا بالاجماع بالتزامن مع مؤتمر لندن الثاني بانشاء بعثة أممية متكاملة في الصومال بحيث تندمج فيها كل بعثات الأمم المتحدة السسياسية والأنسانية في الصومال، وهو ما يسهل على الحكومة الصومالية مسألة التعامل مع الأمم المتحدة. 2- قيام المملكة المتحدة باعادة افتتاح سفارتها في مقديشيو واعتراف الولايات المتحدة رسميا بحكومة الرئيس حسن شيخ محمود وهو ما يمهد الطريق لتدفقات جديدة من المساعدة سواء من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) أووكالات أمريكية أخرى وكذلك من الجهات الدولية المانحة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.3- اعتراف صندوق النقد الدولي بالحكومة الصومالية الجديدة. ولاشك أن هذا الاعتراف يمكن الصندوق من تقديم المساعدة التقنية والمشورة في مجال السياسات للحكومة الصومالية.
ويتمثل التحول الثاني في الموقف الأثيوبي من الصومال والذي تم التعبير عنه بشكل مفاجىء في شهر مارس/آذار ٢٠١٣ الماضي حينما قررت الحكومة الأثيوبية بسحب قواتها من مدينة حدر حاضرة محافظة بكول الصومالية. اذ يمكن رؤية هذا الحدث و تفسيره من زاويتين : الأولى أن أثيوبيا ترغب في الاسراع من وتيرة فرض الأمن والاستقرار في الصومال من خلال اجبار القوات الأممية العاملة على حفظ السلام في الصومال والمعروفة باسم ( الاميصوم ) على الانخراط في مطاردة جماعات الشباب المجاهدين في مختلف أنحاء البلاد حيث أن القوات الاسلامية قامت بالفعل باسترداد مدينة حدر بعد الانسحاب الأثيوبي منها. غير أن التفسير الثاني والأكثر ترجيحا هو أن أثيوبيا ترغب في أن تكون جزءا من أصحاب القبعات الخضراء وهي القوات الأممية في الصومال ، ويبدو أن دول منظمة الايجاد التي تقودها أثيوبيا لا تمانع من تحقيق هذا الطرح الأثيوبي بشأن الصومال . ولعل حضور رؤساء كينيا واثيوبيا وأوغنده مؤتمر لندن الخاص باعمار الصومال يؤكد على وحدة الطرح الذي تتبناه دول الايجاد بالنسبة لقضايا الأمن والاستقرار في الصومال.
أما التحول الثالث فيتمثل في موقف قمة الايجاد غير العادية التي انعقدت في اديس ابابا في الثالث من مايو/أيار ٢٠١٣ حيث أكدت على أهمية تطييق خريطة الطريق التي تتبناها دول الجماعة الأفريقية وبمساعدة غربية من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في الصومال . وقد تبنت قمة الايجاد التي حضرها رئيس جنوب السودان سلفا كير موقفا موحدا ازاء ضرورة محاربة قوات الشباب المجاهدين.
ومن الواضح تماما أن الغرب و دول الجوار الصومالي يعتمد على عسكرة عملية إعادة بناء الصومال وذلك من خلال اعادة مرفق الأمن الصومالي الذي انهار تماما مع انهيار السلطة المركزية عام ١٩٩١. يقول ديفيد كميرونإن الصومال ، شأنها شأن مناطق أخرى كثيرة، لا يمكن أن تحقق التنمية دون اعادة بناء مرفق الأمنوبالفعل تعهدت بريطانيا بدفع مبلغ (١٥,٥) مليون دولار للمساعدة في تطوير القوات المسلحة الصومالية ولتدريب القضاه والمحامين بما يسهم في اصلاح مرفق العدالة الصومالية. وفي نفس السياق تعهد الاتحاد الأوربي بالمساهمة في هذه المبادرة بنحو (٥٨) مليون دولار.
وعلى أية حال فان مؤتمر الصومال الثاني الذي انعقد في لانكستر هاوس يختلف عن سابقه الذي عقد في نفس المكان العام الماضي من حيث وجود بعض التحولات الإيجابية التي تدعو للتفاؤل في المشهد السياسي والمجتمعي في الصومال وذلك على الصعيدين الانساني و الأمني . فمن الملاحظ أن هجمات القراصنة على الساحل الصومالي قد انخفضت بمعدل كبير يصل إلى الثلاثة أرباع عما كانت عليه العام السابق. كما تمكنت القوات المسلحة الصومالية بمساعدة قوات الأميصوم من استرداد العديد من الأقاليم التي كانت تحت سيطرة الشباب المجاهدين . ولعل آخر هذه الانتصارات الحكومية وبمساعدة القوات الكينية تمثل في استعادة ميناء كيسمايو الاستراتيجي في اكتوبر ٢٠١٢.
وقد انعكس هذا المناخ الايجابي على الصوماليين في بلدان الشتات حيث شهد العام الماضي وحده عودة نحو (٦٦) ألف لاجىء و نازح إلى ديارهم في الصومال. ولعل من المظاهر الايجابية هو استعادة الثقة في العملة الصومالية نتيجة تحويلات الصوماليين في الخارج. فشركات الاتصال والشحن بدأت تستعيد نشاطها المعتاد في مقديشيو. ومع ذلك فان ثمة تحديات كبرى تواجه مسيرة التحول الانتقالي في الصومال الجديد. وهنا يمكن أن نشير إلى أبرزها على النحو التالي :
التحدي الاول ويتمثل في الداخل الصومالي نفسه حيث أن الشباب المجاهدين لا يزالون يمثلون خطرا حقيقيا بالرغم من الهزائم المتكررة التي تعرضوا ليها . فثمة مناخ عام في كثير من المناطق الصومالية التي عانت من الفقر والتهميش والعنف ردحا طويلا من الزمان يساعد على انتشار وجاذبية الخطاب الاسلامي الراديكالي الذي تتبناه كثير من الجماعات الجهادية في الصومال وشرق افريقيا.واذا كانت الحكومة الصومالية الحالية تشجع الحوار والتفاوض مع العناصر المعتدلة أو العقول المسممة (طبقا لوصف ديفيد كميرون) في صفوف الشباب المجاهدين، وهي العناصر التي انضمت سعيا وراء المكاسب المادية أو أغراض أخرى غير عقيدية فان الحل العسكري لايزال هو المفضل لدى الطبقة الحاكمة في الصومال ومن جهة أخزى توجد بعض الأقاليم التي لا تريد العودة إلى حضن الفيدرالية الجديد مثل اقليم أرض الصومال الذي قاطع فعاليات مؤتمر لندن أو بعض الأقاليم الأخرى التي تريد وضعا خاصا مثل اقليم جوبالاند . ولايخفى أن الأراضي الصومالية الممتدة من مدينة كيسمايو إلى الحدود الكينية لاتزال من الناحية السياسية والإدارية تحت الاحتلال الكامل للقوات الكينية التي تسعى لاقامة منطقة عازلة من خلال انشاء ولاية صومالية جديدة تطلق عليها اسم أزانيا أو جوبالاند .
ويتمثل التحدي الثاني في السياق الاقليمي ولا سيما دول الجوار الجغرافي للصومال. فالقرن الأفريقي الكبير لم يكن فقط ضحية للأزمة الصومالية من حيث آثارها السلبية عليه ولكنه تحمل أيضا كلفة الحل العسكري في مواجهة الشباب المجاهدين . ألم تتدخل قوات أثيوبية وكينية وأوغندية و بوروندية في المعترك الصومالي ولا تزال . وعليه فان تسوية مستقبلية للصومال وأزمته المزمنه لا يمكن لها أن تدوم دون مشاركة فعالة من هذه الدول ، وهنا يمكن أن نشير إلى الموقف المصري والعربي عموما بأنه كان أقرب إلى وضع الشاهداللي ما شافش حاجة “. فبأي حق يمكن أن نطالب بدور في اعادة صياغة الصومال من الناحية الجيواستراتيجية؟ !
و أخيرا فان التحدي الثالث يتمثل في وقوع الصومال ضمن الأجندة الأمريكية الجديدة التي تعمد إلى عسكرة عملية التنافس الدولي في أفريقيا . فالولايات المتحدة منذ فبراير ٢٠١٣ عملت على تسريع وتفعيل قياداتها العسكرية في أفريقيا ( أفريقوم ). فمع اندلاع الحرب في مالي قرر الرئيس أوباما انشاء معسكر أمريكي في النيجر وهو ما يعطي الولايات المتحدة قدرة على الاختراق في الساحل الافريقي ومنطقة غرب افريقيا انطلاقا من أراضي النيجر. واذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود أكبر معسكر أمريكي في قاعدة لومينية بجيبوتي لأدركنا التحكم الأمريكي في منطقة القرن الأفريقي و شرق أفريقيا بشكل عام . يعني ذلك كله أن الصومال الجديد سوف يراد له أن يكون خصما من الرصيد الاستراتيجي العربي في منطقة الأركان الأفريقية وذلك في نفس الوقت الذي يمثل فيه اضافة استراتيجية للقوى الاقليمية غير العربية مثل كينيا وأوغنده و أثيوبيا ،والتي حرص زعماؤها على حضور مؤتمر لندن الثاني بشأن الصومال . والملاحظة التي تدعو للتأمل هنا أن ايهورو كينياتا الملاحق من قبل الجنائية الدولية أصر على المشاركة بنفسه في مؤتمر لندن لتكون أول زيارة له لدولة غربية بعد انتخابه رئيسا لكينيا.
أين مصر من كل هذا ؟! أظن أن القراءة الواعية لما يحدث في الصومال وجواره الأفريقي لا سيما ما يرتبط بالسودان وملف مياه النيل لا تدعو إلى التفاؤل على الاطلاق . ولعل هذا يتطلب من الجماعة الوطنية المصرية اعادة مراجعة شامله لمفاهيم الأمن القومي. فاذا كان ذلك كله لا يمس أمننا القومي يصبح المفهوم نفسه عديم القيمة.ألم نسمع عن من يتحدث في أعلى دائرة القرار السياسي في مصر عن التفريط في حدود مصر الجنوبية ؟ ولعل ما يدفع إلى التعجب من مآلات الأمور بعد ثورة يناير أن يصل التخبط في حركة السياسة الخارجية المصرية حد عدم الواقعية السياسية. فقد ذهب بعضهم إلى تفسير زيارات الرئيس مرسي لكل من الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا بأنها تستهدف انضمام مصر لهذه المجموعة الاقتصادية الصاعدة(البريكس). أليس الأولى أن نعيد ترتيب البيت من الداخل في مصر حتى تتحقق الانطلاقة الاقتصادية المرجوة ثم ننظربعد ذلك إلى دور الأركان في محيطنا الجغرافي ثم يكون الانتقال لمرحلة أخرى وهكذا.لقد بات التخبط والعبثية وغياب الرؤية سمات مفسرة للحركة المصرية الراهنة سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي سواء بسواء. إننا في موقف أزمة حقيقية تحتاج إلى تظافر الجهود الوطنية المخلصة للدخول في حوار مجتمعي استراتيجي من أجل البحث عن مبادرات وحلول حقيقية و ليس الدخول في جدل عقيم حول تشخيص الواقع وتاريخه، فمفردات الواقع الأفريقي الجديد باتت واضحة ولا تخفى على أحد .

 المصدر: موقع  الدكتور  حمدي عبد الرحمن في الفيس بوك

 التاريخ : مايو 2013

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات